يمثل الامن الغذائي في بلادنا قضية استراتيجية، ترتبط مباشرة بعموم الاقتصاد والموارد الطبيعية والتحولات المناخية والسياسة العامة للدولة، وبحياة الناس.
وارتباطا بمفهوم الامن الغذائي الذي تتبناه منظمة الغذاء والزراعة الدولية، والقائل: "يتحقق الامن الغذائي عندما تتوفر لجميع الناس في كل الأوقات إمكانية الوصول المادي والاقتصادي الى غذاء كاف وآمن ومغذٍّ، يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية من اجل حياة نشطة وصحية" فان الامن الغذائي يقوم على عناصر أربعة، تتمثل في التوفر وإمكانية الوصول والاستقرار والاستخدام. وهو لا يعني فقط انتاج الغذاء، بل يشمل العدالة في التوزيع، واستمرار توفر الغذاء، وإمكانية الوصول اليه بشكل دائم، كذلك الاستفادة منه من حيث جودته وسلامته وقيمته الغذائية، إضافة الى توفر المياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، وقدرة المواطنين ماديا واقتصاديا على الحصول على الغذاء. وهذا يتحقق عبر توفر الدخول الدائمة والمستقرة والكافية للقيام بذلك، او توفر دعم الدولة اللازم لشرائه.
ان معاينة هذا التعريف ومحاولة اسقاطه على الوضع الغذائي في العراق، تمكننا من القول ان الامر يأخذ ابعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية، خصوصا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار تعريفات أخرى حديثة، تميّز بين "الامن الغذائي" و"السيادة الغذائية". حيث ان الامن الغذائي وفقا لتلك المقاربات قد يتحقق عند توفر الإمكانات المالية للاستيراد، فيما "السيادة الغذائية" تتحدث عن حق الشعوب في انتاج غذائها بنفسها، والتحكم بسياساتها الزراعية والمائية والغذائية، وهنا يجري ربط الغذاء بالسيادة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وتبين قضية الامن الغذائي في بلدنا انها ترتبط بتوزيع الدخل وسياسة وكفاءة إدارة الدولة، وباستدامة الموارد والاعتماد على الخارج. وهذا يقود الى حقيقة ان ازمة الامن الغذائي في العراق متعددة الابعاد وتشمل:
*ازمة انتاج لعوامل تتحكم بالإنتاج الزراعي وسلاسل المواد الغذائية
*ازمة توزيع بسبب الفقر والبطالة التي ظلت في مستويات عالية وفقا للمؤشرات العالمية.
*ازمة استقرار، حيث الاعتماد على مصدر مالي مهيمن يكاد يكون وحيدا، وهو عوائد النفط الخام المصدر، بأسعاره غير المستقرة عالميا، او في ظروف طارئة، مثلما يحصل الان جراء الحرب العدوانية على أيران، بفعل عدم القدرة على الإنتاج والتصدي. وكل هذا يتسبب في هشاشة الاقتصاد.
* ازمة سيادة وتحكم، بمعنى الاعتماد المتزايد على الاستيراد الخارجي.
* ازمة استدامة جراء التدهور البيئي متعدد الاشكال والتجليات.
وتبرز أهمية الامن الغذائي في العراق وتتجلى، خصوصا، في أوقات الازمات وحالات الطوارئ، كما الحال الآن، وحيث الحرب والتوتر في الشرق الأوسط وتاثيرهما على تصدير النفط، وارتفاع الأسعار وتقطع سلاسل التوريد او حتى عدم القدرة على التوريد.
وإذا حاولنا الاقتراب من الاحتياطي الغذائي العراقي اعتمادا على اهم مكون في الامن الغذائي، وهو مخزون الحبوب خصوصا القمح، كونه يمثل الغذاء الأساسي للسكان واساس البطاقة التموينية، فان مخزونه يكفي تقريبا لمدة ٤ الى ٦ أشهر من الاستهلاك المحلي، وفي أحسن الأحوال قد يمتد الى ٨ أشهر. والشيء نفسه يقال عن المفردات الغذائية الأخرى الأساسية، والتي تعتمد على الاستيراد الواسع.
ولتسليط الضوء أكثر على هذا الموضوع الهام والذي لا يحظى بالاهتمام الكافي، نشير الى انه حسب برنامج الغذاء العالمي يحتاج نحو مليونين ونصف المليون شخص في العراق الى مساعدات غذائية مباشرة. وعند دفع الامر الى تقديرات أوسع حسب معطيات البنك الدولي وتقارير أخرى، فان نسبة ١٥-٢٥ في المائة من سكان العراق يعانون من هشاشة غذائية، أي أنهم قادرون حاليا على تأمين قدر معقول من الغذاء، لكنهم معرضون لفقدانه عند أية ازمة قد تطرأ، مثل ارتفاع الأسعار، البطالة، وأزمة انخفاض أسعار النفط.
هذه المعطيات وغيرها تؤشر أهمية الامن الغذائي بكل ابعاده وكونه قضية سيادية وتنموية، وان تأمينه يتطلب اعتماد استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على استنهاض القطاع الزراعي ببعديه الزراعي والحيواني، وتوفير الامن المائي، ودعم الإنتاج المحلي، وحماية الفئات الهشة، وإدارة الموارد بكفاءة عالية.
وعلى هذه الاستراتيجية ان تربط على نحو وثيق، بين الماء والغذاء والصحة والتنمية المستدامة.