"مثلما يكون لك بيت تسكنه، فللأفكار بيوت تسكنها، وذكرى مولد الحزب الشيوعي في 31 آذار 1934، هي بيت العراق الواسع : هويةً وانتماءً ومستقبلا.."
هكذا عبر مبدعنا الكبير الأديب الناقد ياسين النصير، في مقال ضافٍ لمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي، استعرت منه مقدمتي هنا . نعم هو برأيي الانتماء والمستقبل، رغم عدم التزامي بتنظيماته حاليا. فأنا افخر بانتمائي لعائلة شيوعية مناضلة، قدمت للوطن كل ما تملك، ومن بيوت أفكارنا استرجع هنا ذكرى ارتباطي بالحزب الشيوعي للمرة الأولى.
ففي زمن الجبهة الوطنية عام 1973 كنت في السنة الأولى في كلية الآداب، القريبة من أكاديمية الفنون الجميلة، وكان الجو السياسي منفتحا حينها نوعا ما. وبزخم عال من الحماس وبأيمان خالص بالمبادئ، " كسبني" للحزب أصدقائي من الفنانين الشباب في أكاديمية الفنون. وخلال وقت قصير بدأ نشاطي والتزامي وحرصي على حضور اجتماعات التنظيم، والمساهمة في كسب العديد من زميلاتي في كلية الآداب، واللاتي مازالت علاقتي ببعضهن متواصلة حتى اليوم.
من الأمور الطريفة انني كنت قد أهديت أستاذي الألماني (من ألمانيا الشرقية آنذاك) ملصقات معدنية للمنجل والجاكوج، تقبلها بدهشة واستغراب، فضلا عن وضعي قرنفلة حمراء على عروة سترتي، أزهو بها بمناسبتي عيد الحزب وعيد المرأة. وذلك ما ذَّكرني به أصدقائي وزملائي غير المنتمين لحزبنا بعد سنوات. وطبعا لم نسلم من مضايقات زملائنا في الاتحاد الوطني، وكثيرا ما كنا نخضع للاستجواب والمساءلة والحجز لمدد قصيرة في غرفة الاتحاد، عدا الصعوبة البالغة التي كنا نواجهها عند دخولنا الأكاديمية، إذ غالبا ما نمنع من قبل حرس الكلية بل وحتى من بعض الأساتذة البعثيين.
ولعل من أجمل الذكريات تحدينا لطلبة الاتحاد الوطني ووقوفنا مجتمعين أمام بوابة الأكاديمية، حاملين بأيدينا باقات الورد وأغصان الآس، مرحبين بقدوم الجيش العراقي بعد مشاركته الجيش السوري في حرب عام 73، مطلقين حناجرنا بهتاف "حامي دمشق أهلا بيك .. عراق الجبهة يحييك". ومن الذكريات صعبة التصديق قيادتي لتنظيم الزميلات، وتحقيق اجتماعات حزبية لنا في بيوت أزقة بغداد القديمة. لا أتصور الآن مدى الشجاعة التي امتلكتُها آنذاك، وأنا اراوغ عيون المخبرين من زملائنا في الاتحاد الوطني، والتخلص منهم ببراعة.
كل ذلك قمتُ به من دون موافقة أهلي، بل كنت اشعر بأني في تحدٍّ من نوع آخر معهم، إذ لم يوافقوا على انتمائي للحزب، خوفا عليّ من تبعاته، بعدما عانوا الكثير من سجن وتعذيب وملاحقة بعد انقلاب شباط المشؤوم عام 1963. ومع ذلك كان الحوار بيننا واضحا وشفافا، فحين أراد أخي منعي من العمل في "طريق الشعب" (وهذه حكاية أخرى) حاججته بقوة وعناد قائلة: مثلما جربتم العمل الحزبي، اريد أيضا تجربته، ولا حق لكم في منعي!