الصفحة الأولى
الاشتراكية.. أم الاقتصاد الريعي والفساد وغياب العدالة الاجتماعية؟ معنيون: جذور الازمة في توجهات اقتصاد السوق وفي الليبرالية الجديدة وتغييب دور الدولة
بغداد ـ طريق الشعب
أثار حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن "الخروج من العقلية الاشتراكية" جدلاً واسعاً بشأن طبيعة الاقتصاد العراقي وأسباب أزماته المتراكمة.
ويؤشر مختصون ان ما كان سائداً قبل وبعد عام 2003 هو "رأسمالية الدولة" وليس الاشتراكية، كما جرى ترويجها أيديولوجياً، مشيرين الى ان الأزمة ترتبط بالفساد المالي والإداري، واحتكار الثروة، وغياب العدالة في توزيع الموارد، فضلاً عن الاعتماد المفرط على النفط وضعف القطاعات الإنتاجية.
فيما يؤكد خبراء أن معالجة هذه الأزمات تتطلب إصلاحات حقيقية تستهدف بناء اقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة، بدلاً من اختزال المشكلة في توصيفات أيديولوجية لا تعكس واقع الاقتصاد العراقي.
وفتح هذا التوجه الباب امام نقاشات اوسع، حول ما إذا كان الاقتصاد العراقي اشتراكياً فعلاً وكذلك العقيلة، فمن المسؤول عن التحول نحو اقتصاد السوق والانفلات الذي شهدته البلاد خلال العقدين الماضيين؟
كما اثار ذلك مخاوف اجتماعية تتعلق بمصير شبكات الحماية والدعم الحكومي، ومنها البطاقة التموينية ودعم الوقود والخدمات الأساسية، إذ هناك خشية حقيقية أن تتحول مثل هذه الدعوات إلى تقليص دور الدولة إلى إجراءات تمس الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.
توصيف غير موضوعي للواقع الاقتصادي
وأكد عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي العراقي ياسر السالم، إن العراق لم يشهد، في أي مرحلة من تاريخه المعاصر ما يمكن وصفه "عهدا اشتراكيا"، وفق التعريف العلمي للاشتراكية، معتبراً أن الحديث عن “نهاية الاشتراكية” في البلاد يفتقر إلى الدقة ويُتداول في كثير من الأحيان كشعار ذي بعد ايديولوجي أكثر من كونه توصيفاً موضوعياً للواقع الاقتصادي.
وقال السالم، إن الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ العهد الملكي وحتى اليوم، لم تطبق نموذجاً اشتراكياً بالمعنى الاقتصادي المعروف، متسائلاً عن الأساس الذي يُبنى عليه الحديث عن انتهاء مرحلة لم يعشها العراق أصلاً.
وأضاف أنه إذا كان المقصود من الدعوات إلى “إنهاء الاشتراكية” هو تقليص دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية ورفع الدعم الحكومي، ضمن توجهات اقتصاد السوق والليبرالية الجديدة، فإن الدولة العراقية رفعت يدها عملياً عن كثير من القطاعات منذ سنوات، مشيراً إلى أن المواطنين يعتمدون على المولدات الأهلية لتأمين الكهرباء، فيما تعاني الخدمات الصحية والتعليمية من أزمات ونواقص مزمنة.
ولفت السالم إلى أن قطاعات واسعة من العراقيين، ولا سيما العاملين في القطاع الخاص والاقتصاد غير المنظم، تفتقر إلى الضمانات والحقوق الاجتماعية والحماية الحكومية.
وأشار إلى أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة وما رافقها من ارتفاع في أسعار السلع الغذائية والخضراوات كشفت عن محدودية تدخل الدولة في ضبط الأسواق وحماية المواطنين من تداعيات التقلبات الاقتصادية.
وشدد السالم على أن النقاش بشأن طبيعة النظام الاقتصادي في العراق يجب أن يستند إلى قراءة واقعية للسياسات المطبقة على الأرض، بعيداً عن الشعارات والتوصيفات غير الدقيقة، وبما يضمن تعزيز دور الدولة في حماية الفئات الفقيرة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
وفي هذا الصدد يؤكد خبراء أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بمكافحة الفساد وتنويع مصادر الدخل وتحفيز الإنتاج المحلي، وليس الاكتفاء بإطلاق توصيفات أيديولوجية غير دقيقة او واقعية حول طبيعة الاقتصاد العراقي، خصوصاً أن التحدي الرئيسي يتمثل في بناء اقتصاد متنوع ومنتج قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة وتوفير قدر معقول من العدالة الاجتماعية.
اقتصاد ريعي وسوق منفلت
وضمن السياق، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن توصيف الاقتصاد العراقي بأنه "اقتصاد اشتراكي" لا يعكس، بدقة، طبيعة الواقع الاقتصادي القائم، مبيناً أن العراق أقرب إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على العوائد النفطية، في ظل اقتصاد سوق مفتوح إلى حد كبير، لكنه يعاني اختلالات هيكلية وضعفاً في المؤسسات والرقابة والتنظيم.
وأوضح السعدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن العراق اتجه بعد عام 2003 نحو سياسات الانفتاح التجاري وتحرير الأسواق، من خلال فتح الحدود أمام الاستيراد وتخفيف القيود على النشاط الاقتصادي الخاص، ما يجعل الواقع الاقتصادي الحالي نتاجاً لمزيج من الريعية النفطية والانفتاح غير المنظم وضعف الدور الاقتصادي للدولة، وليس نتيجة لسياسات اشتراكية بالمعنى التقليدي.
وأضاف أن تحميل ما يُعرف بـ"العقلية الاشتراكية" مسؤولية الأزمات الاقتصادية الراهنة يمثل تبسيطاً لطبيعة المشكلة، مشيراً إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب رؤية اقتصادية واضحة، واستمرار الاعتماد المفرط على النفط، إلى جانب الفساد وسوء الإدارة وضعف التخطيط الاستراتيجي وتعثر جهود التنويع الاقتصادي على مدى سنوات طويلة.
وفي ما يتعلق بالدعم الحكومي، أكد السعدي أن البطاقة التموينية ودعم الوقود والخدمات الأساسية لا يمكن اعتبارها السبب الرئيس للمشكلات الاقتصادية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الهدر والفساد وضعف كفاءة إدارة الموارد العامة.
وأشار إلى أن العديد من الدول تعتمد برامج دعم اجتماعي واسعة من دون أن تتحول إلى عبء اقتصادي، عندما تُدار بكفاءة وشفافية وتُوجَّه إلى الفئات المستحقة.
وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي جاد ينبغي أن ينطلق من معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها مكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنشيط القطاعات الإنتاجية غير النفطية، بدلاً من اختزال الأزمة في جدل أيديولوجي بين الاشتراكية واقتصاد السوق.
وختم السعدي بالقول إن الحديث عن "الخروج من العقلية الاشتراكية" قد لا يعكس تشخيصاً دقيقاً لطبيعة الأزمة الاقتصادية في العراق، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في وجود دولة تقدم دعماً اجتماعياً للمواطنين، بل في غياب الدولة التنموية القادرة على إدارة مواردها بكفاءة وتحويل الثروة النفطية إلى تنمية مستدامة وفرص عمل ونمو اقتصادي حقيقي".
اسباب تعثر الاقتصاد
الى ذلك، قال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عبد الرزاق إن الأزمة الاقتصادية في العراق لا تعود إلى تبني نموذج اشتراكي أو اقتصاد سوق بقدر ما ترتبط بوجود نموذج اقتصادي مشوه، في ظل اقتصاد ريعي يعتمد بصورة رئيسة على النفط، وسوق مفتوحة تفتقر إلى الرقابة الفاعلة، فضلاً عن تفشي الفساد الذي يستنزف الموارد العامة.
واضاف عبد الرزاق لـ"طريق الشعب"، أن تحميل الدعم الحكومي أو ما يُوصف بـ"العقلية الاشتراكية" مسؤولية الأزمات الاقتصادية لا يعكس حقيقة المشهد الاقتصادي، مشيراً إلى أن الأسباب الحقيقية تكمن في ضعف الإدارة الاقتصادية وغياب التخطيط الاستراتيجي واستمرار الاعتماد المفرط على النفط، إلى جانب إهمال القطاعات الإنتاجية الحيوية كالصناعة والزراعة والسياحة.
وتابع أن الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة من الإيرادات العامة، فيما تبقى الدولة المشغّل الأكبر للقوى العاملة عبر التوظيف الحكومي الواسع، في مقابل قطاع خاص ضعيف ومحدود الإنتاجية، الأمر الذي أسهم في تعميق الاختلالات الاقتصادية على مدى السنوات الماضية.
وبيّن أن الاقتصاد العراقي لا يمكن وصفه اليوم بأنه اقتصاد اشتراكي أو اقتصاد سوق متكامل، بل هو اقتصاد ريعي نفطي مشوه يعتمد بشكل أساسي على العوائد النفطية، مع وجود مظاهر اقتصاد سوق تتمثل في الاستيراد والتجارة والنشاط المصرفي، إلا أنها تعاني ضعف التنظيم والرقابة.
وأشار إلى أن الفساد المالي والإداري والبيروقراطية وضعف إدارة المنافذ والإيرادات غير النفطية تمثل تحديات جوهرية أمام الاقتصاد العراقي، مؤكداً أن هذه العوامل أسهمت في إضعاف قدرة الدولة على توظيف مواردها وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ولفت إلى أن العراق شهد بعد عام 2003 تحولاً نظرياً نحو اقتصاد السوق من خلال تحرير التجارة وفتح باب الاستيراد وتوسيع نشاط القطاع الخاص والقطاع المصرفي، فضلاً عن محاولات خصخصة جزئية لبعض الأنشطة الاقتصادية، إلا أن هذه الإجراءات بقيت غير مكتملة وترافقت مع ضعف مؤسساتي وأزمة ثقة بين المواطن والدولة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية واستمرار الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني
ونوه عبد الرزاق بأن الأسباب الحقيقية لتعثر الاقتصاد العراقي تتمثل في الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وضعف القطاعات الإنتاجية، واستمرار الفساد المالي والإداري الذي أسهم في هدر الموارد العامة، فضلاً عن تضخم الإنفاق التشغيلي على حساب الإنفاق الاستثماري.
وزاد بالقول أن غياب التخطيط الاقتصادي القائم على رؤى طويلة الأمد، واعتماد قرارات قصيرة المدى تخضع في كثير من الأحيان للتجاذبات السياسية، أسهما في تعميق الاختلالات الاقتصادية وإعاقة مسارات الإصلاح.
وتابع أن العراق أخفق في تحقيق تحول اقتصادي حقيقي بعد الانفتاح التجاري، إذ جرى فتح الأسواق أمام الاستيراد من دون توفير الحماية اللازمة للقطاعين الصناعي والزراعي، ما أدى إلى ترسيخ اقتصاد قائم على الاستيراد والاستهلاك بدلاً من الإنتاج والتنمية المستدامة".
******************************
راصد الطريق.. العبرة بالخواتيم
أعاد رئيس الوزراء اطلاق وعود رؤساء الوزراء السابقين، بتوفير قطع الأرض والسكن المناسب لجميع العراقيين، بمشاركة القطاع الخاص وبدعم مخصصات المنافع الاجتماعية المقدمة من الشركات النفطية الاجنبية، فيما هلّلت المنصات القريبة من الحكومة لهذا الخبر، وكأن الوعد نُفذ فعلاً وحصل المواطنون على السكن الذي يحتاجون.
وبينما تشير التقارير الى وجود اكثر من 52 الف عشوائية في العراق، يواجه عراقيون كثيرون جدا ازمة سكن حقيقية، رغم ما كشفه الإحصاء السكاني الأخير من ان 72 في المائة من السكان لديهم سكن.
وتؤكد التصريحات الحكومية وجود ازمة سكن حقيقية، فيما يترافق طرح المعالجات مع غياب اي تنفيذ فعلي للحلول التي تواجه إشكاليات حقيقية.
ان الشاخص البارز امامنا الآن هو كون حفنة من العراقيين يسكنون بطريقة او بأخرى في مجمعات سكنية فارهة مزودة بكافة الخدمات الأساسية، مقابل أعداد هائلة يصعب حصرها تتحسر على بيوت تأويها، عدا الآلاف والالاف الذين يسكنون الخرائب.
ان التناقض في تصريحات الحكومة التي تتحدث عن "الخلاص من الاشتراكية" وتوفير السكن للعراقيين، يبين لنا قصور الفهم ومحاولات رمي المشاكل على الغير.
وفي النهاية تجدر مناقشة السؤال: في أي عهد ومتى بدأت ازمة السكن في البلاد؟
**********************************
الصفحة الثانية
مفوضية حقوق الإنسان تدعو لمعالجة عاجلة لأزمة الوقود
بغداد – طريق الشعب
أعربت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، أمس الأربعاء، عن قلقها من استمرار أزمة نقص وقود السيارات وتجدد الطوابير أمام محطات التعبئة في بغداد وعدد من المحافظات، مؤكدة أنها تتابع الملف باهتمام بالغ في ظل ما تسببه الأزمة من اختناقات مرورية وأعباء إضافية على المواطنين بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة.
وقالت المفوضية في بيان، إن مشاهد طوابير الوقود الطويلة تعيد إلى الأذهان فترات صعبة عاشها العراقيون، مشيرة إلى أن العراق يمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيه دون معاناة أو هدر للوقت والجهد.
ودعت الجهات الحكومية والوزارات المعنية إلى التحرك السريع لمعالجة الأزمة، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي وتطوير المصافي الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الوقود، بما يحد من التأثر بالمتغيرات الخارجية.
كما شددت على ضرورة فرض رقابة صارمة على منافذ التوزيع والمحطات الأهلية لمنع الاحتكار والمضاربة والمتاجرة بالوقود على حساب المواطنين، داعية وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى توخي الدقة وتجنب نشر الشائعات التي قد تسهم في تفاقم الأزمة.
وأكدت المفوضية أن توفير الوقود والطاقة يمثل حقاً أساسياً للمواطنين، معربة عن ثقتها بقدرة الدولة على تجاوز الأزمة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تأكيد مرصد "إيكو عراق" استمرار أزمة البنزين في بغداد وعدد من المحافظات لحين وصول شحنات الاستيراد، مشيراً إلى محدودية القدرة الحالية على زيادة الإنتاج المحلي.
**************************
تصاعد الحراك الاحتجاجي في المحافظات مطالبات بالتعيين وبالمستحقات والخدمات وسط اتهامات للحكومة بالعجز عن معالجة الأزمات
بغداد _ طريق الشعب
تشهد عدة محافظات تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمطلبية، مع إعلان تنسيقيات مهنية وفلاحية وخدمية مواعيد جديدة للتظاهر خلال الأيام المقبلة، للمطالبة بالتعيين وصرف المستحقات وتحسين الخدمات وإنصاف الشرائح المتضررة. ويأتي ذلك بالتزامن مع اتساع رقعة التحركات الاحتجاجية لتشمل الأطباء الدوريين والفلاحين والخريجين والكسبة وسكان المناطق المتضررة بيئياً، فضلاً عن احتجاجات مرتبطة بملف الكهرباء والرياضة، في وقت يرى ناشطون أن استمرار الأزمات وتراكم المطالب غير المستجابة يعكسان إخفاق السياسات الحكومية في معالجة المشكلات المزمنة، الأمر الذي ينذر بموجة احتجاجية أوسع خلال المرحلة المقبلة.
مواعيد جديدة لـ3 احتجاجات
وأعلنت تنسيقيات الاحتجاجات الفلاحية، تقديم موعد تظاهراتهم الى يوم الاثنين المقبل 8 حزيران 2026.
