اخر الاخبار

لا أحد من خبراء الاقتصاد ودهاقنته ينكر أن الاقتصاد العراقي يقف على حافة الهلاك لا لأنه يفتقر إلى الموارد الطبيعية فأرضنا المعطاء لم تبخل علينا بكرمها في داخلها او على سطحها غير أن السياسة الاقتصادية التي رسمتها الحكومات المتعاقبة هي التي أودت بالاقتصاد أن يكون على حافة الهاوية بسبب تعطيل قطاعاته المدرة للدخل باستثناء النفط من النهوض بدورها في عملية التنمية المستدامة، وهكذا تعمل السياسة لتكون هي المتحكم بالاقتصاد من طرف واحد أي توقف القوانين الاقتصادية موضوعيا ولجم ايقاعاتها.

وكما هو الحال في كل عام وحينما توضع الموازنة على طاولة البرلمان حينها تكشر الكتل السياسية المهيمنة في ساحته لتتصرف بالموازنة وكأنها بقرة حلوب ولابد من الفوز بضرعها لتأخذ ما يكفي من حصتها، أما في هذا العام فالوضع أخذ منحى مختلف فلا الموازنة أعدت في وقتها كما نص الدستور ولا القوائم المالية التي يفترض بالحكومة ان تعدها قد أرسلت إلى البرلمان من أجل اللحاق بالوقت وقطاره الذي مضى سريعا دون انتظار، مما نجم عن كل ذلك عدم إمكان حكومة تصريف الاعمال أن تضع برنامجها للفترة القادمة، كا لم يكن بالإمكان انجاز المشاريع تحت التنفيذ لتلحق بما سبقها من مشاريع سابقة مضت عليها سنوات طوال وهي معطلة بدون رقيب أو حسيب سوى بعض التقييمات التي تصرح بها وزارة التخطيط على استحياء والوزارات الأخرى تتسمر في مكانها لا تستطيع أن تفعل شيئا وشعبنا المسحوق مبتلى بجوعه وفقره، وأرصفة الشوارع تعج بالسائلين والسائلات يمدون أياديهم تاركين كرامتهم الإنسانية ملقاة على قارعة الطريق.

لماذا تتكرر هذه المنقبة في كل عام؟ وبدلا أن تقر الموازنة في أوقاتها المحددة قبل انتهاء العام كما أريد عند كتابة الدستور وهو الوقت المثالي لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المبتغاة إلا وتدخل في أزمة أخرى تظهر ملامحها بعد أشهر مما يترتب على هذا التأخير من تداعيات اقتصادية واجتماعية ومساجلات سياسية تتقاذفها الأطراف المؤثرة كل يلقي باللوم على الطرف الأخرى مع أنهم جميعا مسؤولون عن هذه الإخفاقات جملة وتفصيلا وتتفاقم الخلافات بين المركز والإقليم بعضها حديثا وبعظها متراكما مما تتعسر الحلول وخاصة ما يتعلق برواتب موظفي الإقليم التي تطلق في العادة بعد اشهر من استحقاقها مما تؤدي إلى حالة من التذمر المؤدي إلى التظاهر، وحينئذ يكون الحل في قمع المتظاهرين وكانه الحل الأمثل لحل ازمة الرواتب، وفي كل مرة تجري مناقشة الموازنة ينشأ خلاف داخل البرلمان حول الفقرات المتعلقة بالإقليم وفي هذه الحال تتحول تلك الاختلافات لسحب الطرف الآخر الى مواقعها وهذا سبب آخر للازمة.

إن الخلافات الطائفية والإثنية انتجت داخل البرلمان خلافات عميقة بين الكتل الممثلة فيه وبدلا من البحث عن حل الإشكاليات في إطار الشرعية الدستورية عن حلول الأزمات راحت هي نفسها تخلق الأزمات وتعمقها حتى يصبح الحل أمرا ميؤوسا منه عندئذ تبدأ بعض الكتل للانسحاب في ظروف أشد مساسا بحياة الناس وأمنهم ومعيشتهم في مسعى لأسقاط الطرف الآخر سياسيا وإلقاء الكرة في ملعب الحكومة متناسية أنها جزء من التشكيلة الحكومية وكل هذه الأزمات والتناقضات بين الأطراف الحكومية تجتمع في كل عام لتحيل الموازنة إلى غرفة الإنعاش.

إن الوقت يمضي ويشرف على النفاد، كما أن الأوضاع الأمنية والسياسية تتفاقم وخصوصا بعد العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران ضاربا عرض الحائط القانون الدولي لأسباب جوهرها تغيير خريطة الشرق الأوسط وانعكاس هذه الأوضاع على الداخل العراقي في مسعى لإدخال لعراق ساحة للحرب وزجه في أتونها وتحميله من الكوارث والأزمات التي لا تطاق، مما يستدعي من الأطراف المتحاصصة في الحكومة والبرلمان التخلي عن تمترسها وراء مصالحها ذات الطبيعة الطائفية وهي أهداف ذاتية لا مصلحة لشعبنا وبلادنا فيه لكي لا ينفلت الوضع ويخرج تماما عن السيطرة وان تتعامل مع الأزمة الاقتصادية الراهنة بما يضمن لشعبنا لقمة عيشه وحقه في الامن والاستقرار.