بعد التجاوز على المدد الدستورية، تم أخيرا انتخاب رئيس الجمهورية دون تحقق التوافق الشامل بين القوى والجهات التي تهيمن على القرار، ومن دون توافق كردستاني أيضا، فيما يعجز الإطار التنسيقي حتى الان، بسبب خلافاته الداخلية، عن الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء.
ولا شك ان عدم انجاز الاستحقاقات الدستورية في اوقاتها المحددة، رغم المطالبات وعرض الموضوع على المحكمة الاتحادية، انما يعكس استخفافا من المتنفذين بقضايا مصيرية وتحديات جمة تواجه البلد وتفضيلهم لمصالحهم الضيقة، سيما في ظل التوترات التي عاشتها المنطقة والعدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران.
واليوم وإذ يواجه العراق اوقاتا عصيبة وازمات سياسية واقتصادية واجتماعية متكاثرة، فانه احوج ما يكون الى معالجات جدية بعيدة عن الحلول التقليدية التي اعتادت عليها قوى التحاصص، وعن السعي الى تدوير الازمات بإعادة انتاج الأنماط ذاتها،
التي تحكمت بالبلاد والناس خلال السنوات الماضية.
لذا تبرز بقوة هنا أهمية اختيار رئيس مجلس الوزراء، ونوعية الحكومة المراد تشكيلها. حيث أصبح واضحا بعد كل التجارب المريرة، ان البلد بحاجة الى حكومة دولة ومؤسسات وليس حكومة مكونات، حكومة تستند الى المواطنة كونها الإطار الجامع للعراقيين، بعيدا عن المحاصصة الطائفية والاثنية التي تثبت كل يوم فشلها الذريع في إدارة البلد وشؤونه، والتي أدت الى تفكك مؤسسات الدولة وتحولها الى ضيعات تصول فيها هذه الجهة المتنفذة او غيرها، تلك الجماعة المسلحة او سواها.
ويظهر اليقين المستند الى ملموسيات السنين العجاف الماضية، ان التمسك بهذا النهج لا يعني غير الضياع وتكرار الازمات، بغض النظر عما رُفع ويرفع من شعارات ووعود.
ان بلدنا بأمس الحاجة الى سلطة تنفيذية قادرة على انفاذ القانون على الجميع، وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح فعليا بيدها، وحسم موضوعة تعدد مراكز القوة خارج إطار المؤسسات الدستورية، والتي لمسنا جميعا اثارها الوخيمة على البلد ومواطنيه في الأسابيع الأخيرة. وان استمرار هذا التعدد لا يؤدي الا الى المزيد من أسباب الفوضى وتعريض البلد الى المخاطر الجدية وإمكان الانزلاق الى صراعات لا ناقة للشعب فيها ولا جمل.
وقد اشرت الازمة الاقتصادية التي مر ويمر بها البلد،ـ جراء الحرب وعدم إمكانية تصدير النفط الخام، الى ان الاستمرار على النهج ذاته في قضايا الاقتصاد والمال، يعني المزيد من الارتهان الى الخارج وتقلبات أسعار النفط . لذا بات ملحا امتلاك رؤية تنموية وإرادة لتحقيق ذلك والانتقال بالبلاد من الريعية الى التنوع، ودعم القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية، وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار، والتوجه الجاد الى ضغط النفقات والمكافحة الشاملة للفساد، وتوفير فرص عمل وخاصة للشباب، وتاسيس الصناديق السيادية التي اشرت الازمة الأخيرة ضرورتها القصوى، والعمل على تحقيق استقرار اقتصادي وتنمية متوزانة ومستدامة.
وأبرزت التطورات أيضا ضرورة امتلاك ناصية القرار الوطني المستقل والتحكم بسيادة البلد واستقلاله، إضافة الى الاستحقاقات السياسية، وإصلاح المنظومة الانتخابية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحريات العامة والخاصة. إضافة الى تحسين مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية وتبني مشاريع وطنية لمعالجة الفقر والبطالة، مع إعادة توزيع الدخل الوطني وتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية.
هذا وغيره من الاستحقاقات هو المطلوب لوقف التدهور وإنقاذ البلد مما هو فيه، ومن المؤكد ان فئات المنتفعين من السلطة ومغانمها، لا يمتلكون حافز الإصلاح ناهيك عن التغيير. لذا فانهم يقاومون كل مسعى بهذا الاتجاه. لكن هناك واقعا اخر متغيرا، فاستمرار الوضع الحالي غير قابل للاستدامة، وتتزايد الضغوط والصعوبات الاقتصادية، وتتفاقم مشاعر الاستياء والغضب الشعبيين وتتعاظم، جراء اتساع الهوة بين الفقر والغنى ودوامة الازمات سواء اتخذت طابعا موسميا ام مستداما.
وهذه العناصر جميعا لا بد ان تكون في سياق مشروع وطني شامل لفرض الاستحقاقات، مشروع يستند الى وعي المصالح جماهيريا، والى التنظيم وتأمين الإرادة، وتعبئة كل القوى ذات المصلحة في التغيير.