ودعت الى التحشيد الواسع والحضور والمشاركة الواسعة في ساحة التحرير ببغداد، وذلك بعد انتهاء المؤتمر الفلاحي الذي عقد في محافظة النجف وشارك فيه ممثلون عن محلية النجف للحزب الشيوعي العراقي.
وحضر المؤتمر رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، الذي تحدث عن صعوبة توفير مستحقات الفلاحين في المرحلة الحالية، ونقل مراسلنا "طريق الشعب" في النجف عن السيد الحكيم قوله: ان "وزير المالية بين صعوبة تسديد مستحقات الفلاحين ورفع سعر الحنطة الى 850 الف دينار".
وكذلك أعلنت تنسيقية خريجي المهن الطبية والصحية والتمريضية دفعة 2024 عن موعد تظاهراتهم يوم الاثنين 8/6/2026، امام وزارة المالية، تعقبها مسيرة احتجاجية نحو وزارة الصحة، وذلك للمطالبة بالتعيين والانصاف الوظيفي ووضع حد لسياسات الإقصاء والتهميش المتعمد بحق الخريجين. وذلك طبقا لبيان صدر عن التنسيقية.
وأشار البيان الى انه "بعد استنفاد جميع المسارات القانونية والرسمية، وبعد طول انتظار لم يثمر سوى المزيد من التسويف والتجاهل، الأمر الذي جعل من نزولنا إلى الشارع واجبا مشروعًا وخيارًا لا تراجع عنه، ودفاعًا عن كرامة الخريج وحقه في مستقبل يليق بتعبه وتضحياته".
وهددت التنسيقية بتنظيم اعتصام مفتوح في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.
وفي محافظة المثنى، اعلنت تنسيقية المعاهد النفطية انها بصدد عقد اجتماع مع محافظ المثنى لتسليمه جملة من مطالب المتظاهرين.
وأشارت الى ان اعضاءها بصدد الخروج بتظاهرة جديدة يوم الاحد المقبل من اجل الضغط على المحافظة لإيصال مطالبهم الى وزارة المالية.
مؤتمر واسع لمحتجي واسط
وفي محافظة واسط، عقد مؤتمر واسع لتنسيقيات الاحتجاج في المحافظة، شاركت فيه تنسيقيات (الخريجين، الفلاحين، الصحوات، الكسبة والعاطلين عن العمل، القطع المصفرة، سلم الرواتب، مهندسي النفط وتنسيقية المناطقة المهمشة)، كما شارك في المؤتمر عدد كبير من الناشطين والمحتجين من مختلف انحاء المحافظة، فضلاً عن أعضاء من محلية واسط للحزب الشيوعي العراقي.
وناقش المؤتمر مطالب التنسيقيات ورؤيتهم للمرحلة المقبلة من خلال تصعيد الاحتجاجات الجماهيرية، والبحث في إمكانية توحيد جهود المحتجين من اجل نيل كافة المطالب المشروعة.
وطالب الرفيق علي العزاوي، احد الناشطين المشاركين، خلال كلمة في المؤتمر، بضرورة تنظيم تحرك التنسيقيات الاحتجاجية وعدم التنازل عن المطالب وتوحيد الصفوف.
وبين العزاوي، ان "القوى الحاكمة تحاول تشتيت الحركة الاحتجاجية من خلال تسويف المطالب او الاستجابة لبعضها، ما يدفع الاخرين الى عدم التضامن مع بقية المطالب".
ولفت الى ان "المحافظة غنية جداً لكن ذلك غير معكوس على واقع الخدمات، اذ ان الطرق التي تربط المحافظة ببقية المحافظات باتت (طرق للموت) وان الطريق الذي يربط العراق بدولة ايران غير صالح للسير، فضلاً عن كثرة عدد العاطلين عن العمل وسوء تنفيذ الخدمات وغيرها من المعاناة"
ودعا الى مشاركة جميع المواطنين في الاحتجاجات المرتقبة، فيما أشار البيان الذي صدر عن المؤتمر الى انهم يستعدون للخروج بتظاهرة واسعة يوم السبت المقبل.
شيوعيو نينوى يساندون تظاهرات الأطباء
من جهتها، قالت محلية نينوى للحزب الشيوعي العراقي، انها "تدعم الاحتجاجات المشروعة للأطباء المقيمين الدوريين _ دفعة 2024 في مستشفيات نينوى والعراق، وانها تقف إلى جانب مطالبهم".
وذكر بيان المحلية ان "الأطباء ادوا واجبهم الإنساني والمهني على مدار أربعة أشهر متواصلة في ظل ظروف بالغة الصعوبة: نقص في المستلزمات والكوادر، تعرض مباشر للأمراض المعدية دون حماية كافية، ضغط عمل استثنائي تجاوزت ساعاته 180 ساعة شهرياً. كل ذلك دون صرف أية مستحقات مالية حتى اللحظة".
وأشارت المحلية الى ان مطالب الأطباء المحتجين حق مشروع عن عمل منجز فعلاً، يكفله الدستور الذي يصون حق العامل في أجر عادل، ويُجرّم السخرة بكل أشكالها. كما يعتبر مطلب التثبيت على الملاك الدائم استحقاقاً وظيفياً طبيعياً لمن أتم خدمته وأثبت كفاءته.
وطالب البيان الحكومة الاتحادية ووزارة الصحة بالاستجابة الفورية لهذه المطالب، وتُحمّلهما المسؤولية الكاملة عن كل التداعيات التي تنجم عن الإهمال والتسويف.
وخلال الأيام الماضية، نظم الأطباء الدوريون وذوو المهن الطبية دفعة 2024 اضراباً عن الدوام ووقفات احتجاجية في عدة محافظات.
ففي مدينة الموصل، جرى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بتثبيتهم على الملاك الدائم وصرف مستحقاتهم المالية كاملة أسوة بالدفعات السابقة.
وبين المشاركون في الوقفة، ان "الأطباء العاملين حالياً بصفة عقود يتقاضون نحو 400 ألف دينار شهرياً فقط، وهو مبلغ لا يغطي حتى أجور النقل والإعاشة، خصوصاً لمن تم تعيينهم خارج محافظاتهم".
وأضافوا أن "الدفعات السابقة كانت تتقاضى مع المخصصات ما يصل إلى مليون و70 ألف دينار، فيما يعمل أطباء دفعة 2024 لساعات طويلة تصل أحياناً إلى 250 و300 ساعة شهرياً مقابل أجر غير منصف".
وأكد المحتجون أن مطالبهم الأساسية تتمثل بالتثبيت على الملاك الدائم وصرف المستحقات المالية كاملة بما يتناسب مع حجم الجهد المبذول في المؤسسات الصحية، معلنين الإضراب عن العمل حتى تلبية مطالبهم.
وفي محافظة الديوانية، نظم العشرات من الاطباء المقيمين وقفة احتجاجية داخل نقابة الاطباء بالمحافظة لمطالبة الحكومة المركزية ووزارة الصحة بتثبيتهم على الملاك الدائم وإطلاق التخصيصات المالية لهم. واشاروا الى انهم سيضربون عن العمل في حال لم تنفذ طلباتهم.
فيما طالب عدد من الأطباء المقيمين الدوريين في البصرة برفع ما وصفوه بالغبن والمعاناة اللذين يتعرضون لهما منذ تخرجهم في تموز 2024، مؤكدين ضرورة إنصافهم وظيفياً ومالياً.
ونظم الأطباء وقفة احتجاجية في مقر فرع نقابة أطباء العراق بالمركز الثقافي الطبي، مطالبين بالتثبيت على الملاك الدائم وصرف مستحقاتهم المالية كاملة أسوة بالدفعات السابقة.
وأكد المشاركون، أن مطالبهم تمثل استحقاقات قانونية ومهنية من شأنها توفير الاستقرار الوظيفي للأطباء، بما ينعكس إيجاباً على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وفي بغداد نظم الأطباء اضراباً في مختلف المستشفيات الحكومية، وذلك احتجاجا على تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ خمسة أشهر، وللمطالبة بالتثبيت على الملاك الدائم.
وقال عدد من الأطباء، إن "الإضراب جاء بعد استنفاد جميع المخاطبات والوعود السابقة"، مؤكدين تمسكهم بمطالبهم حتى الاستجابة لها في وقت انعكس فيه الإضراب على سير العمل داخل عدد من المؤسسات الصحية".
احتجاجات على خرق بيئي
وفي محافظة ميسان، نظم العشرات من سكنة الاخواء ونشطاء في مجال البيئة، وقفة احتجاجية قرب هور الحويزة، احتجاجا على عدم إنصات السلطات الحكومية لمناشداتهم بخصوص ردم فتحات تصريف مياه هور الحويزة إلى السويب ثم إلى البحر، وفق تعبيرهم.
وقال الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، إن "الوقفة تهدف إلى تسليط الأضواء على حالة مهمة وخرق بيئي وهو وجود فتحات وكسرات في السد الترابي قرب منطقة لسان عجيردة وهذه الفتحات تم استعمالها في عام 2019 حين شهدت الأهوار موجة فيضانية، وتم تصريف المياه آنذاك عبر هذه الفتحات إلى منطقة السويب في البصرة ثم إلى البحر خوفا من وصول مياه السيول إلى القرى، واليوم نفس هذه الفتحات تتسبب بهدر مياه الأهوار، وهذا ما يرفضه الأهواريون وكل مهتم بإعادة الحياة لهور الحويزة".
كسبة واسط يقطعون شوارع رئيسية
وقطع عدد من كسبة محافظة واسط شوارع رئيسية في المحافظة، خلال تظاهرة احتجاجية للمطالبة بالتوقيع على محضر تسليم قطع الأرض السكنية المخصصة لهم.
وطالب كرار حرب، احد المحتجين، بالإسراع في استكمال الإجراءات الإدارية الخاصة بتسليم قطع الأرض التي جرى توزيعها عليهم خلال الفترة الأخيرة مؤكدين ضرورة توقيع المحافظ على محضر التسليم، لضمان استلامها بشكل رسمي.
ولفت الى انهم يطالبون بشمول الكسبة بوجبات جديدة من الأراضي السكنية أسوة بباقي الشرائح المشمولة بالتوزيع. كما دعا الجهات المعنية إلى الاستجابة لمطالبهم وإنصاف هذه الشريحة.
احتجاجات كروية
وخرجت تظاهرة امام مقر الاتحاد العراقي لكرة القدم في محيط ملعب الشعب، وذلك لرفض التدخل الحزبي والمحاصصة في المشهد الرياضي.
وحذر المتظاهرون من تدمير المتنفس الوحيد للعراقيين.
وقال احد المشاركين في التظاهرة محمد الفريداوي: "خرجنا اليوم أمام مقر الاتحاد لنوصل رسالة واضحة بأن كرة القدم هي المتنفس الوحيد للشعب العراقي، ونحن نرفض رفضاً قاطعاً التدخل السياسي في هذا الملف، وما حدث من تدخل في انتخابات الاتحاد هو أمر معيب وطارئ على الكرة العراقية، ونطالب الاتحادين الآسيوي والدولي بوضع حد لهذه المهازل".
***********************************
كل خميس.. البطالة.. حصاد سياسات الفشل
جاسم الحلفي
يستيقظ آلاف الشباب العراقي كل صباح وهم يحملون السؤال نفسه: ماكو شغل؟
شباب يبحثون عن فرصة تمنحهم دخلاً وكرامة ومكاناً طبيعياً في الحياة. لكن سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية الخاطئة جعلت البطالة واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية التي يواجهها العراق اليوم. ولعل احتجاجات خريجي المجموعة الطبية والصحية، كما قبلها احتجاجات الخريجين في اختصاصات أخرى، ليست سوى تعبير عن هذه المعضلة المتفاقمة. فالمشكلة لم تعد تخص دفعة أو اختصاصاً بعينه، بل باتت تمس قطاعاً واسعاً من الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج سوق العمل، رغم ما يمتلكونه من مؤهلات وشهادات. وهذه البطالة كما أشرنا ليست ظاهرة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من السياسات التي كرّست اقتصاداً ريعياً يعتمد على النفط، وأهملت الصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي، حتى أصبح الاقتصاد عاجزاً عن توليد فرص العمل التي يحتاجها المجتمع.
وخلال العقود الماضية، جرى التعامل مع الدولة بوصفها رب العمل الأكبر. ومع كل أزمة اجتماعية أو استحقاق انتخابي، كان التوسع في التوظيف الحكومي يُقدَّم بوصفه الحل الأسهل. لكن هذا المسار بلغ حدوده القصوى، فأصبحت الموازنات مثقلة بالنفقات التشغيلية، فيما تراجعت الاستثمارات المنتجة القادرة على توفير فرص عمل مستدامة. وفي المقابل، تراجعت الصناعة الوطنية، وتعرضت الزراعة للإهمال، وتقلصت مساهمة القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد. وهكذا وجد البلد نفسه أمام معادلة مختلّة: أعداد متزايدة من الشباب الباحثين عن العمل، واقتصاد عاجز عن استيعابهم.
لكن النموذج الريعي الذي هيمن على الاقتصاد العراقي ولا يزال، لم يكن وليس بيئةً للفشل التنموي فحسب، بل هو أيضاً بيئة مثالية للفساد. فحين تضعف القطاعات الإنتاجية وتتضخم الإيرادات الريعية، تتوسع شبكات النفوذ والصفقات والعمولات، ويتحول جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى توزيع للمغانم بدلاً من إنتاج الثروة. لهذا لم يعد مستغرباً أن تأتي البطالة الواسعة مع فضائح الفساد الكبرى، ولا أن يقف الخريجون العاطلون عن العمل في بلد تتحدث فيه التحقيقات عن مليارات الدولارات المنهوبة. فالأزمتان ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لسياسات واحدة.
ومن هنا، فإن الحركة الاحتجاجية التي نشهدها اليوم، والمتوقع اتساعها، لا تعبّر فقط عن مطالب فئوية، بل عن أزمة اجتماعية أعمق. فالفلاح الذي يحتج دفاعاً عن إنتاجه، والخريج الذي يطالب بفرصة عمل، والموظف الذي يواجه تآكل دخله، جميعهم يواجهون نتائج النموذج الاقتصادي نفسه.
والحقيقة أن البطالة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة خيارات سياسية واقتصادية محددة. فالطغمة الحاكمة التي عجزت عن بناء صناعة وطنية، وأهملت الزراعة، وسمحت للفساد بابتلاع جزء كبير من موارد البلاد، لا تنتج فرص عمل بقدر ما تنتج أزمات اجتماعية متلاحقة.
وما لم نشهد تغييراً جذرياً يتجه بالدولة نحو إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية حقيقية، وإعطاء الصناعة والزراعة والتنمية مكانتها المستحقة، ستبقى الاحتجاجات تتكرر، وستتسع دائرة البطالة، لأن أساس المشكلة يكمن في طغمة حكم فاشلة، اتبعت نموذجاً اقتصادياً أصبح أكثر قدرة على إنتاج الفساد من إنتاج فرص العمل.
*********************************
الصفحة الثالثة
في خضمّ تزايد الجرائم بحق القاصرين
ناشطون يحذرون من انهيار منظومة الردع ويدعون إلى إصلاحات قانونية عاجلة
بغداد – تبارك عبد المجيد
تشهد الساحة العراقية في الآونة الأخيرة تصاعدا مقلقا في حوادث العنف الموجه ضد الأطفال، في مقدمتها جرائم القتل والاعتداءات الجنسية، ما أثار موجة واسعة من القلق والاستنكار في الأوساط الحقوقية والمجتمعية، وبينما تتعدد القراءات حول أسباب هذا التنامي، تتفق آراء على أن ما يجري لا يمكن فصله عن ثغرات في منظومة الحماية والردع، وضعف تطبيق القوانين، إلى جانب عوامل اجتماعية وسلوكية معقدة تسهم في تفاقم الظاهرة.
