اخر الاخبار

كانت واشنطن، في تجارب سابقة، قادرة على تشكيل تحالفات عريضة، تُسوّق الحرب بوصفها "موقفاً دولياً". أما اليوم، فان المشهد مختلف. فحلف الناتو لم يُظهر وحدة موقف، والدول الأوروبية بدت أقرب إلى معارضة سياسات ترامب من الاصطفاف خلفه.

فرنسا لم تنخرط في تأييد الحرب، وطرحت بدائل لإدارة الملاحة بعيداً عن خطط واشنطن. وإسبانيا ذهبت أبعد بسحب سفيرها من تل أبيب وفتح قنوات دبلوماسية مع طهران. أما إيطاليا فجمّدت علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة تعكس اتساع التباعد داخل المعسكر الغربي نفسه.

وفي دول أخرى، لم يكن الموقف أقل وضوحاً. ففي إيرلندا تصاعد الغضب الشعبي والرسمي ضد سياسات الحرب، فيما عبّر البرلمان البولندي عن رفضه لما اعتبره ضغوطاً سياسية مرتبطة بالموقف من إسرائيل. أما في تركيا، فتدهورت العلاقات مع تل أبيب، ووصل الأمر حد تقديم لوائح اتهام قضائية بحق مسؤولين إسرائيليين، بتهم تتعلق بجرائم الحرب.

 

حتى في بريطانيا، الحليف الأقرب تقليدياً لواشنطن، ظهرت مواقف ناقدة، وُصفت فيها سياسات ترامب بأنها غير محسوبة وتفتقر إلى الرؤية. وفي الفاتيكان، برزت مواقف أخلاقية حادة ترفض الحرب ومنطقها وتدين تداعياتها الإنسانية.

ولم يقتصر الأمر على الحكومات، بل امتد إلى الشارع الأوروبي، حيث تصاعدت حملات شعبية واسعة، قُدمت خلالها عرائض مليونية تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل. وهو ما يعكس تحوّلاً أعمق في المزاج العام، يرى في هذه الحرب عبئاً أخلاقياً واقتصادياً، لا ضرورة سياسية.

هذا التباين الواسع لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل يكشف عن أزمة حقيقية في قدرة واشنطن على فرض الإجماع. فبدلاً من أن توحّد الحرب حلفاءها، بدأت تُفرّقهم، وبدلاً من أن تعزز قيادتها للنظام الدولي، وضعتها موضع تساؤل.

لكن المفارقة الأكبر تكمن في الداخل الأمريكي نفسه. فحركة (ماغا MAGA)، أي(لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، التي تحوّلت من شعار انتخابي إلى تيار سياسي-اجتماعي، صعد بدعمه ترامب إلى السلطة، تقوم على رفض الحروب الخارجية والتركيز على الداخل الأمريكي.

اليوم، تجد هذه القاعدة نفسها أمام حرب تُخاض باسمها، ما خلق حالة من التململ والانقسام داخلها. فهذا التيار، الذي جمع بين قوميين محافظين ومسيحيين إنجيليين وشرائح من الطبقة العاملة، لم يُبنَ على فكرة التوسع العسكري، بل على العكس، على الانكفاء النسبي عن الصراعات الخارجية. ومع استمرار الحرب وارتفاع كلفتها اقتصادياً وسياسياً، بدأت تناقضات هذا المشروع بالظهور.

وهنا تتضح صورة أعمق، فهذه الحرب لا تكشف حدود القوة العسكرية فحسب، بل تكشف أيضاً تراجع التأييد السياسي لترامب داخل الولايات المتحدة نفسها، بجانب فقدانه دعم حلفاء واشنطن التقليديين.

وهكذا يقف ترامب أمام مأزق حقيقي ..

فهو عاجز عن إيجاد مخرج سياسي يحفظ له الحد الأدنى من الإنجاز، وهو مندفع ، بعنجهيّة، نحو إبقاء الصراع مفتوحاً، بما يفاقم الانقسامات الداخلية ويعمّق العزلة الخارجية.

فالقوة بلا حلفاء… عزلة.