تُختبر الدول في الحروب لا بقدرة جيوشها فقط، بل كذلك بقدرتها على اتخاذ القرار. لكن ما يعيشه العراق اليوم هو اختبار من نوع آخر، اختبار دولةٍ غائبة في لحظة إقليمية لا تحتمل الغياب. فالحرب التي لم تتوقف بعد، بما تحمل من احتمالات تصاعدها من جديد، لم تعد شأناً بعيداً عن العراق. حيث ارتفاع أسعار النفط والغاز، واضطراب سلاسل الإمداد، عوامل بدأت تنعكس مباشرة على الواقع المعيشي. لكن المشكلة لا تكمن في هذه الحرب وحدها، بل في موقع العراق منها، وفي قدرته – أو عجزه – عن التعامل مع تداعياتها.
وهنا تتكشف المفارقة. فالعراق ليس طرفاً في الحرب من الناحية العسكرية، لكنه في قلبها سياسياً واقتصادياً، بحكم افتقار المنظومة الحاكمة الى القدرة على إدارة هذا التعقيد.
الداخل العراقي يعيش حالة انسداد سياسي واضح. فلا استحقاقات دستورية مكتملة، ولا نظام سياسي قادر على إنتاج سلطة مستقرة، ولا حكومة تمتلك صلاحية اتخاذ قرارات استراتيجية. بل نحن أمام حكومة تصريف أعمال محدودة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وهذا لا يعكس أزمة عابرة، بل خللاً بنيوياً في النظام السياسي، وعجزاً في أدوات الحكم.
وفي ظل هذا الواقع، تتعدد مراكز القوة، ويتداخل السلاح الرسمي مع غير الرسمي، فتضعف قدرة الدولة على ضبط الإيقاع العام. ومع تصاعد الحرب، تتحرك بعض الأطراف في الداخل خارج إطار الدولة، عبر استهدافات متبادلة أو محاولات لجر البلاد إلى صراع أوسع، ما يعمّق المخاطر ويضعف السيادة.
إلى جانب ذلك، يظهر الانقسام السياسي الداخلي بوضوح. فالموقف من الحرب لم يُقرأ بوصفه موقفاً من عدوان خارجي، بل جرى في كثير من الأحيان اختزاله ضمن قراءات طائفية ضيقة. وهنا تضيع البوصلة، ويتحول الموقف السياسي إلى امتداد لهوية، لا إلى تعبير عن مصلحة وطنية.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح الاقتصاد أكثر هشاشة. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات، كلها نتائج مباشرة للحرب، لكنها تتفاقم بسبب ضعف الإدارة الحكومية وعجز النظام السياسي. والمواطن العراقي لا يشارك في قرار الحرب، لكنه يدفع كلفتها مضاعفة، مرة بسبب الخارج، ومرة بسبب الداخل.
وهنا تفرض نفسها حقيقة لا لبس فيها، العراق لا يخسر فقط لأنه يتأثر بحرب لا يملك قرارها، بل لأنه أيضا يفتقد الدولة القادرة على تحييد نفسها إزاءها.
ان الدولة، بحكم موقعها، لا تستطيع منع الأزمات الإقليمية، لأن قرار الحرب يُصنع خارجها. لكنها تستطيع أن تحدّ من آثارها إذا امتلكت نظاماً سياسياً مستقراً، وحكومةً قادرة على الفعل، وأجهزة دولة تعمل كمؤسسة واحدة لا ساحات متنازعة. أما حين يضعف النظام السياسي، وتتعثر الحكومة، وتتعدد مراكز القرار، فإن الدولة تتحول إلى مساحة مفتوحة، تتقاطع فيها الصراعات وتُفرض عليها النتائج.
وهذا ما يجعل الحرب الحالية مرآةً قاسية. فهي لا تكشف طبيعة الصراع الإقليمي فحسب، بل تكشف أيضاً عجز الداخل، وتعرّي حدود النظام السياسي، وتضع الحكومة أمام اختبار لم تنجح في اجتيازه، وتُظهر هشاشة الدولة حين تُترك بلا أدوات حقيقية لإدارة الأزمات.
في زمن الحرب، لا أخطر من دولةٍ غائبة، ونظامٍ عاجز، وحكومةٍ محدودة الإرادة. فالدولة حين تضعف لا تفقد موقعها فقط، بل تفقد قدرتها على حماية شعبها، وتتحول من فاعلٍ في الحدث إلى ساحةٍ له.