في الحروب عادةً ما تُعرَّف الأهداف أولاً، ثم تتحرك الجيوش. لكن في هذه المواجهة تبدو الصواريخ أسرع من وضوح السياسة. فمن يتابع التصريحات الأميركية بشأن الحرب الجارية ضد إيران يلاحظ تذبذب في تعريف الهدف منها. مرة يتحدثون عن تغيير النظام، ومرة عن تدمير القدرات العسكرية، ومرة عن فرض الاستسلام الكامل، ثم تعود التصريحات لتلمّح إلى أن الحرب قد تنتهي قريباً. وهذا التناقض لا يعكس ارتباكاً في الخطاب السياسي فحسب، بل يكشف أيضاً خطورة الحروب التي تتحرك فيها القوة العسكرية أسرع من وضوح الاستراتيجية.

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بعض تصريحاته عن ضرورة تغيير النظام في إيران، بل دعا الإيرانيين إلى "استعادة" حكومتهم بعد انتهاء العمليات العسكرية. وفي تصريحات أخرى رفع سقف الخطاب إلى حد المطالبة بما سماه "الاستسلام غير المشروط"، مؤكداً أنه لا اتفاق مع إيران قبل تحقيق ذلك. غير أن الخطاب نفسه لم يبقَ عند هذا المستوى من التصعيد. ففي تصريحات لاحقة قال "إن الحرب متقدمة كثيراً على الجدول الزمني، وإن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية"، في إيحاء بأن العمليات العسكرية اقتربت من تحقيق أهدافها. ثم عاد ليقول إن الحرب "قد تنتهي قريباً جداً" من دون تحديد واضح لما يعنيه ذلك.

هذه التصريحات المتناقضة صدرت خلال فترة قصيرة. فمرة يجري الحديث عن استمرار الحرب حتى الاستسلام الكامل، ومرة عن قرب انتهائها، ومرة أخرى عن إمكانية توسيعها. وهذا التذبذب يعكس مشكلة أساسية، هي غياب تعريف واضح للهدف السياسي للحرب.

الخطاب الأميركي يتحرك بين ثلاثة أهداف مختلفة: تغيير النظام في إيران، وتدمير قدراته العسكرية والنووية، أو إجباره على قبول شروط سياسية جديدة. لكن هذه الأهداف ليست متطابقة. فإسقاط نظام سياسي شيء، وتحييد القدرات العسكرية شيء آخر، وفرض شروط تفاوضية أمر مختلف تماماً. ولهذا يبدو الخطاب الأميركي وكأنه ينتقل بين هذه الأهداف من دون استراتيجية واضحة تجمع بينها.

في المقابل، يبدو الموقف الإيراني مختلفاً في طبيعته. فحتى الآن لا تُظهر طهران اندفاعاً كبيراً نحو وقف الحرب عبر المسار الدبلوماسي. بل إن خطابها يركز أساساً على الرد العسكري والاستعداد لمواجهة طويلة إذا استمرت الهجمات.

ويبدو أن القيادة الإيرانية تهيأت لاحتمال صراع ممتد، مستندة إلى تجربة طويلة من المواجهات السابقة، أبرزها الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، إضافة إلى أزمات متعددة مع الخارج. وقد أظهرت تلك التجارب أن الحروب الخارجية كثيراً ما تدفع المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول فكرة الدفاع عن الوطن، حتى لدى قطاعات من المجتمع تنتقد النظام في الظروف العادية.

لذلك تبدو فكرة التغيير عبر الحرب محفوفة بكثير من المخاطر. فالحروب لا تفتح بالضرورة أبواب التحول السياسي، بل كثيراً ما تؤدي إلى نتائج معاكسة عبر تعزيز النزعة الأمنية وتشديد قبضة السلطة.

ويبقى السؤال معلقاً: إذا كانت الصواريخ تعرف طريقها بدقة، فهل تعرف السياسة إلى أين تقود هذه الحرب؟