انهيار منظومة الردع
تقول الناشطة النسوية مرح إياد إن "التمادي في جرائم العنف ضد الأطفال، بما فيها الاعتداءات الجنسية وجرائم القتل، لم يعد مجرد انحرافات فردية معزولة بل أصبح يعكس تراكما خطيرا في عوامل الحماية الغائبة داخل المجتمع والدولة".
وتضيف اياد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "وجود حالات اغتصاب أطفال وقتلهم في بعض الوقائع الأخيرة يعكس انهيارا في منظومة الردع حيث يشعر بعض الجناة بأنهم قادرون على ارتكاب هذه الجرائم البشعة، إما بسبب ضعف العقوبات أو بطء إجراءات العدالة أو إمكانية التخفف من المحاسبة عبر ثغرات قانونية أو اجتماعية".
وتشير إلى أن أحد أخطر أسباب التمادي هو غياب البيئة الآمنة للأطفال، سواء داخل الأحياء أو حتى في نطاق الأسرة أو المحيط القريب، إضافة إلى ضعف أدوات الحماية الاجتماعية وعدم وجود منظومة إنذار مبكر تحمي الأطفال من الاستدراج أو الاستغلال".
وتتابع أن "تكرار جرائم الاعتداء الجنسي على القاصرين ثم تطورها في بعض الحالات إلى القتل يكشف مستوى بالغ الخطورة من التجرد الإنساني لدى بعض الجناة، ويعكس في الوقت نفسه فجوة كبيرة في الرقابة المجتمعية والتشريعية، ما يجعل الأطفال في مواجهة مباشرة مع مخاطر لا تتناسب مع حجم الحماية المفترض أن يتمتعوا بها".
وتؤكد إياد أن "الصمت مع هذه الجرائم يساهم في إعادة إنتاجها، لأن غياب العقاب الرادع يمنح رسالة خطيرة مفادها أن هذه الأفعال يمكن أن تمر دون محاسبة صارمة"، داعية إلى "تجريم أشد وأقسى لكل ما يتعلق بالاعتداء على الأطفال، خصوصاً الجرائم التي تقترن بالعنف الجنسي أو تنتهي بوفاة الضحية".
وختمت بالقول إن "حماية الأطفال اليوم لم تعد خيار مجتمعي، بل ضرورة وجودية وأي تأخير في إصلاح القوانين وتفعيل الردع الحقيقي سيعني استمرار هذا النمط من الجرائم وتوسعه بشكل أخطر في المستقبل".
قلق من جرائم قتل الأطفال
وعبرت الناشطة المدنية إلهام قدوري، عن استيائها من تزايد جرائم قتل الأطفال، معتبرةً أن العراق كان في السابق من البلدان التي نادراً ما تسجل فيها مثل هذه الجرائم، ولا سيما الجرائم المرتكبة بحق القاصرين. وقالت إن انتشار هذه الحالات خلال الفترة الأخيرة يعكس خللاً واضحاً في المنظومة القانونية والرقابية، مشيرة إلى أن ضعف العقوبات وعدم تطبيق قوانين رادعة يسهمان بشكل مباشر في تشجيع المجرمين على تكرار جرائمهم.
وأضافت قدوري لـ"طريق الشعب"، أن مسؤولية حماية المجتمع تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة، مؤكدة أن الحكومة مطالبة بوضع تشريعات صارمة توقف الجناة عند حدودهم، وتمنع تكرار مشاهد العنف والقتل التي تستهدف الأطفال الأبرياء.
ولم تقتصر حديثها على جرائم القتل فحسب، بل أشارت إلى تصاعد حالات الاغتصاب والانتهاكات بحق الأطفال والنساء، معتبرة أن غياب الردع القانوني الحقيقي خلق بيئة تسمح للمجرمين بالإفلات أو الحصول على أحكام مخففة، الأمر الذي يضاعف من مخاوف المجتمع ويعمّق الإحساس بانعدام الأمان.
ودعت قدوري ذوي الضحايا إلى عدم التهاون في المطالبة بحقوق أبنائهم، خاصة في الحالات التي يُنظر فيها إلى الأحكام القضائية على أنها لا تحقق العدالة الكاملة.
ورأت أن دور العائلة والعشيرة يبقى حاضراً في الضغط المجتمعي من أجل إنصاف الضحايا، وسط مطالبات متزايدة بأن تكون العقوبات، وخصوصاً في الجرائم البشعة بحق الأطفال، أكثر حزماً لتشكل رادعاً حقيقياً يمنع تكرارها.
واكدت أن فرض العدالة يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة والقانون، وأن سيادة القانون فوق الجميع لا تتحقق إلا بوجود حكومة قوية وعادلة قادرة على تطبيق الأحكام على الجميع دون استثناء، بما يحفظ حقوق الضحايا ويمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام خارج إطار القضاء.
مؤشرات خطيرة
من جهته، ذكر مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في ديالى صلاح مهدي، أن هذه الحوادث، ورغم محدوديتها نسبياً، إلا أنها تعكس مؤشرات خطيرة تستدعي تشديد العقوبات وتعديل القوانين بما يضمن منع تكرارها. وقال مهدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن قراءة طبيعة هذه الجرائم تكشف عن عدة أسباب متداخلة تقف خلفها، في مقدمتها أن جزءاً من مرتكبيها هم من متعاطي المخدرات أو من أصحاب السوابق الجنائية، وهو ما يعكس تأثير المخدرات والانحراف السلوكي في تصاعد بعض الجرائم العنيفة داخل المجتمع.
وأضاف أن من بين الأسباب أيضاً إهمال بعض ذوي الأطفال وعدم متابعتهم بشكل كاف، خصوصاً فيما يتعلق بمراقبة تحركاتهم أو نوعية العلاقات التي تربطهم، الأمر الذي قد يعرّض الأطفال للاستغلال أو الوقوع ضحية لجرائم مختلفة.
وأشار مهدي إلى أن هناك دوافع أخرى تقف خلف بعض الجرائم، من بينها العداوات الشخصية أو عمليات الخطف أو ارتباط الجريمة بملفات جنائية أخرى ما يجعل دوافع قتل الأطفال متعددة ومعقدة في عدد من الحالات.
وأكد أن بعض الجرائم التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية كانت مؤلمة جداً، ولا سيما تلك التي ترافقت مع اعتداءات جنسية أو انتهت بقتل أطفال، وهي حوادث أثارت موجة غضب واسعة في الشارع العراقي، خصوصاً في بغداد.
وشدد مهدي على ضرورة إعادة النظر بشكل في القوانين الخاصة بالعنف ضد الأطفال، مؤكداً على ضرورة تشديد العقوبات لتكون أكثر صرامة وردع، وبما ينسجم مع خطورة هذه الجرائم وآثارها الاجتماعية والنفسية على المجتمع.
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد طريق الشعب
عواصف، وبحّار بلا أشرعة
نشرت جريدة ذي ناشيونال الناطقة بالإنكليزية مقالاً لزياد علي، توقع فيه فشل رئيس الحكومة العراقية الجديدة في إصلاح الوضع السياسي المتردي، مستشهداً بمرور أسابيع على تكليفه بالمهمة دون أن يستطيع استكمال كابينته الوزارية التي ما يزال 40 في المائة من حقائبها شاغراً.
فراغ سياسي
وذكرت الصحيفة بأن اختيار الزيدي نفسه لتشكيل الحكومة بعد خمسة أشهر من الانتخابات العامة يمكن أن يعطينا فكرة واضحة عن مدى اختلال النظام السياسي في البلاد، فيما شكّل برنامجه الحكومي الذي قدمه للبرلمان وعرض فيه أجندته لإدارة البلاد تجسيداً واضحاً لفراغ السياسة الوطنية العراقية، وكيف أصبحت خالية تمامًا من أي نقاش سياسي، وكيف تبقى مصالح عامة الشعب ثانوية أمام مصالح الجماعات السياسية التي تُسيطر على الدولة. ووصف الكاتب البرنامج بالهزيل لدرجة يبدو معها وكأنه من إعداد نموذج ذكاء اصطناعي، طُلب منه وضع قائمة مبهمة من النقاط التي لا تُلزم الحكومة بأي إجراء سياسي مُحدد.
نموذج مختلف
وقبل الخوض في محتوى البرنامج، ذكرت الصحيفة بأن هناك نماذج خاصة للأنظمة البرلمانية، حيث غالباً ما تُعلن الأحزاب السياسية خططها ووعودها قبل الانتخابات بوقت كافٍ، وتُجري حملاتها الانتخابية بناءً على تلك الوعود، وتسعى، إذا ما فازت، إلى تنفيذ بعضها أو كلها. لكن الأمر مختلف في العراق حيث تُطلق العديد من الأحزاب وعودًا انتخابية، لكن معظم هذه الوعود لا تختلف عن بعضها، خاصة مع هيمنة قوى محافظة اجتماعيًا، ولا يتبنى أي منها سياسات ضريبية، ولا تختلف فيما بينها جوهريًا إلا في مسألتين: السياسة الخارجية والعلاقة بإقليم كردستان.
كما لا يحصل الحزب أو قائمة المرشحين الأكبر في الانتخابات العراقية على أكثر من 10 في المائة من المقاعد، بحيث لا يكون قادرًا على تشكيل حكومة بمفرده، فيضطر الجميع إلى الدخول في مفاوضات لتشكيل الحكومة، هذه المفاوضات التي لا يتم التركيز فيها على القضايا السياسية بل على توزيع الوزارات، أو توفير حقائب وزارية مناسبة لمكانة ممثلي هذه الأحزاب.
وزراء وبرنامج
وذكر الكاتب بأن الائتلاف الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد النيابية في الانتخابات الاخيرة، لم يتمكن من الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء من داخله، فاستقر على رجل أعمال غير معروف نسبيًا، يُقال إنه جمع ثروة طائلة من العقود الحكومية.
وأضاف الكاتب بأن الرجل الذي لم يُضيّع وقتًا يُذكر في المفاوضات مع جميع المجموعات الرئيسية لتشكيل حكومته، أعلن برنامجه التنموي، دون أن يشارك أيًا من زملائه الوزراء في صياغته، وشكّل وزارة منقوصة العدد، مفضلاً ترك وزارات مهمة شاغرة مثل الدفاع والداخلية، ليكمل بها مفاوضاته.
ولم تتوقع الصحيفة نجاح الزيدي، الذي لا يتمتع بقاعدة سياسية خاصة به، في فرض برنامج على حكومته، كما يمكن اعتبار الطريقة التي قُدّم بها البرنامج اعترافاً ضمنياً بمدى عبثية هذه العملية، لاسيما ومن غير المرجح بأن أحداً سيعيد النظر في البرنامج طوال الفترة المتبقية من ولاية الحكومة.
أولويات غريبة
وفي معرض تقييمه للبرنامج، أشار الكاتب إلى غرابته وخلوه من أي حيوية أو فكر جديد، ففي الوقت الذي يضم البرنامج أربعة عشر قسماً تغطي أكثر من مئة قضية، قام بإدراجها جميعاً كأولويات متساوية الأهمية، مما يشي بغياب التركيز عند إعداد البرنامج، أو رغبة كاتبيه ببقاء الحال على ما هو عليه من ركود. وليس أدل على هذا الاستنتاج ـ وفق الكاتب ـ من سرد القضايا التي يُصنّفها المواطنون باستمرار كقضايا ذات أولوية، كالصحة والتعليم والفقر والبطالة، في نهاية الوثيقة، التي لم تتضمن تفاصيل حول كيفية معالجتها. كما أن البرنامج أغفل توضيح ماهية الإصلاح الذي وعد به.
ورأى الكاتب الغرابة أيضاً في عدم تطرق البرنامج للعديد من القضايا المهمة كالإصلاح القضائي، الذي عادة ما تمنحه المجتمعات الديمقراطية الحقيقية، الأولوية، حتى لا يهيمن القضاء على الحكومة، وكي يحترم الطرفان الفصل بين السلطات.
وخلص المقال إلى أن شعور العراقيين بأن مصالحهم لم تُؤخذ بنظر الاعتبار ضمن أجندة الحكومة الجديدة، سيدفعهم لعزل الحكومة والعزوف عن عملية انتخابية لا معنى لها.
عين على الاحداث
لعنات تداول السلطة
أُعلن رسمياً عن اعتقال وكيل وزير النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي، على خلفية اتهامات بالفساد المالي والإداري، وذلك ضمن حملة أطلقتها الحكومة الجديدة ضد الفساد. هذا ورغم أن السلطات قد اعتادت على إخفاء التهم ونتائج التحقيقات والأحكام القضائية، وعدم التعامل بشفافية تكشف عبرها عن شمول جميع المسؤولين بالمحاسبة وعدم اقتصارها على البعض فقط، فإن تفشي الفساد في القطاع النفطي، كما في قضية أونا أويل وجولات التراخيص وعقود التوريد وإعادة تأهيل المصافي، لا يلغي وجود دوافع سياسية ومكائد في بعض القضايا، ويؤكد فشل "أولي الأمر" في الدفاع عن "طهارة" أتباعهم.
لا تكحلوها حتى لا تعمى
في سعيها لإيجاد حلول للأزمة المالية الحادة التي تعصف بالبلاد، تحاول الحكومة "إقناع" الموظفين بالخروج من العمل في إجازات مدفوعة الراتب لخمس سنوات، وتخفيض قيمة الدينار، مما يعني تخفيض القيمة الحقيقية للدخل، ورفع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل، مع بقاء الرواتب على حالها. هذا وفي الوقت الذي ستؤدي فيه هذه الاجراءات الى زعزعة السلم الأهلي جراء تدهور المستوى المعاشي للكادحين وللشرائح الوسطى، يتساءل الناس عن حجم التخريب الذي سببته سياسة البطالة المقنعة، والتي لجأت اليها الطغم الحاكمة بعد أن فشلت في تحقيق تنمية مستدامة توفر فرص عمل حقيقية على مدى عقود.
إجاك الموت
مع بدء الصيف، عادت أزمة الكهرباء لتفرض نفسها على العراقيين، رغم تكرار الحكومة الجديدة وعود أسلافها بإصلاح شامل والتوسع بالطاقة الشمسية واستثمار الغاز المحلي. هذا وفي الوقت الذي ملّ فيه الناس من سماع هذه الأوهام، ويعاودون السؤال عن مصير 100 مليار دولار صُرفت على هذا القطاع، باتوا يدركون أن تدني الإنتاج الى 27 ألف ميغاواط بسبب ضياع 12 ألف ميغاواط جراء تهالك البنية التحتية، وتخفيض الإنتاج بحوالي 4500 ميغاواط بسبب تقلص وصول الغاز الإيراني، وضياع مثلها بالتجاوزات، لن يوفر سوى ثماني ساعات من التجهيز الكهربائي يومياً كحد أقصى، إذا ما كانت هناك عدالة في التوزيع.
يحميها ويراقبها
شكّل رئيس الحكومة، المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، برئاسته وعضوية كل من رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، وذلك لمراقبة الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بشأن المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم، لغرض إيقاف الهدر بالمال العام. هذا، وفيما يرى الناس غياب أي سند قانوني للقرار بسبب وجود هيئتين مستقلتين دستوريتين لهما نفس الاختصاص، يتساءلون عن مدى المصداقية التي ستتمتع بها هيئة لمراقبة الحكومة حين يترأسها رئيسها، وعن معنى عبارة (المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم)، خاصة وهم يدركون بإن الحل لا يكمن في كثرة اللجان، التي طالما كان اللصوص أشطر منها.
