اخر الاخبار

ربما للمرة الأولى لا أقضي عيد 31 آذار كما ألفت، مع من بقيَ من الأحبة الذين قاسموني سنوات الرفقة العذبة، بل أحتفل به مع ثُلّة من صبايا وفتيان، اهتدوا تَوًّا لدرب الكفاح من أجل مجتمع بشري مطهَّر من أدران العبودية والاستغلال، فانتموا إلى الحزب الشيوعي العراقي ومُنحوا شرف عضويته. وكما كان المحتفون معي شبابًا، كان الحوار معهم منعشًا، أدهشتني فيه جرأة تناول الهموم وعمق التساؤلات، التي استوقفني منها سؤالان: ارتبط أولهما بمكامن قوة الشيوعيين التي امتدّت بها جذورهم عميقًا في تربة العراق، وبحث الآخر عن سر عشق الشيوعيين اللامحدود للحزب. وامتد الحوار ليجد المحتفون مكامن القوة في صحة المواقف الوطنية والطبقية، والمشاريع التنويرية التي تبنّاها الحزب، وفي بقائه أمينًا على التناغم الفريد فيما بينها.

فمنذ العقود الأولى، مثّلت برامج الحزب استجابةً رائعة لتنامي الشعور الوطني العام، وتطور الحاجة إلى هوية جامعة تصون الدولة الوليدة، ولاتّسام آلية الصراع في الريف بمنحى طبقي ووطني مشترك بعد نشوء طبقة إقطاعية، ولاتخاذ نضالات الطبقة العاملة صبغة وطنية تعادي الرأسمال الأجنبي. ولهذا ناضل الشيوعيون من أجل الاستقلال الناجز وإلغاء المعاهدات الاسترقاقية، ولإرساء حياة سياسية ديمقراطية، في الوقت ذاته الذي قادوا فيه إضرابات العمال من أجل حقوقهم، وانتفاضات الفلاحين ضد جور الإقطاع، وسعوا لانتزاع مصالح كل الكادحين، فيما جهدوا في التصدي للتخلّف، ونفّذوا مئات الحملات التنويرية نحو الإصلاح الاجتماعي، والخلاص من الأمية والعادات البالية، ونشر التعليم وحماية الثقافة والإبداع الحر.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، تصاعد كفاح الحزب من أجل عراق مستقل ومتحرر من ربقة الأحلاف الاستعمارية، وسيد على ثرواته، فيما شهدت ساحات الوطن عشرات الانتفاضات والتحركات الشعبية بغية ضمان حق الناس في الحرية والعدالة الاجتماعية، وتأمين الحقوق القومية العادلة لشعبنا الكردي، والحقوق الثقافية والإدارية لباقي القوميات، وخلاص المرأة من الاستعباد والتمييز والعنف، إضافةً إلى تواصل برامج التحديث التي رسمها وكافح الحزب من أجل تنفيذها، والتي ازدانت إثرها سماء الثقافة بنتاجات خالدة لعشرات المبدعين، وعرف العراق بها حركة أدبية وفكرية وفنية، بقيت مشرقة حتى الآن.

وبعد عام 2003، تجلّى الموقف الوطني والطبقي والتنويري في المشروع الوطني الديمقراطي، الذي رفض فيه الحزب الحرب والدكتاتورية، ودعا إلى إنهاء الاحتلال وتقليل الآثار الكارثية له، واستعادة الاستقلال والسيادة، وإقامة دولة المواطنة والعدالة التي تُنهي المحاصصة والفساد، وتبني اقتصادًا منتجًا ودولة مؤسسات، وتوزيعًا عادلًا للثروة، إلى جانب دعوته إلى تجميع القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والشخصيات في جبهة تُعبّئ الشعب ليحقق غده الوضّاء سلميًا وبأقل التضحيات. كما بقي الحزب أمينًا لدوره التنويري، فواصلت منظماته دفاعها عن العقل وتحريره من أية سلطة، وجعلت حرية الإنسان وسعادته قيمة محورية، وتفاعلت مع مثقفي شعبنا بوصفهم رافعةً مهمة للمشروع النهضوي، الذي يُشيع مفاهيم الحرية والوعي والاختلاف البنّاء، ويُربّي فردًا قادرًا على بناء مجتمع الديمقراطية والعدالة.

وامتد الحديث عن عشق الحزب، فوجد المحتفون السر في باقة القيم التي امتزجت بوعي الشيوعيين، وعلّمتهم كيف يحصّن ألق الماضي القلوب من الصدأ وأشواك اليأس، وكيف تمنحهم بسمة الشهيد جذوة عناد تسكن الروح وتتردد في جنباتها، وكيف يغمرهم بهاء التنوع في إطار الوحدة، لتصير قاماتهم عصيّة على سياط الحزن وآلام الجراح، ويصبح الحزب ملتقى لكل الدروب، وضياءً بلور يشرق في كل الكلمات والقصائد. 

لم يكن يسيرًا عليّ أن أحبس الفرحة أو أخبئ نشوة الأمل، وأنا أتمنى لكم وللمحتفين معي عيدًا سعيدًا.