حين جلستُ أقلّب أوراق الذكرى لأحتفي بعامك الثاني بعد التسعين، جال في خاطري أن استعير عنوان مجموعتي الشعرية الثالثة التي صدرت قبل سنوات في السويد بطبعتها الثانية، والتي جاءت قصائدها تعبيراً عمّا أحمله من محبةٍ وطيبةٍ وصفاتٍ حميدة تعلّمتها منذ نعومة أظفاري، وكبرت معها فصارت جزءاً لا يتجزأ منّي، إنها البذور التي زرعها أبي فيَّ مع أول قطرة حليبٍ رضعتها من ثدي أمي!
أبي الذي كان يقول الشعر العامّي بالفطرة، نهل هذه الصفات من منبع البياض والنقاء، وتغذّى من بستان النزاهة والوفاء، وشرب الطيبة والمحبّة من النبع ذاته، فصارت تسري مع دمه في الشرايين، ظلّ يغذّيها لنا في كل قولٍ وفعلٍ حتى رحيله ذات فجرٍ مع القمر.
عامل الميناء الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، لكنّه عرف قيم ومبادئ وأخلاقيات الحزب العظيم الذي انتمى إليه ذات يوم، فصار لا يتصرف إلاّ على وفقها، وما أفضلها وأبهاها.
استذكرت القيم والمبادئ التي غرسها فيَّ أبي، لروحه الخلود والذكر العطر، ومعها رسالة الشكر والتقدير التي بعثتها دائرة عقارات الدولة قبل سنوات للحزب الشيوعي العراقي ، لامتثاله للقانون وحضوره لغرض تسوية المبالغ المستحقّة بذمته عن إشغاله العقارات التابعة للدائرة، والتي تطلب في كتابها هذا من الأحزاب الأخرى أن تحذو حذو الشيوعيين من أجل الحفاظ على المال العام!
فقلت وبصوتٍ عالٍ: كم أنت كبير أيها النبع والمنهل العذب لكل القيم النبيلة؟!
كم أنت كبير بأقوالك وأفعالك وسجاياك..
وأنت تقدّم درساً في النبل والنزاهة والأمانة الوطنية الحقّة في زمنٍ انعدمت فيه هذه الصفات، واستشرى الفساد والمحسوبية والمنسوبية والنهب في كل زاوية ومكان؟
كم أنت كبير حين ترسم لوحة الانتماء الحقيقي للوطن والناس من خلال كل حركة تقوم بها، أو شعار ترفعه!
وهذا ليس بغريب عليك، وقد تقدّم نحو مذبح الحرية مؤسسك الخالد فهد ماشياً والحديد المزنّر يثقل يديه ورجليه، يغنّي له أسمى أغاني المجد مردداً قوله : الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق، فصار نبراساً يهتدي به السائرون إلى العلا.
وظلّت مسيرتك وضّاءة تضوع بعبق الصمود والبسالة والاندكاك الحقيقي في أعماق تربة هذا الوطن لتعلو في سمائك. فعندما داست أقدام الفاشست البلاد بانقلابها الأسود، تلألأت نجومٌ وكواكبُ من خيرة فتيانك طرّزوا سماءها بنبل الخلود وأسطورة الصمود الحقيقي بوجه القتلة، واستمرّت مسيرتك العطرة ورأسك شامخ مرفوع!
وليس غريبا عليك كل هذا وأنت تدخل الثانية والتسعين سنة ناصعة البياض.
لم تُغْرِك المناصب والكراسي، بل كان همّك الوطن والناس.
ولم تغرك الهبات والعطايا والمناقصات والمزايدات، بل كان همّك الوطن والناس!
ولم تغرك الأطيان والعمارات والمولات والذهب والنفط، بل كان همّك الوطن والناس.
ولدتَ نقياً، أبيض، ناصعا، تشعّ لتنير كل ظلمة خيّمت على نهاراتنا، فصرت نبراساً ترنو إليه العيون، وفناراً تهتدي به السفن، وقمراً يضيء بالمحبة والإنسانية والنبل والنزاهة والوفاء والوطنية في كل زمان رغم كل الخطوب والمحن. وفي كل وقت تفقأ أعين الحاقدين والحاسدين والرجعيين بكل صفاتهم.
لهذا تظلّ الأنقى والأبهى والأنصع والأصفى من البياض دائماً!