يتعظ العاقل بمن سبقه
رصدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة قيام هيئة الإعلام والاتصالات بإيقاف خمسة برامج تلفزيونية سياسية، وإنذار وسيلتين إعلاميتين عربيتين، وتغريم ثلاث وسائل إعلام، إضافة إلى 18 قراراً تتعلق بحظر أو منع ظهور شخصيات إعلامية خلال الأشهر الستة الأخيرة. هذا، وفيما أشارت الجمعية إلى قيام رئيس الجهاز التنفيذي في الهيئة بمنح نفسه صلاحيات إصدار قرارات تتعلق بالحجب والإيقاف والغرامة، وهي صلاحيات لم ترد ضمن الأمر الديواني الخاص بتشكيلها، رأى مراقبون بأن فشل الأوليغارشية في ادارة البلاد يعّد الدافع الأول لها نحو الاستبداد، خاصة مع تفاقم الصعاب الاقتصادية والمالية.
الصفحة الرابعة
قراءة في النمط الاستهلاكي المحلي
خليل ابراهيم العبيدي
منذ العام 2003 ومجتمعنا دخل بشكل سريع ومفاجئ عالم الاستهلاك بكل تشعباته وتعقيداته، بعد ان كان مقيدا بنمط استهلاكي ضيق فرضته قواعد الدولة الشمولية، والتي كانت سلوكياتها الاقتصادية عامة (تنسحب على الجميع) تتراوح بين اقتصاديات الحرب ومتطلبات نظام الانتاج العام، وقد كانت سياسة حزب البعث الاقتصادية مزيجا من مخرجات رأسمالية الدولة المنتجة واستهلاك اجتماعي مقيد، أدى ذلك إلى ظاهرة الحرمان، إلا من توفر المواد الأساسية للعيش وبأسعار منافسة، وان ثمة تزاحم مستديم كان على بقية حاجات الانسان الاخرى، بدءا من الملابس مرورا بالأجهزة المنزلية والمواد الانشائية وصولا إلى الحاجات شبه الضرورية، أما الحاجات الكمالية فقد كانت نادرة العرض في الأسواق المركزية او عند الوكلاء، وقد حرص النظام الجديد بمساعدة بريمر على استغلال ذلك الاشباع الناقص للحاجات إلى اطلاق الاستيراد في جميع أبوابه المفتوحة، وقد ساعد على نجاح الاطلاق ذاك توفر العملة لدى الشرائح الطارئة (سارقوا المال النقدي العام أثناء السقوط ومجردو الدولة من امكانياتها المخزنية الصناعية والزراعية والتجارية والسياحية) إضافة إلى تشكل فئات جديدة استمرت في استحلاب منشآت الدولة النفطية والكمركية والضريبية والرسوم الأخرى التي كانت في مقدمة وسائل تمويل الخزانة العامة في ظل تلك الدولة الشمولية.
الشرائح المالكة للأموال ونمطها الاستهلاكي.
بعد انفراط عقد الدولة بعيد الاحتلال وتعمد بريمر على تجريد الدولة من وسائل حمايتها، الجيش والشرطة وقوى الأمن الأخرى توجه النهابون صوب ممتلكات الدولة النقدية والعينية وكونوا لأنفسهم، اضافة لأشباههم ممن نهبوا الكويت، شريحة اجتماعية جديدة ترقى إلى مفهوم الطبقة لتشابه ظروف تكوينها وتوحد أساليب اغتنائها، وهذه الشريحة هي نتاج أهل الفقر وعصارة الخارجين على القانون، وبسبب انكفاء الخيرين تصدرت هذه الفئة المشهد الاقتصادي مبتدئة بتجارة الجملة (بعد فتح الاستيراد دون ضوابط ومحددات) مرورا بالمتاجرة بالعملة وصولا إلى مقاولات الدولة، والشريحة هذه ضمت فيما بعد الحزبيين الذين تولوا مناصبها كافة ليستمر الاغتناء من أموال الدوائر ومشاريعها. وهذه الشريحة تمردت على أصولها وغادرت مكامنها الأصلية نحو المنصور والجادرية، وتملكت العقارات الغالية وسكنت الفلل والعمارات العالية واخذت مسلكا استهلاكيا مغاليا في المسكن والملبس والتنقل، وكانت أول من امتلك السيارات المظللة والماركات المذهلة، وامتطت المواكب واصواتها المجلجلة معبرة عن نقص مستأصل في نفوسها آخذة المجتمع نحو مبتذلاتها، مشكلة انماطا استهلاكية غريبة عن مجتمعها، وأصاب الاقتصاد جراء سلوكها عسرة النمو الحقيقية مقابل استثمارات ذات نتائج عكسية، ثمارها المولات التجارية (وهي تعرض السلع المستوردة الأجنبية) وأقامت المطاعم بعمالتها الاجنبية وتوسعت في إنشاء الكافيهات التي تقدم النارگيلة والتبوغ المعسولة والمشروبات وجميعها مستوردة، وأقامت شركات توريد العمالة الأجنبية، حتى بلغ عدد العمال الأجانب غير الشرعيين مليون عامل حسب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وان عدد العمال الشرعيين هم 30 إلى 40 ألف عامل، تاركة جيوش العاطلين تنمو على نحو يسير مع نسبة زيادة عدد السكان.
إن الشريحة المالكة للمال هي قليلة جدا بالقياس إلى عدد نفوس أهل البلاد، وهي إما من منتسبي الدولة أو من حواشيهم، او ممن كون ثروة جراء الاستيلاء على الاراضي او ممتلكات الغير، او ممن تاجر بالمخدرات او ممن تعاطى بتجارة السلاح المنهوب من معسكرات الجيش السابق او ممن يهربه اليوم عبر الحدود، او من تجارة الأدوية الرابحة او من التجاوزات على عقود الدولة ومشاريعها المتنوعة وسبل اغتناء لا حصر لها، وهي شريحة اصبحت تستهلك خارج المألوف وترتاد النوادي الليلية وتمتلك شقق الرفاهية، وهي تشكل اليوم إحدى دعائم الاستهلاك المظهري، وواحدة من اساليب تدمير الناتج المحلي.
الاستهلاك لدى الشرائح الاجتماعية الاخرى
بغض النظر عما جاء بنتائج الإحصاء الاخير، فان تقلص الريف أمام توسع المدن غير النظامي في العراق كان من أهم أسباب تراجع الناتج المحلي، ذلك أن التجاوز الإجباري للمدن على الريف بسبب شحة المياه كان واحدا من أسباب انتشار الفقر والبطالة والتشوه العمراني في تلك المدن وانتشار ظاهرة التجاوز، وهذا التحول المشوه ترك اقتصاد البلاد هو الآخر مشوها، قل فيه الانتاج وزاد فيه الاستهلاك جراء الزيادة السنوية للسكان البالغة 2،6 في المئة، وان قلة الانتاج لم تكن عاملا لزيادة الاستيراد، انما كان العكس هو ان الحكومات شجعت نظام الاستيراد وكانت إضافة إلى شحة المياه عاملا آخر لتقلص الانتاج في الريف، ومن هنا تشكلت عادات استهلاكية جديدة شجعت على انتشار المطاعم او انتشار الكافيهات، او انتشار عادات الاستهلاك المظهري في المولات، كما وان توجه الشباب من الريف إلى مراكز المدن طلبا للعمل (بعد التسرب من المدارس) سيما من انخرط في الأعمال الإنشائية وهم الشريحة الاكبر بسبب نمو قطاع الاسكان المرفه في مراكز بغداد المهمة او مراكز المحافظات، وعلى حساب المناطق الخضراء، وأن إقبال هذه الشريحة على المطاعم والمقاهي، خلق بذره زيادة مشوهة هي الأخرى في انماط الاستهلاك، وعلى حساب تقلص عمل المطابخ في الدور السكنية، كما وان انتشار المال العام المسروق والمبدد ساعد على انتشار ظاهرة الايصال إلى الدور (الديليفري،Delivery) والغريب في مظهر استهلاكي ملفت للنظر، (ربما سينتشر هو الاخر) هو ديليفري الفطور الصباحي مع ترمس الشاي، او توجه العوائل للإفطار الصباحي في المطاعم او دعوات الافطار خارج المنازل،
ان التغيير في انماط السلوك الاستهلاكي لم يكن وليد تقدم اقتصادي طبيعي ناتج عن زيادة المصانع وزيادة الانتاج السلعي او زيادة التنوع في الانتاج السلعي، انما كما يلاحظ الجميع جاء نتيجة زيادة الدخل اما من النشاط التجاري المخرب للاقتصاد، او جراء زيادة وتنوع الاستحواذ على المال العام دون وجه حق، او جراء زيادة مدخولات الشرائح الاجتماعية التي تعتاش على ما يمنح المسؤولون لحواشيهم وحماياتهم من أموال جراء الخدمة والحماية الشخصية.
الخلاصة.
ان المتمعن بمصادر الدخل، والانفاق في بلادنا، يجد ان هذه المصادر تتلخص بما يلي.
1- الرواتب والأجور لموظفي الدولة والمتقاعدين، وهم في الغالب غير منتجين، منهم منتسبي القوات المسلحة، والجهات الامنية الاخرى، ومنهم موظفي الدوائر الخدمية والادارية، وهم غير منتجين ايضا، اما موظفي القطاع الانتاجي فهم في الغالب يعتمدون في رواتبهم واجورهم على الخزانة العامة باستثناء بعض المشاريع الحكومية المربحة. والسبب هو عدم تفعيل الشركات المنتجة ودفعها فقط نحو الانتاج المكمل وهو انتاج مشوه لا يدر أرباحا حقيقية، كان تقوم الشركة الفلانية الحكومية باستيراد جهاز، وتقوم بتعليمه وبيعه بسعر يدر ربحا لا يسد نفات الشركة الحقيقية.
2- القطاع التجاري. وهو قطاع واسع ومتشعب بدأ في منطقة جميلة الصناعية ومناطق المحافظات الصناعية المعروفة على حساب مصانعها العظيمة والتي كانت تعد بعشرات الالاف من المصانع والورش المنتجة للسلع ومكملات البناء وأثاث الدور والكثير من الحاجات الضرورية للإنتاج والاستهلاك في كنف الدولة الشمولية، والقطاع التجاري هذا نما بشكل مدهش على حساب الصناعة الوطنية لعاملين أساسيين:
الاول، الوكالات التجارية، ومالكوها هم اصحاب القرار السياسي، او اصحاب رؤوس الاموال المسروقة من دوائر الدولة ومصارفها الحكومية، ومخازنها الصناعية والتجارية والزراعية والتي تخلى القضاء عن البحث عن مصادر هذه الاموال والتي يتم غسيلها بواسطة النشاط التجاري، الذي وصلت مبالغ استيراداته السنوية إلى حدود 65 مليار دولار سنويا مضافا اليها تحويلات الاستيرادات الحكومية واستيرادات اخرى والتي وصلت أقيامها عام 2025 ما يقارب 20 --25 مليار دولار ليصل اجمالي الاستيراد العام إلى 85 --90 مليار دولار. وكان يمكن ان يكون عائد الرسوم الكمركية منها إذا ما احتسب متوسط معدل الرسم الكمركي 15 في المئة. لكل السلع باستثناء فقرة المواد الغذائية والاساسية والتي يمكن تقديرها بالثلث اي 30 مليار دولار ومتطلبات الاستيراد الحكومي المعفى من الرسوم 10 مليار دولار، فان المبلغ الخاضع للرسم الكمركي سيكون على الاقل 50 مليار دولار مضروبا في 15 في المئة اي ان الايراد الكمركي السنوي كان سيكون7،5 مليار دولار.
ان ما يثير الاستغراب، هو تراجع الناتج المحلي امام تزايد عدد السكان، وهي معادلة اقتصادية معكوسة، وان تغير النمط الاستهلاكي هو الاخر في معادلة معكوسة حيث ان الاستيراد صار منسحبا حتى على تغيير عادات الاستهلاك وصارت هي الاخرى مستوردة.
***************************
وقفة اقتصادية.. من أجل صناديق سيادية للثروة الوطنية
إبراهيم المشهداني
إن تعاظم ظواهر الأزمات وتهالك هياكل الاقتصاد الوطني ومصادرة موارده المالية عن طريق الفساد الذي يعد لدى أصحاب الضمائر الحية واحدا من أكبر الأمراض التي استعصت معالجتها من قبل كافة الحكومات التي أدارت السلطة بعد عام 2003، ولا يعني هذا الاستنتاج تبييض صفحات النظام السابق من الانخراط في الهيمنة على مقدرات الموارد والتصرف بها وفق ما يقرره القائد الضرورة. هنا هل يحتاج الاقتصاد العراقي وهو غائص في قاع الازمات وهبوط معدلات التنمية إلى صناديق سيادية لمواجهة المخاطر والأزمات التي تحيق بالعراق والمنطقة؟
إن الاهتمام بصناديق الثروة السيادية أخذ يتعاظم يوما بعد آخر في العديد من الدول التي لجأت إلى هذه الصناديق لاستخدامها في شتى الأنشطة الاقتصادية وبصورة خاصة في الاقتصادات الريعية ولكن الريوع البترولية وغيرها ليست السبب الوحيد في لواذ تلك البلدان إلى تلك الصناديق فإن دولا كاليابان أنشأت هذه الصناديق بناء على ما لديها من موارد أخرى فهذه الصناديق تحولت مع الزمن إلى أداة مهمة من أدوات السياسة الاقتصادية لكونها تصب في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ودورها في المحافظة على مصادر الثروة سواء كانت نفطية او ثروات معدنية مطمورة تحت الأرض او الموا رد المتأتية من أوجه النشاط الإنساني الأخرى وتنميتها من خلال عمليات الاستثمار، كما أنها في نهاية المطاف تتحول بذاتها إلى مصادر مولدة للدخل والناتج المحلي الإجمالي فضلا عن وظائفها في تحقيق الاستقرار المالي وتمويل العجوزات في الموازنات السنوية العامة او تسديد الديون من الأموال التي توفرها في مواجهة التقلبات الحادة في الأسعار العالمية.
ولمزيد من التوضيح فان صناديق الثروة السيادية لم تنشأ صدفة بل تعود إلى طائفة من العوامل أهمها انفجار الديون الخارجية بالإضافة إلى توزيع عوائد الثروة النفطية فضلا عن الاستثمار وتمويل مختلف برامج وسياسات التنمية، حيث أن بعض الدول النفطية حققت فوائض مالية كبيرة من موارد النفط مما اقتضى توظيف هذه الفوائض في إنشاء صناديق سيادية لأغراض ليس فقط لعملية التنمية وانما وهو الأهم تنويع مصادر الدخل الوطني وهو ما لم تتخذ الحكومات المتعاقبة التدابير الضرورية لتوظيف الفوائض النفطية لإنشاء صندوق سيادي يسهم في تنويع مصادر الدخل ومعالجة أمراض الاقتصاد العراقي، والعامل الرابع وهو المهم الإسهام في استقرار أسعار الصرف بو صفها احتياطيا نقديا وأداة من أدوات الساسة المالية والنقدية.
لقد وفرت العديد من الدول تجربة غنية في مجال استخدام صناديق الثروة السيادية يمكن الاستفادة منها في اتخاذ الخطوة الأولى على طريق التوسع وتسجيل تجربتنا الخاصة، ومن بين الدول التي استخدمت هذه الصناديق الولايات المتحدة واليابان والنرويج وأبو ظبي والصين والكويت والسعودية وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ، وقد بلغ حجم الثروة في هذه الصناديق في عام 2018 9 تريليون و508 مليار دولار، مع العلم ان صندوق التقاعد الحكومي النرويجي حاز على المرتبة الأولى كأكبر صندوق سيادي عالمي، وأن الكويت كانت الدولة العربية الأولى في إنشاء الصندوق الخاص بها في عام 1952.
لقد حاول العراق إنشاء صناديق مماثلة لما تقدم ولكنها للأسف كانت تجربة فاشلة فصندوق التقاعد الوطني والصندوق العراقي للتنمية الخارجية يرتبطان بوزارة المالية ولم تخضع لمبادئ سانتياغو التي تتكون من 23 مادة تلزم ان تدار الصناديق السيادية من قبل مجلس إدارة ويتمتع بدرجة عالية من الشفافية وخاضع للرقابة والتدقيق. أما وظيفة الصندوق العراقي للتنمية الخارجية فهي تقديم القروض للدول العربية. وهناك صندوق تنمية العراق تأسس بعد عام 2003 ووظيفته الحفاظ على الموارد النفطية لكنه ألغي وأنشئ مكانه حساب لهذه الموارد في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بزعم الحفاظ على أموال العراق من الادعاء بديون مشبوهة ويتعامل مع وزارة المالية وفق آلية قائمة على التقسيط في التحويل. إن الحكومة الجديدة مطالبة بالشروع في إنشاء صناديق سيادية لأغراض الاستثمار والتأمينات الاجتماعية وتسديد الديون العامة وغيرها وتمويلها من الموازنات السنوية او من الفوائض النقدية ان حصلت.
***********************
عشرون عاماً من الإهمال والوعود المؤجلة طريق {جصان - قزانية}.. شريان اقتصادي معطّل
الكوت ـ علي جبار
في وقت تسعى فيه الدول إلى تعزيز بنيتها التحتية لدعم عجلة الاقتصاد وتسهيل حركة المواطنين، يقف الطريق الرابط بين ناحية جصان في محافظة واسط وناحية قزانية في محافظة ديالى شاهداً على معاناة مستمرة تمتد لأكثر من عشرين عاماً. هذا الطريق، الذي لا يتجاوز طوله 90 كيلومتراً، يمثل حلقة وصل استراتيجية مهملة قادرة على تغيير الخارطة التجارية والخدمية للمنطقة بالكامل.
تنبع الأهمية الجغرافية لهذا الطريق من كونه يمثل أقصر ممر بري يربط محافظات الوسط والجنوب بالمحافظات الشمالية. فبدلاً من لجوء المسافرين وأصحاب شاحنات النقل إلى قطع مسافات طويلة وتكبد عناء الطرق البديلة المزدحمة، يوفر هذا الطريق محوراً مباشراً يختصر الوقت والجهد بشكل كبير، مما يجعله خطاً حيوياً لا غنى عنه لو أُعيد تأهيله.
لا تقتصر أهمية طريق "جصان - قزانية" على الجانب الخدمي والاجتماعي فحسب، بل يمثل ركيزة اقتصادية ضخمة؛ نظراً لوجود منافذ حدودية حيوية في كلتا المحافظتين (واسط وديالى).
إن ربط المحافظتين عبر هذا الطريق من شأنه أن يخلق حركة تبادل تجاري نشطة، ويسهل نقل البضائع والسلع القادمة عبر المنافذ، مما ينعكس إيجاباً على الحركة التجارية المحلية، ويوفر فرص عمل لأبناء المناطق المحيطة، ويتحول إلى شريان اقتصادي يغذي ميزانية المحافظتين.
وعلى الرغم من كل هذه المؤهلات والاستحقاقات، يعيش الطريق واقعاً مأساوياً طيلة العقدين الماضيين؛ إذ أصبح غير صالح للسير تماماً نتيجة الإهمال الحكومي المتعاقب. وتنتشر على طوله التخسفات العميقة والتشققات التي تحولت إلى مصائد للمركبات، والانهيارات الأرضية الناتجة عن غياب الصيانة الدورية وتأثير العوامل الطبيعية دون معالجة، وانعدام التبليط الصالح حيث تآكلت الطبقات الإسفلتية القديمة تماماً، ولم تشهد أي عمليات إكساء حقيقية منذ سنوات طويلة، مما تسبب في عشرات الحوادث المرورية المؤسفة وإلحاق أضرار بالغة بمركبات المواطنين.
إن إعادة إعمار وتأهيل طريق "جصان - قزانية" لم يعد مجرد مطلب خدمي ثانوي، بل هو استحقاق اقتصادي وأمني ملحّ. لذا يتطلع أهالي المحافظتين والمراقبون للشأن الخدمي إلى التفاتة جادة من الجهات الحكومية المختصة ووزارة الإعمار والإسكان لإدراج هذا المشروع ضمن الخطط الاستثمارية العاجلة، لإنهاء حقبة من المعاناة وإحياء هذا الشريان المنسي.
*****************************
الصفحة الخامسة
الحكومة تعترض وتشترط أخذ الموافقات إطلاق البط في الأنهر محاولة شعبية لإحياء التوازن البيئي
متابعة – طريق الشعب
بادر العشرات من الناشطين خلال الأيام الماضية، إلى إطلاق المئات من طيور البط، فضلا عن السلاحف، في نهر دجلة وغيره من أنهار البلاد، في محاولة لإعادة التوازن البيئي والحد من المشكلات البيئية الناجمة عن شح المياه والصيد الجائر، إضافة الى التلوث.
وبينما بدأت المبادرة بالاتساع من بغداد لتشمل محافظات عدة، أعلنت وزارة البيئة منع إطلاق الحيوانات والنباتات في الأنهر من دون الحصول على موافقات أصولية.
وبدأت المبادرة بعد ظهور الناشط حيدر عبد الوهاب على ضفاف دجلة في بغداد، معلناً إطلاق 262 زوجاً من البط، إضافة إلى 25 ألف أصبعية من سمك الكارب، مستغلاً ارتفاع منسوب المياه نتيجة الأمطار الأخيرة في تعزيز التنوع الاحيائي وإعادة التوازن البيئي.
وخلال الساعات الأولى من مبادرته، نشر عبد الوهاب أكثر من مقطع مصور على حساباته، لاقت تفاعلاً كبيراً من الناس، لتتحول من مبادرة فردية إلى حملة وطنية شاملة شهدت مشاركة أطراف متعددة، من بينها ناشطون ومنظمات وعشائر وحتى رجال أمن، في محافظات عدة. حيث بدأوا بإطلاق طيور مائية يتم شراؤها من الأسواق، إلى جانب السلاحف وطيور النورس التي يتم صيدها لغرض بيعها. وقد شملت الحملة محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى والنجف وكربلاء وبابل وميسان والبصرة.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يواجه فيه العراق تراجعا ملحوظا في التنوع الاحيائي، نتيجة تراكم أزمات بيئية متعددة، من بينها شح المياه ونقص الإطلاقات المائية وارتفاع نسب التلوث، فضلا عن الصيد الجائر الذي طال أصنافا مختلفة من الطيور والأسماك والكائنات المائية. وخلال السنوات الماضية، اختفت أو تراجعت أعداد بعض الأنواع التي كانت تشكل جزءاً من البيئة النهرية العراقية، ما دفع ناشطين ومهتمين بالشأن البيئي إلى البحث عن وسائل شعبية للمساهمة في حماية ما تبقى من هذا التنوع.
ولا تقتصر التحديات على الجفاف فقط. إذ تعاني الأنهار، وفي مقدمتها دجلة والفرات، مستويات مرتفعة من التلوث الناتج عن تصريف مياه المجاري غير المعالجة ورمي المخلفات الصناعية ومخلفات الأنشطة التجارية والخدمية. وتشير تقديرات بيئية إلى أن عشرات المصبات التابعة لمؤسسات حكومية وأخرى أهلية تصب المخلفات مباشرة في المجاري المائية، ما يؤثر على نوعية المياه ويهدد الأحياء المائية ويقوض أي جهود لإعادة التوازن البيئي.
ورغم الدعم الإعلامي والاهتمام الشعبي بحملة عبد الوهاب، إلا أن المؤيدين لها صدموا بتصرفات فردية تمثلت في صيد بعض طيور البط بعد ساعات من إطلاقها، ما أثار استياء الناشطين من جهة، ودفع بمزيدٍ من المتبرعين لإطلاق الطيور في الأنهر من جهة أخرى. وعلّق عبد الوهاب، بعد انتشار صور لشبان يصيدون البط، بالقول: "كنت خائفاً من الحيوانات المفترسة أن تأكل البط، لكن تبيّن أن البشر هم من يؤذون الطيور، وهذا سلوك لا يمثل غيرة العراقيين"!
الحاجة إلى رعاية حكومية
في حديث صحفي، يقول الناشط البيئي حميد العراقي، أن "هذه الحملات ناجحة وتساعد على إحياء التوازن البيئي الذي بات مفقوداً في العراق بسبب الصيد الجائر للحيوانات من جهة، والجفاف الذي ضرب الأنهار والمسطحات المائية من جهة ثانية"، مشيرا إلى أن "نشر البط والأسماك في الأنهر، يحتاج إلى رعاية حكومية بدعم من الاختصاصيين في البيئة، كي لا تقع بعض الأضرار من دون قصد".
في السياق، يقول الخبير البيئي عبد الرحمن الجبوري، أن "مبادرة إطلاق البط والأسماك تمثل رسالة مجتمعية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن المعالجات الجذرية للمشكلات البيئية"، مضيفا في حديث صحفي أن "الكائنات التي يجري إطلاقها ستواجه تحديات كبيرة إذا بقيت الأنهار ملوثة واستمرت عمليات الصيد العشوائي. لذلك يجب أن تترافق المبادرات الشعبية مع إجراءات حكومية لحماية الأنهار ومعالجة مصادر التلوث وتشديد الرقابة على الصيد".
أما المواطن علي الفضلي، وهو أحد المشاركين في إطلاق الطيور المائية، فيقول ان "الهدف ليس فقط زيادة أعداد البط، بل إعادة الاهتمام بالبيئة العراقية".
ويضيف في حديث صحفي قوله أن "الكثير من العراقيين نشأوا وهم يشاهدون أسراب الطيور على ضفاف الأنهار، لكن أعدادها تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف والتلوث والصيد، لذلك جاءت المبادرة لتذكير الناس بأن حماية البيئة مسؤولية جماعية".
هل سيصمد البط في النهر؟!
لكن جدلاً بيئياً ظهر عقب توسّع الحملة، من قبل بعض الناشطين في قضايا البيئة. إذ يرون انّ "البط الأليف الذي يربى في المزارع غير قادر على البقاء في المياه، لا سيما أنه اعتاد على الأقفاص والبيوت، ولا يملك غريزة البحث عن الطعام أو الاختباء في البيئة البرية المفتوحة ما يعرّضه لخطر الهلاك والافتراس".
وفي هذا الصدد، يذكر محمد الساعدي، وهو ناشط بيئي من ذي قار، أن "الطيور الصغيرة تفتقر للريش المقاوم للماء وهي غير قادرة على مقاومة تيارات نهر دجلة القوية، ما يجعلها فريسة سهلة للحيوانات البرية مثل ثعالب الماء والنوارس والصقور والكلاب السائبة، أو عرضة للموت غرقاً"، موضحاً في حديث صحفي أن "البط يحتاج إلى بيئة نظيفة، وأن مياه الأنهر تعاني التلوث وتراكم النفايات عند الضفاف، بالتالي لا بد من جهود حكومية تضاف إلى جهود النشطاء المشاركين في الحملة".
البيئة تشدد على الموافقات الأصولية
من جهته، أعلن مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي، أمير علي الحسون، منع إدخال أو إطلاق الأحياء النباتية والحيوانية في البيئة الطبيعية من دون موافقات أصولية من وزارة البيئة، مؤكدا في حديث صحفي أن المخالفين سيتم التعامل معهم وفق القانون.
وقال في حديث صحفي أن "وزارة البيئة تثمّن الاهتمام المجتمعي المتزايد بالقضايا البيئية وتدعم جميع المبادرات الهادفة إلى حماية البيئة والتنوع الأحيائي، شريطة أن تستند إلى أسس علمية وقانونية وأن تنفذ بالتنسيق مع الجهات المختصة والحصول على الموافقات الرسمية اللازمة".
وأوضح الحسون أن "إطلاق الطيور أو الحيوانات الداجنة في البيئات الطبيعية، ومنها نهر دجلة، دون دراسة مسبقة قد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي من خلال المنافسة مع الأنواع المحلية أو نقل الأمراض والطفيليات أو التأثير في التنوع الأحيائي القائم"، لافتا إلى ان "قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 يمنع إدخال أو إطلاق الأحياء النباتية والحيوانية في البيئة الطبيعية من دون موافقات أصولية من وزارة البيئة".
وأشار إلى أن "الوزارة وجهت الجهات الفنية المختصة بمتابعة موضوع إطلاق الطيور وتقييم آثاره البيئية والقانونية واتخاذ الإجراءات المناسبة بما يضمن حماية التنوع الأحيائي والحفاظ على التوازن البيئي"، داعيا المواطنين والمنظمات والمبادرات التطوعية إلى "التعاون والتنسيق المسبق مع الجهات المختصة عند تنفيذ أي نشاط بيئي".
إلى ذلك، يرى مراقبون أن نجاح مثل هذه المبادرات سيبقى محدودا ما لم ترافقه خطط حكومية لمعالجة التلوث، وتطوير محطات معالجة مياه الصرف الصحي، والحد من التجاوزات على الأنهار، وحماية الكائنات المائية والبرية من الصيد الجائر.
فإعادة إطلاق مئات الطيور والأسماك قد تمنح البيئة فرصة للتعافي، لكنها لا تستطيع وحدها مواجهة سنوات طويلة من الإهمال البيئي وتدهور المنظومات الطبيعية.
*****************************
إهمال خدمي مزمن في حي الإسكان
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من أهالي المحلة 625 في منطقة الإسكان غربي بغداد، الجهات المعنية بالتدخل العاجل لتحسين الواقع الخدمي في منطقتهم، مؤكدين أن المنطقة تعاني الإهمال وتردي البنى التحتية منذ سنوات طويلة.
وأوضحوا في حديث صحفي أن المنطقة بحاجة ماسة إلى حملة تبليط، إلى جانب إزالة التجاوزات والعشوائيات التي أثرت على الواقعين الخدمي والبيئي، لافتين إلى أنهم سبق أن قدموا العديد من المناشدات والطلبات، دون استجابة ملموسة، في وقت تشهد فيه مناطق مجاورة أعمال تطوير وتبليط، ما زاد من شعورهم بالتهميش والإهمال.
وأشاروا إلى أن استمرار غياب الحلول قد يدفع الأهالي إلى اتخاذ خطوات احتجاجية للمطالبة بحقوقهم الخدمية، مطالبين بإجراء زيارة ميدانية عاجلة للمنطقة والاطلاع على حجم المعاناة بشكل مباشر.
*******************************
اگول.. حكومة تطارد المواطن لا الفاسد!
حسن الجواد
في هذا البلد، صار العمل بالظل أسهل من العمل بالضوء. من يريد أن يبني مشروعاً أو يفتح باب رزق شريفاً، يدخل معركة لا تنتهي مع جيش من المعقّدات والرسوم والأختام والموافقات. أما من ينهش المال العام ويقتات على المشاريع، فيجد الأبواب مفتوحة والسجاد الأحمر مفروشاً تحت قدميه.
المواطن اليوم لا يشعر أن الحكومة سندٌ له، بل يشعر أنها تلاحقه في كل زاوية. يهرب من دائرة ليقع في أخرى، ومن رسم إلى غرامة، ومن موافقة إلى موافقة أكبر منها. وكأن الدولة أعلنت حرباً على من يحاول العيش بكرامة.
هناك جماعات متنفذة داخل بعض المؤسسات، لا ترفع يدها عن مشروع ناجح إلا بعد أن تستنزفه. تدفع مرة، ثم تدفع ثانية، ثم تكتشف أن الدفع لا ينتهي. وإذا رفضت، يبدأ مسلسل التعقيدات القانونية والتفسيرات المزاجية والكتب الرسمية التي تظهر فجأة من العدم لتخبرك أن عليك أن تدفع أكثر.
إن سلم المواطن من كمائن الشوارع والغرامات المرورية التي تهبط عليه كالصواعق، وجد نفسه أمام فاتورة الكهرباء. وإن تجاوزها، استقبلته رسوم أخرى لا يعرف لها أولاً ولا آخراً. أما البلدية، فهي حكاية أخرى.
تجد فرقها تجوب الشوارع وكأنها في حملة عسكرية. بائع بسيط يفترش الرصيف ليطعم أطفاله يصبح هدفاً للمطاردة. شاب لم يجد وظيفة منذ سنوات يتحول إلى مخالف للقانون لأنه وضع عربة شاي على الرصيف. أرملة تبيع بعض الحاجيات لتعيش تُعامل وكأنها ارتكبت جريمة اقتصادية.
أما إذا قررت أن تصلح باب بيتك القديم أو تطلي واجهته التي أكلها الزمن، فقد تكتشف أن الأمر يحتاج إلى موافقات وإجراءات وكأنك تبني ناطحة سحاب في قلب العاصمة. المواطن صار يحتاج إذناً لكل شيء، إلا للمعاناة، فهي متاحة بلا ترخيص.
المؤلم أن هذه المطاردات لا تطال كبار الفاسدين بالقدر نفسه. من سرق المليارات لا نراه يُلاحق في الأزقة، ولا تُصادر أوراقه على الأرصفة، ولا تطارده الدراجات الهوائية. أما بائع الخضار وصاحب البسطة والعامل البسيط، فهؤلاء هم الأهداف الأسهل دائماً.
العراقي لا يطلب المستحيل. لا يريد قصوراً ولا امتيازات. يريد فقط أن تعمل الدولة معه لا عليه. أن تحمي مشروعه بدلاً من ابتزازه. أن تنظّم الأرصفة بدلاً من قطع أرزاق الناس. أن تطارد الفساد قبل أن تطارد الفقراء.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الغرامات، ولا بازدياد الرسوم، ولا بملاحقة لقمة العيش. الأوطان تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، لا أنه ينتظره خلف كل زاوية ليضع يده في جيبه مرة أخرى.
**************************************
في قضاء الحسينية.. محلة غارقة منذ موسم الأمطار!
متابعة – طريق الشعب
شكا عدد من أهالي المحلة 218 في قضاء الحسينية شمال شرقي بغداد، من غرق بعض أزقتهم منذ الموسم المطري الفائت، مبينين في حديث صحفي أن هذه المشكلة أرهقتهم كثيرا بعد أن شلت حركتهم وجعلت بيئتهم ملوّثة.
وأشاروا إلى أن طفح المياه سببه انسداد شبكة المجاري، الأمر الذي جعل مياه الصرف الصحي مختلطة مع بقايا ماء المطر، مضيفين القول أن ما يزيد الأزمة تعقيدا خلو الأزقة من التبليط، الأمر الذي يجعلها غاصة بالأوحال.
وطالب المواطنون الجهات المعنية، بالإسراع في معالجة هذه المشكلة، مؤكدين أن الروائح الكريهة تتصاعد في المحلة، وأن المياه الآسنة أصبحت بؤرة للضفادع والحشرات.
****************************
مواساة
• ببالغ الحزن تعزي اللجنة المحلية العمالية في الحزب الشيوعي العراقي الرفيق محمد فنجان (ابو عباس)، بوفاة عمه الشيخ عبد العالي غضبان.
له الذكر الطيب ولعائلته الصبر والسلوان.
**************************
الصفحة السادسة
قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين
لندن - وكالات
وجهت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إميلي ثورنبيري، انتقادات حادة لحكومة حزب العمال التي تنتمي إليها، متهمة إياها بالفشل في نصرة الفلسطينيين وعدم اتخاذ خطوات عملية كافية لوقف السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدة أن لندن "خذلت الشعب الفلسطيني" واكتفت بإطلاق المواقف السياسية دون ممارسة ضغوط مؤثرة على إسرائيل.
وفي واحدة من أقوى الانتقادات التي تصدر عن شخصية بارزة داخل حزب العمال تجاه سياسة الحكومة في الشرق الأوسط، ونقلتها صحيفة "الغارديان"، قالت ثورنبيري إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين قبل أكثر من ثمانية أشهر كان ينبغي أن يكون "الخطوة الأولى ضمن سلسلة من الإجراءات"، إلا أن الحكومة لم تتخذ بعد ذلك خطوات ملموسة لدفع حل الدولتين أو حماية الفلسطينيين من الانتهاكات المستمرة.
وأكدت أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافياً، داعية إلى خطوات عملية تجعل استمرار التوسع الاستيطاني "مكلفاً اقتصادياً وسياسياً".
وشددت البرلمانية العمالية على أن على بريطانيا أن تترجم مواقفها القانونية إلى إجراءات ملموسة، خصوصاً بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية.
وقالت إن منطق القانون الدولي يقتضي حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض عقوبات على المتورطين في الأنشطة الاستيطانية.
*****************************
غارات دامية على لبنان والاحتلال يعترف بفشله
بيروت - وكالات
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الأربعاء، عن مقتل 6 أشخاص جراء غارة إسرائيلية استهدفت منطقة الحوش في قضاء صور جنوبي لبنان، مشيرة إلى أن الضحايا هم 4 سوريين وفلسطينيان، في وقت اعترف فيه جيش الاحتلال بعجزه عن التصدي لمسيرات حزب الله.
وتأتي هذه الهجمات وسط تصعيد ميداني متواصل، إذ أعلن حزب الله تنفيذ هجمات عدة بصواريخ ومسيّرات استهدفت قوات وآليات إسرائيلية في مناطق عدة جنوبي لبنان، بينها استهداف آلية عسكرية في محيط بلدة زوطر الشرقية.
وتشهد مناطق عدة في جنوب لبنان تصعيدا ميدانيا متواصلا جراء سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المستمر الذي طال أقضية صور وبنت جبيل وصيدا والنبطية ومرجعيون.
وفي سياق متصل، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن أزمة حقيقية يواجهها جيش الاحتلال في التصدي لطائرات حزب الله المسيّرة، ونقل موقع "والا" الإسرائيلي عن مصدر أمني أن جيش الاحتلال اختبر أنظمة مختلفة لاعتراض الطائرات المسيّرة باستخدام طائرات مسيّرة، لكن لم تتجاوز نسبة نجاح أي منها 50 في المئة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ما كشفته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، عن وجود قلق كبير وإحباط إسرائيلي بسبب تطور الطائرات المسيّرة التي يطلقها "حزب الله"، وقدرتها على الوصول ليلا إلى الجنود المتوغلين في جنوب لبنان.
********************************
مواجهات في الخليج وهرمز، ولا تقدم في المفاوضات ترامب يبحث عن تعهدات إيرانية مكتوبة وطهران تريد مكاسب فعلية
طهران – وكالات
تجددت المواجهات الليلية بين إيران والولايات المتحدة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، مع إعلان الجيش الأميركي أنّ هجمات صاروخية إيرانية على البحرين والكويت وأهداف إقليمية أخرى تسنّى إحباطها أو فشلت، في الوقت الذي لم تشهد فيه المفاوضات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران تقدّماً يذكر.
ضربات متبادلة
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن صاروخين إيرانيين أُطلقا على الكويت سقطا قبل الوصول إلى الهدف أو تحطما في الجو، فيما فشلت عدة صواريخ باليستية موجهة نحو أهداف إقليمية، وأمكن اعتراض ثلاثة صواريخ متجهة إلى البحرين.
وذكرت ان الجيش الأمريكي أسقط أيضاً طائرات إيرانية مسيّرة كانت تستهدف سفناً مدنية في المياه الإقليمية والقوات الأمريكية في الكويت، وشنّ غارات على جزيرة قشم بالقرب من مضيق هرمز عقب محاولات هجوم من جانب إيران.
في المقابل، قال الحرس الثوري الإيراني، في بيان، فجر الأربعاء، إن الجيش الأمريكي استهدف في وقت متأخر من الليلة الماضية ناقلة نفط إيرانية قرب مضيق هرمز بمقذوف جوي، ما تسبب بأضرار في غرفة المحركات.
وأضاف أن القوات الإيرانية استهدفت، "رداً على هذا الاعتداء وانتهاك قواعد مضيق هرمز"، سفينة تابعة لما وصفه بـ "العدو الأميركي الصهيوني" تحمل اسم "بانايا"، وذلك بصواريخ القوة البحرية التابعة للحرس الثوري.
يأتي هذا بعدما أفادت وسائل الإعلام الإيرانية، بأنّ طهران لم تتواصل مع واشنطن منذ عدة أيام، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إن المفاوضات لم تتوقف.
الالتزامات غير كافية
قالت شبكة "إي بي سي نيوز"، الأربعاء، إنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطالب إيران بتقديم تعهدات نووية مكتوبة على أنها جزء من اتفاق مبدئي يهدف إلى تجاوز حالة الجمود بين واشنطن وطهران. ونقلت الشبكة عن مسؤولين أمريكيين ومصدر مطلع، أنّ وفد التفاوض الإيراني كان قد قدّم في وقت سابق ضمانات شفوية بأنّ إيران ستوافق في نهاية المطاف على شروط معينة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، غير أن ترامب قرر في اجتماع غرفة العمليات بالبيت الأبيض يوم الجمعة أنّ هذه الالتزامات غير كافية.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أعرب في شهادة أدلى بها أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، عن أمله في إمكان التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران. وكشف عن بعض التفاصيل التي ترغب واشنطن من إيران في القيام بها قبل المضي قدماً بأي اتفاق، قائلاً: "نحتاج منهم إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل فوري، وبجانب المضيق نحتاج منهم إلى شرط مسبق يسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية من المفاوضات، وهو أن يلتزموا بالموافقة على مفاوضات محددة جداً للتخلّص من اليورانيوم عالي التخصيب".
وأضاف أن الشرط للتوصل إلى اتفاق في المرحلة الحالية والانتقال إلى المرحلة الثانية، هو الموافقة المسبقة على أنهم سيتفاوضون على شروط وقيود شديدة وطويلة الأمد في الملف النووي أو إلغاء عملية التخصيب بشكل كامل في المرحلة الثانية. كما أكد عدم رفع العقوبات عن إيران في أثناء المرحلة الأولى من الاتفاق.
تعامل حذر
في الأثناء، تُراجع إيران اتفاقاً مقترحاً مع الولايات المتحدة لوقف الحرب بين البلدين، بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن المحادثات للتوصل إلى اتفاق لا تزال مستمرة.
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات ضد إيران، تحوَّل الصراع إلى حالة جمود، فيما لم تُفضِ المحادثات، التي تجري في معظمها بصورة غير مباشرة للتفاوض على اتفاق مرحلي، إلى نتائج حاسمة، مما أبقى مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير.
وأفادت وكالة "مهر" الحكومية الإيرانية، عن مصدر مطَّلع قريب من فريق التفاوض الإيراني، بأن طهران لم تردّ بعد على النص النهائي المقترح للاتفاق المؤقت.
وقال المصدر إن النص لا يزال قيد النقاش والمراجعة في طهران، مضيفاً أن تاريخ ما وصفه بنكث الولايات المتحدة تعهداتها وانعدام الثقة المتراكم دفعا طهران إلى التعامل مع النص المقترح بتشدد وحذر شديدين.
وأضاف المصدر أن إيران تسعى إلى ضمان "مكاسب فعلية" من أي تفاهم محتمل، لا الاكتفاء بتعهدات عامة. وقال إن "الولايات المتحدة قلقة من الحرب، أما نحن فقلقون من الاتفاق"، موضحاً أن واشنطن أنفقت كثيراً على الحرب من دون أن تحقق نجاحاً، في حين واجهت إيران في السابق ما تعده إخلالاً من الطرف المقابل بالتزاماته.
وتابع أن موقف طهران يقوم على مبدأ "قابلية العودة" وعلى خطوات تنفيذية ملموسة يمكن التحقق منها قبل المضي في أي تفاهم.
وقائع مختلفة
على نقيض ذلك، أفادت وكالة فارس، التابعة للحرس الثوري، عن مصدر مطلع قوله إن تبادل الرسائل بين الجانبين، متوقف منذ عدة أيام على الأقل.
وقالت الوكالة إن بعض وسائل الإعلام والمسؤولين الغربيين يحاولون إظهار مسار تبادل الرسائل وكأنه يجري بصورة طبيعية، لكن المعلومات التي حصلت عليها تشير إلى "وقائع مختلفة".
وقالت فارس إن ذلك يأتي رغم إعلان ترامب، أن المحادثات مع إيران تجري بوتيرة سريعة، فإن آخر رسالة إيرانية إلى واشنطن كانت رسالة واضحة بشأن لبنان.
****************************
تونس.. اتحاد الشغل يدعو للإضراب 3 أيام مطالبةً بزيادة الأجور
تونس ـ وكالات
دعا الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى إضراب في قطاع البنوك لثلاثة أيام في حزيران الجاري، من أجل المطالبة بإقرار زيادة الأجور.
جاء ذلك خلال ندوة صحفية عقدها سامي الصالحي سكرتير الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين، التابعة للاتحاد العام، بالعاصمة تونس.
ودعا الصالحي إلى إضراب عام في قطاع البنوك والتأمين في 23 و24 و25 حزيران الجاري، وذلك للمطالبة بإقرار الزيادة في الأجور.
وأضاف أن الجامعة أرسلت عشرات المراسلات لرئيس المجلس البنكي والمالي (هيئة تجمع رؤساء بنوك تونس) ناجي الغندوري، ولكن لم يتم الرد عليها لا بالإيجاب ولا بالسلب".
ولفت إلى أن "قطاع البنوك والتأمين هو القطاع الوحيد الذي لم يتحصل على زيادات العام 2025".
الصالحي وصف ذلك بأنه "ظلم لن نسكت عنه، ولم نسكت على حقوق الموظفين، ونفاوض كلما أمكن، ونناضل كلما استوجب الأمر".
ونهاية تشرين الأول الماضي، أقر مجلس نواب الشعب (البرلمان) زيادة في الأجور والمرتبات في القطاعين العام والخاص ومعاشات المتقاعدين، وذلك ضمن المادة 15 من مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2026.
وبموجب هذه المادة، يتم تحديد مقدار الزيادات في الأجور والمعاشات بأوامر تنفيذية تصدر لاحقا.
*************************************
سياسات التقشف توسع دائرة الفقر في ألمانيا
رشيد غويلب
تملك ألمانيا، وفقا للناتج الإجمالي المحلي، الاقتصاد الأول في أوروبا والثالث عالميا ، هذا ما أكده أيضا "تقرير الثروة العالمية 2026" الصادر في 27 أيار الفائت، الذي أكد زيادة في فاحشي الثراء بلغت 1100 (يمتلكون أكثر من 100 مليون) خلال عام واحد. لكن النظام الاقتصادي في البلاد يعاني من أزمة، لأن وجود 5 آلاف من الأوليغارشية، يتناقض مع تزايد الفقر بوتيرةٍ أسرع.
هذه الحقيقة أكدها التقرير السنوي للفقر الصادر أمس الأول الثلاثاء، عن "اتحاد جمعيات الرعاية الاجتماعية" في ألمانيا، الذي يضم 10 آلاف جمعية كبيرة وصغيرة. يشير التقرير إلى أن بلوغ الفقر في ألمانيا مستويات مقلقة جديدة. ففي عام 2025، ارتفع معدل الفقر بنسبة 0,6 في المائة ليصل إلى 16,1 في المئة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2020. ويعاني 13,3 مليون من السكان، عدم كفاية دخلهم لمشاركة مناسبة في المجتمع.
يُعرَّف المتضررون من الفقر بأنهم الأشخاص الذين يقل دخلهم عن 60 في المائة من متوسط الدخل. وبالنسبة للأفراد الذين يعيشون بمفردهم، بلغ هذا الحد أخيرا 1446 يورو شهريًا. وبالتالي، يعكس هذا الرقم توزيع الثروة. يقول يواكيم روك، المدير التنفيذي للاتحاد: "نشهد مجتمعًا يتسع فيه التباعد الاجتماعي. إن النقاش المستمر حول المزيد من التخفيضات لا يؤدي إلا إلى تأجيج الخوف وانعدام الأمن، وهو ما يصب في مصلحة الشعبويين والمتطرفين".
يُعتبر الحرمان المادي والاجتماعي عمومًا المقياس المطلق للفقر. وهذا يعني أن الناس لا يستطيعون توفير أساسيات الحياة اليومية، كدفع الإيجار في موعده، أو أخذ إجازة لمدة أسبوع مرة في السنة، أو استبدال الأثاث البالي. في عام 2025، كان 10,7 في المئة من سكان ألمانيا يعيشون في حرمان مادي، و5,6 في المئة في حرمان شديد (يبلغ عدد السكان 83,3 مليون نسمة).
وفق التقرير، ما تزال فئتا العزاب (30,3 في المئة) والأسر التي يُعيلها أحد الزوجين (28,9 في المئة) الأكثر تضررًا من الفقر. فالأفراد العزاب عادةً ما يكونون من الشباب أو كبار السن ذوي الدخل المحدود أو المعدوم. ويتأثر الشباب (24,8 في المئة) وكبار السن بشكل غير متناسب، حيث يعيش واحد من كل خمسة أفراد تقريبًا ممن تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق في فقر. وتزداد هذه الفوارق وضوحًا في الفئات العمرية الأكبر سنًا. ويؤدي انخفاض الدخل المكتسب إلى انخفاض المعاشات التقاعدية.
سوق العمل لا يحل المشكلة
من المثير للاهتمام دراسة التركيبة الاجتماعية للفقراء، إذ يكشف التقرير أن الفقر يؤثر على فئات مختلفة من الناس في ظروف حياتية متنوعة. ويؤكد معدّو التقرير أن "التصنيف الأحادي الجانب، على سبيل المثال، اعتبار الفقر مشكلة تخص العاطلين عن العمل، أو الأسر التي يعيلها أحد الوالدين، أو ذوي المستويات التعليمية المتدنية، قاصر ولا يعكس الواقع". وبالتالي، فإن هذا يعني أن السياسات التي تنحصر في سوق العمل فقط لا تصل إلى جميع الفقراء..
بالإضافة إلى ذلك، تشمل إحصاءات المكتب الاتحادي للإحصاء الأشخاص الذين يعيشون في أسرهم الخاصة، ولا تشمل المشردين، أو المقيمين في دور الرعاية، أو السجون، أو المساكن الطلابية، أو أماكن السكن الجماعية.
تزايد الفقراء بين العاملين
تبلغ نسبة الفقر بين العاطلين عن العمل 65.5 في المائة. كما تتأثر فئات أخرى غير عاملة، كالأطفال، والذين في دورات التأهيل المهني ومن هم في إجازة أمومة او أبوة، بنسبة 33,9 في المئة. وتوجد علاقة وثيقة بين مستوى التعليم والفقر.
أما بين العاملين، فنسبة الفقر أقل بكثير. ويشير معدّو التقرير إلى أن "وجود قرابة 1,8 مليون يعيشون في فقر رغم عملهم بدوام كامل يُعدّ مؤشراً مقلقاً". وفي العام الفائت، خلص الاتحاد إلى أن الفقراء يزدادون فقراً، وفي الغالب يعود ذلك إلى عدم تعديل الدخول بشكل كافٍ لمواكبة التضخم.
وأكد رئيس كتلة حزب اليسار الألماني في البرلمان الاتحادي سورين بيلمان الثلاثاء: "لطالما شكّل الفقر تهديداً للعاملين أيضاً". فبالنسبة لعدد متزايد من الناس، لم تعد الأجور كافية لتغطية نفقات المعيشة.
التقشف يفاقم الفقر
لذا، يُعدّ الحد الأدنى للأجور، الذي يطالب به الاتحاد، والذي يتبناه حزب اليسارالالماني منذ بداية التسعينيات، والذي لا يقل حاليا عن 15 يورو في الساعة، الأداة الأولى للحدّ من الفقر. وهناك اليات أخرى مثل إعانات الأسر، والمعاشات التقاعدية، والإسكان، والرعاية طويلة الأجل. ولهذا يشدد التقرير على: "بدلاً من خفض إعانات الرعاية الاجتماعية، يجب استخدام إعادة توزيع الثروة المجتمعية القائمة على الضرائب لتوسيع نطاق الإعانات بطريقة مُوجّهة تهدف إلى القضاء على الفقر".
********************************
الصفحة السابعة
شمول على الورق لا أكثر وسط غياب الرقابة عمال في القطاع الخاص يواجهون {الضمان الوهمي}
بغداد- طريق الشعب
في كل شهر، يُستقطع جزء من راتب أحمد، العامل في إحدى شركات القطاع الخاص في بغداد، تحت بند "الضمان الاجتماعي"، على أمل أن يضمن له ذلك حقه في التقاعد والرعاية الاجتماعية مستقبلا. لكن الصدمة جاءت عندما راجع دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال، ليكتشف أنه غير مسجل أصلا ضمن قاعدة بيانات المشمولين بالضمان.
يقول أحمد العبوسي، وهو أب لثلاثة أطفال، إن الشركة كانت تؤكد للعاملين باستمرار أنها تقوم بإجراءات الضمان بشكل رسمي، مضيفاً "كنا نعتقد أن الاستقطاعات تذهب إلى الضمان فعلا، لكن بعد سنوات من العمل اكتشفت أن اسمي غير موجود، وكأن كل تلك الأموال اختفت".
ولا تبدو قصة أحمد حالة فردية، إذ تتكرر الشكاوى ذاتها بين عدد من العاملين في القطاع الخاص، الذين يؤكدون أن الشركات التي يعملون فيها تستقطع شهريا مبالغ مالية من رواتبهم بحجة شمولهم بالضمان الاجتماعي، بينما هم فعليا خارج منظومة الضمان، ما يحرمهم من أي حقوق تقاعدية أو قانونية مستقبلا.
استقطاعات بلا حقوق
سجاد رضا، هو الآخر عامل في شركة أهلية، يقول لـ "طريق الشعب" إنه اكتشف الأمر بالصدفة بعد تعرضه لإصابة عمل أجبرته على مراجعة الجهات المختصة. ويوضح: "عندما طلبت تأييداً يثبت شمولي بالضمان، أخبروني أن الشركة لم تسجلني أصلا. شعرت وقتها أن سنوات عملي ضاعت بلا أي ضمان".
ويشير إلى أن إدارة الشركة كانت ترفض إعطاء العاملين أي وصولات أو مستندات رسمية تثبت دفع مبالغ الضمان، مكتفية بذكر الاستقطاع ضمن الراتب الشهري. ويضيف: "كنا نخشى الاعتراض خوفا من الطرد، خاصة مع قلة فرص العمل".
أما زهراء وليد، التي تعمل في شركة تسويق أهلية، فتقول إن كثيرا من العاملين لا يعرفون أصلا كيفية التأكد من شمولهم بالضمان الاجتماعي، الأمر الذي تستغله بعض من هذه الشركات. وتوضح لـ "طريق الشعب" أن "هناك موظفون يعتقدون أن مجرد وجود استقطاع في الراتب يعني أنهم مشمولون بالضمان الاجتماعي للعمال، لكن الحقيقة مختلفة تماما".
ضعف الرقابة يفاقم الأزمة
ويرى مختصون في الشأن العمالي أن هذه الحالات تكشف وجود خلل رقابي واضح على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص، خاصة مع تزايد أعداد الشركات التي تعمل بعيدا عن المتابعة الحقيقية.
المحامي والمختص بالشأن العمالي جعفر عبد الله يقول لـ "طريق الشعب" إن بعض الشركات تلجأ إلى استقطاع مبالغ الضمان من العاملين دون تحويلها فعليا إلى الجهات المختصة، مستفيدة من ضعف الرقابة وقلة الوعي القانوني لدى العاملين. ويضيف أن كثيرا من العمال لا يراجعون بياناتهم إلا بعد التعرض لحادث أو عند التفكير بالتقاعد، ليكتشفوا أنهم خارج منظومة الضمان بالكامل. كما يشير إلى أن بعض العاملين يخشون تقديم شكاوى رسمية بسبب التهديد بالفصل أو خسارة وظائفهم، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة واعتماد كثير من العائلات على مصدر دخل واحد.
العمال الحلقة الأضعف
ورغم أن قانون العمل يلزم أصحاب الشركات بشمول العاملين بالضمان الاجتماعي، إلا أن التطبيق على أرض الواقع ما يزال يواجه مشكلات كبيرة، أبرزها غياب التفتيش المستمر، وضعف العقوبات الرادعة بحق الشركات المخالفة.
ويؤكد عاملون أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأموال المستقطعة، بل بالشعور بفقدان الأمان الوظيفي، إذ يدرك العامل بعد سنوات من الخدمة أنه لا يمتلك أي حقوق تقاعدية أو ضمانات صحية تحميه مستقبلا.
ويقول عامل آخر فضل عدم دكر اسمه لـ "طريق الشعب": "نحن لا نطلب امتيازات كبيرة، فقط نريد حقوقنا التي تستقطع من رواتبنا أصلا. العامل في القطاع الخاص يشعر دائما أنه الطرف الأضعف، وأنه يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة".
ومع تزايد الحديث عن إصلاحات اقتصادية وتشجيع الاستثمار، يرى ناشطون أن حماية حقوق العاملين يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن دعم القطاع الخاص نفسه، خصوصا وأن غياب الضمان الحقيقي لا يهدد مستقبل العامل وحده، بل يخلق بيئة عمل غير مستقرة تقوم على الخوف والاستغلال وانعدام الثقة بين العامل وصاحب العمل.
*********************************
في الأعياد والمناسبات عمال النظافة يواصلون العمل وسط أجور عمل متدنية
بغداد – طريق الشعب
بينما تنشغل العائلات بأجواء عيد الأضحى والخروج للترفيه أو القيام بالزيارات العائلية، يواصل عمال النظافة عملهم اليومي في تنظيف الشوارع ورفع النفايات من الأسواق والمنتزهات العامة، في ظروف شاقة تمتد لساعات طويلة، وسط شكاوى من تدني الأجور وغياب المكافآت المالية رغم زيادة ضغط العمل خلال أيام العيد.
فالمدن، كما هو معروف، تشهد خلال العيد، ارتفاعاُ كبيراُ في كميات النفايات نتيجة الزيارات العائلية والتجمعات في المتنزهات والأماكن العامة، ما يضاعف من الجهد الذي تبذله فرق التنظيف التابعة للبلديات، دون أن يحصل اغلب عمالها على أي حوافز إضافية أو مخصصات تتناسب مع طبيعة العمل خلال هذه المناسبة.
العامل أبو علي، وهو أحد عمال النظافة في بغداد، قال لـ "طريق الشعب"، إن "العمل في أيام العيد يكون مرهقا بسبب زيادة النفايات في الشوارع والمتنزهات، حيث نبدأ عملنا منذ ساعات الصباح الأولى ونستمر حتى الليل"، مضيفا أن "الكثير من العمال لا يستطيعون قضاء وقت العيد مع عائلاتهم بسبب ضغط العمل".
وأشار أبو علي إلى أن الأجور التي يتقاضاها عمال النظافة "لا تتناسب مع الجهد المبذول"، لافتا إلى أن "العديد من العمال يعتمدون على أجور يومية أو عقود مؤقتة، من دون مكافآت أو ضمانات كافية".
من جانبه، قال العامل حسين ليث، الذي يعمل في تنظيف أحد المتنزهات العامة، إن "المواطنين يأتون للاحتفال وقضاء أوقات ممتعة، لكن خلف هذه الأجواء هناك عمال يعملون لساعات طويلة للحفاظ على نظافة المكان"، مؤكداً على "وجود حاجة ملحة لتكثيف حملات التوعية لدى المواطنين بالحفاظ على نظافة الاماكن العامة ورمي النفايات في الاماكن المخصصة لها، إضافة إلى أن تأمين أبسط حقوق العامل وهو حقه في الحصول على راتب عادل ومكافآت خلال المناسبات التي تشهد ضغطاً إضافياً".
وأضاف أن بعض العمال يواجهون مخاطر صحية يومية نتيجة التعامل المباشر مع النفايات وارتفاع درجات الحرارة، من دون توفير مستلزمات حماية كافية أو رعاية صحية مناسبة.
وفي وقت يحتفل فيه كثيرون بعيد الأضحى، يواصل عمال النظافة أداء أعمالهم في الشوارع والساحات العامة، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي تواجهها هذه الشريحة العمالية التي ما تزال تنتظر تقديراً حقيقياً يوازي أهمية عملها في المجتمع.
*********************************
قرار تاريخي يعزز حق الإضراب ويدعم نضال الحركة النقابية
متابعة- طريق الشعب
في تطور وصفته الأوساط النقابية العالمية بأنه انتصار مهم للحركة العمالية، أكدت محكمة العدل الدولية في لاهاي على أن حق العمال والنقابات في الإضراب، يعّد حقا مكفولاً بموجب اتفاقية الحرية النقابية الصادرة عن منظمة العمل الدولية عام 1948.
وجاء القرار الاستشاري للمحكمة بأغلبية 10 قضاة مقابل 4، ليضع حدا لسنوات طويلة من الجدل داخل منظمة العمل الدولية بشأن الاعتراف بالإضراب باعتباره حقا أساسيا مرتبطا بحرية التنظيم النقابي والدفاع عن مصالح العاملين.
ورغم أن القرار لا يحمل صفة الإلزام القانوني، إلا أنه يتمتع بثقل قانوني ومعنوي على المستوى الدولي، ومن المؤمل أن يشكل سنداً مهماً للنقابات والحركات العمالية في مواجهة التشريعات والسياسات التي تحاول تقييد حق الإضراب أو التضييق على الحريات النقابية.
وأكدت اتحادات ونقابات عمالية دولية أن القرار يمثل خطوة متقدمة في مسار الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الشغيلة، باعتبار الإضراب وسيلة مشروعة يلجأ إليها العمال للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل وحماية المكتسبات النقابية.
ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يمنح دفعة جديدة لنضالات النقابات في مختلف البلدان، خصوصا في الدول التي تواجه فيها الحركة العمالية ضغوطا متزايدة ومحاولات للحد من حقوق التنظيم والاحتجاج السلمي.
*********************************
الأكاديمي العامل.. شهادة متأرجحة بين البطالة والاستغلال
حوراء فاروق
لم تعد أزمة البطالة في العراق مجرد أرقام تتكرر في التقارير الاقتصادية، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه آلاف العاملين من حملة الشهادات العليا والخريجين، الذين وجدوا أنفسهم بعد سنوات الدراسة الطويلة في مواجهة سوق عمل قاس، لا يعترف بتعبهم ولا بمؤهلاتهم العلمية. فالكثير من هؤلاء لم يبقوا عاطلين عن العمل فقط، بل اضطروا إلى الانخراط في أعمال خارج تخصصاتهم وبأجور متدنية وظروف تفتقر إلى أبسط الحقوق، حتى ظهر اليوم مصطلح "العامل الخريج"، أي الشاب الذي يحمل شهادة جامعية لكنه يعمل تحت ضغوط اقتصادية واستغلال بمستوى ما تعانيه الشغيلة.
احتجاجات العاملين الخريجين صوت يبحث عن العدالة
في الآونة الأخيرة، تصاعدت احتجاجات العاملين من الخريجين وحملة الشهادات العليا في بغداد والمحافظات، بعد أن ضاقت بهم السبل أمام غياب فرص الحصول على عمل وتراجع قدرة الدولة على استيعابهم. هؤلاء الذين دخلوا الجامعات بأحلام بناء مستقبل مستقر، وجدوا أنفسهم يعملون في شركات أهلية ومؤسسات خاصة برواتب بالكاد تكفي لمتطلبات الحياة اليومية، فيما يواجه كثير منهم الاستغلال وساعات العمل الطويلة وغياب الضمانات الاجتماعية.
القطاع الخاص واستغلال الحاجة إلى العمل
ويعيش العامل الخريج في العراق أزمة مزدوجة، فهو من جهة يحمل عبء البطالة المقنعة، ومن جهة أخرى يتحمل ضغوط سوق العمل الخاص، الذي بات يستثمر حاجة الشباب للعمل لفرض شروط قاسية عليهم، إذ تلجاً بعض الشركات إلى تشغيل الخريجين بعقود مؤقتة أو بدون عقود رسمية، ما يحرمهم من الضمان الاجتماعي أو الإجازات أو حتى الاستقرار الوظيفي. والأخطر من ذلك أن العامل الخريج غالبا ما يُجبر على القبول بهذه الظروف خوفا من العودة إلى دائرة البطالة.
ماركس العامل الخريج
وإذا كانت حاجة الإنسان إلى العمل أداة ضغط بيد البرجوازية، مالكة وسائل الإنتاج، لفرض شروطها على الشغيلة واستغلالها بأبشع الصور لمضاعفة أرباحها، كما قال ماركس في تحليله لعلاقة العمل برأس المال، فإن وجود أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل، أو ما أسماه ماركس (جيش الاحتياط من العاطلين)، يُضعف قدرة العاملين على المطالبة بحقوقهم، ويقدم خدمة كبيرة للمستغِلين كي يفرضوا على العمال القبول بأجور منخفضة وظروف عمل قاسية وبغياب مستلزمات الضمان الاجتماعي. ويبدو هذا الأمر منسجماً تماماً مع واقع الخريجين العاطلين، حيث يجبر اتساع دائرة البطالة وغياب البدائل العامل الخريج على القبول بأجور منخفضة وظروف عمل غير مستقرة، وإلى اليأس من أن تكون الشهادة الجامعية طريقه للحصول على فرصة عمل، تضمن له حياة كريمة أو مكانة اجتماعية مستقرة.
اقتصاد ريعي وفرص عمل هشة
وبسبب السياسات النيوليبرالية لمنظومة المحاصصة والفساد، ساد في البلاد الاقتصاد الريعي وتقلصت باقي القطاعات الإنتاجية إلى درجة خطيرة، وباتت تخلو من فرص عمل تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين. فالصناعة المحلية شبه معطلة، والزراعة تعاني من التراجع، فيما يظل القطاع الخاص محدوداً ومتركزاً في أنشطة تجارية وخدمية لا توفر فرص عمل مستقرة أو عادلة.
الفساد والمحاصصة تعميق لأزمة الخريجين
ولا يمكن إغفال تأثير الفساد والزبائنية السياسية في تعميق هذه الأزمة، إذ يشعر كثير من الخريجين بأن فرص العمل والتعيين لا تعتمد دائما على الكفاءة والخبرة، بل على العلاقات والانتماءات. هذا الشعور بالظلم دفع الكثير من العاملين الخريجين إلى النزول للشارع والاحتجاج، ليس فقط للمطالبة بالتعيين، بل دفاعا عن حقهم في الاعتراف بإنسانيتهم وحقهم بالعيش الكريم.
حماية العامل الخريج مسؤولية اجتماعية
إن قضية العامل الخريج ليست قضية فردية أو مؤقتة، بل تمثل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الاقتصاد والسياسات الاجتماعية في البلاد. فالدولة التي تنفق سنوات على تعليم الشباب لا يمكن أن تتركهم بعد التخرج في مواجهة البطالة أو الاستغلال. كما أن حماية العامل الخريج تتطلب قوانين أكثر صرامة لضمان حقوق العاملين في القطاع الخاص، وتفعيل أنظمة الضمان الاجتماعي، ومنع استغلال حاجة الشباب للعمل.
إن بناء مجتمع عادل لا يتحقق فقط عبر توفير الوظائف، بل عبر حماية قيمة العمل نفسه واحترام الإنسان المنتج، مهما كانت طبيعة عمله. فالعامل الخريج اليوم لا يطالب بامتيازات استثنائية، بل يطالب بحقه الطبيعي في أن يعيش بكرامة، وأن تتحول شهادته العلمية من عبء نفسي واقتصادي إلى أداة لبناء مستقبله وخدمة مجتمعه.
***********************************
لحظة عمالية.. النقابات وصوت العمال
نورس حسن
وسط الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع نسب البطالة، وتراجع فرص العمل المستقرة، تقف الاتحادات والنقابات العمالية في العراق أمام تحديات معقدة تكاد تفقدها قدرتها على الدفاع عن حقوق الفئات الكادحة. فالعامل اليوم لا يواجه فقط صعوبة تأمين لقمة العيش، بل يعيش تحت ضغوط متواصلة، تبدأ من ساعات العمل الطويلة والأجور المتدنية، ولا تنتهي عند الطرد التعسفي وغياب الضمانات القانونية.
ورغم أن النقابات والاتحادات العمالية شُكلت أساساُ لحماية حقوق العاملين والدفاع عن مصالحهم، إلا أن الواقع يكشف حجم العراقيل التي تواجهها هذه المؤسسات، سواء ما يتعلق منها بضعف التشريعات التي تنظم العمل النقابي، أو بمحدودية قدرتها على الضغط والتأثير في القرارات الحكومية وأصحاب العمل. كما أن كثيرا من العاملين يخشون الانضمام إلى النقابات خشية فقدان وظائفهم أو تعرضهم للمضايقات الإدارية، الأمر الذي أضعف الحراك المطلبي وجعل أصوات العمال أقل حضورا في المشهد العام.
وتبدو المعاناة في القطاع الخاص أكثر وضوحاً، إذ يعمل آلاف الأشخاص لساعات طويلة مقابل أجور بالكاد تكفي الاحتياجات الأساسية، في ظل غياب الرقابة الفعلية على تطبيق قانون العمل. أما الطرد التعسفي، فأصبح هاجساً دائماً يهدد كل من يحاول المطالبة بحقوقه أو الاعتراض على ظروف العمل القاسية. وبذلك يتحول العامل إلى طرف ضعيف يخشى حتى من رفع صوته، كي لا يجازف بفقدان مصدر رزقه الوحيد.
ولم تعد هذه الأزمة مقتصرة على القطاع الخاص، بل امتدت إلى القطاع الحكومي أيضا، وتحديدا إلى عمال العقود والأجراء اليوميين في الدوائر الحكومية، الذين يعيش كثير منهم أوضاعا معيشية صعبة رغم ارتباطهم بمؤسسات الدولة. فبعض هؤلاء يتقاضون أجورا تقل عن الحد الأدنى المحدد قانونيا، والبالغ 350 ألف دينار، في مفارقة تكشف حجم الخلل في سياسات التشغيل والحماية الاجتماعية.
إن استمرار هذا الواقع لا يعني فقط تراجع حقوق الطبقة العاملة، بل ينذر بتوسيع الفجوة الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والإحباط. لذلك بات من الضروري إعادة الاعتبار للعمل النقابي، وتفعيل القوانين التي تحمي العاملين، وضمان أجور عادلة وبيئة عمل إنسانية تحفظ كرامة المواطن، بدل أن يبقى العامل الحلقة الأضعف في معادلة الاقتصاد والأزمات.
*****************************
الصفحة الثامنة
جلسة استذكار الشاعر مظفر النواب
الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر الكبير مظفر النواب، تحولت عصر 21 أيار الماضي الى مناسبة لاستذكاره، في جلسة احتضنتها قاعة نادي المهندسين في الكرادة ببغداد، بدعوة من الجمعية العراقية لدعم الثقافة. وبحضور جمهور حاشد من المثقفين ومحبي الشعر والادب، تعاقب على المنصة التي ادارها الشاعر حسين المخزومي، كل من الشعراء رياض النعماني وعمر السراي وريسان الخزعلي، واختُتم الكلام بمداخلة بالفيديو للسيدة ميسون الدملوجي، الموجودة حينها في الخارج.
اعقبت ذلك عودةٌ الى شعر الراحل الباقي موسيقيا – غنائيا عبر بعض اشعاره المغناة والمعروفة والمحبوبة على نطاق واسع: "روحي" ، و"صويحب"، تلتها اغنية مكرسة للفقيد كتب كلماتها الشاعر رياض النعماني. وقد غناها جميعا الفنان كريم الرسام، رئيس جمعية الموسيقيين العراقيين، بمصاحبة فرقته التابعة للجمعية.
على هذه الصفحة ننشر نصوص الكلمات الأربع التي تعاقب أصحابها على تقديمها في الجلسة.
******************************
مظفر النوّاب.. القصيدة بصوت الأنثى
ريسان الخزعلي
لا يكفي الحديث – رغم الأهميّة – عن مظفر النواب، عن: نشأته، تكوينه، فكرَه، انتمائه السياسي، سجنه، منفاه وغربته. كلُّ هذا كان َ وأصبحَ معروفاً من قبل ومن بعد. المهم ّ أيضاَ أن نتحدث َ عنه إبداعيّاً، فنيّاً، ين َ يكمن تجديده، تحديثه، وأنا هنا أقصد الشعر الشعبي تحديداً. وضمن هذا الاهتمام، سأتحدّث عن القصيدة بصوت الأنثى، وليس المرأة في شعر النوّاب، فالفرق واضح بين الإثنين. والموضوع، فقرة من كتابي: بستان الرازقي–مظفر النوّاب الأسرار القصيّة في الشعر الشعبي العراقي الحديث، الصادر بطبعتين : 2015 و 2022 . ولكي أصل إلى هذا الموضوع، أحتاج بعض المقدمات البسيطة :
* .. في كتابه/ من ألواح سومر/يقول/ صاموئيل نوح كَريمر/ تعود كتابة الشاعر لشعره بصوت الأنثى إلى العصور القديمة، ومنها العصر السومري، ففي الأدب السومري أغنيّة حُبّ تُعتبر من أقدم أغاني الحُبّ في التراث الإنساني، وهي َ ليست بقصيدة حُبّ دنيويّة ، إنّما تتلوها الزوجة الملكيّة المنذورة في المناسبة الدينية التي تُعرَف باسم ِ الزواج المُقدّس .. تقول الزوجة في إغنيها :
لقد أسْرت َ قلبي فدعني أقف بحضرتك َ
وأنا خائفة مرتعشة .
أيّها العريس ، دعني أُدللك ،
فإنَّ تدليلي أطعم وأشهى من الشهد
وفي حجرة النوم الملأى بالشهد ،
دعنا نستمتع بجمالك الفاتن
أيّها الأسد دعني أُدللك ، موضعك جميل حلو كالشهد
فَضع ْ يدك َ عليه ، قرّب يدك َ عليه كرداء الجشبان.
وتُرجّح كذلك الدراسات السومرية، أن الأغنية/ لشعر قد كتبها شاعر سومري على لسان أنثى، كما توجد في ملحمة كَلكَامش بعضُ نصوص شعرية جاءت على لسان أنثى .
*.. في شعرنا العربي الحديث، يندر أن تكون هنالك قصائد قد كتبها شاعر على لسان أنثى ، باستثناء المسرحيات الشعرية وحوارياتها كما تقتضي الضرورة الفنية .
* .. في الشعر الشعبي العراقي ، وهنا أقصد الأشكال الأولى منه، كان الشعر على لسان الأنثى يظهر في نعي النساء الجنوبيات، وكذلك في شعر القصائد الحسينيّة التي تكون على لسان امرأة هاشمية، ممن شهدنَ واقعة الطَف. في كربلاء المقدّسة ، ولكن هذا الشعر بقى ظاهرة صوتيّة محدودة ومقتصرة على المناسبة ، ولم يُشكّل ظاهرة شعرية .
* .. في الشعر الشعبي العراقي الحديث ، يكون/النوّاب/ أوّل َ مَن كتب َ الشعر َ على لسان أنثى ، وله في ذلك قصائد عدّة تجديديّة وتحديثيّة. وقد أوجد ملمحاً فنيّاً/ صوتيّاً واضحاً في بعض قصائد المجموعة /للريل وحمد/والقصائد اللاحقة أو الموازية لها تاريخياً.
إن َّ كتابة القصيدة على لسان الأنثى قد يخضع لطروحات علم نفس الإبداع وانشغالات اللاوعي وحفرياته ، وأُضيف :
1- النوّاب كان يسكن ُ بيتاً واسعاً في بغداد، يمر به ِ الزائرون والزائرات خلال مواسم زيارة العتبات المقدّسة، وبنباهة ِالمُبكّرة كان يسمع نعي النساء وبإنصات عميق، ترسّب ما ترسّب َمنه ُ في وعيه ِ ولاوعيه.
2 - تجارب الحٌبّ التي لا تؤدي إلى الزواج ، ربّما كان التعبير عنها بصوته ِ قد أصبح َ صدى ً بعيداً وأراد أن يُحقق (رجعاً بعيداً) من خلال صوت الأنثى كضدٍّ نوعي، مُتحسّر ٍ عليه، وبالوقت ذاته كان يتمنّى أن يكون عمق ُ عشقه ِ وحُبّه ِ ظاهراً بمثل هذه اللوعة في روح وذات المعشوقة / الحبيبة ، مُعبّرة ً عنه بصوتها.
3 تجربة اللقاء مع المرأة في القطار النازل إلى البصرة، وما تركته تلك التجربة من أثر في أعماقه، والتي كتب َ عنها قصيدة / للريل وحمد/ ..، وكانت معظم مقاطعها على لسان تلك المرأة، وهي َ أوّل قصيدة تجديديّة له، وإثر نجاح القصيدة غير المسبوق، علقت في مكنوناته الداخلية هذه التقنية.
* إن َّ قصائد النوّاب المكتوبة على لسان أنثى، إضافة نوعيّة في تحوّلات الشعر الشعبي العراقي باتجاه التجديد والتحديث، وفيها أبدع جماليات غير مألوفة.
هاي آنه اللحظنك لا تلم روحك
أضمّك بالكَصايب عين لتلوحك
يصويحب أفيي الفيّة لجروحك .
*
ودّن عالمكاحل يا مضايف هيل
غطّنَه ابكحل دخلَه ومحبة ليل .
*
الله ، العيبي او لعب اعيونك
ضمّينَه الحنّه انتانيكم
هاي الكَذلَه اتموت ابحسنَك
والروح اخضيرَه ابطاريكم .
*
واَفل الحسره بشليلك
واَشوّفك أزغر اسراري
واَفك الشبكَه من ابعيد أغله اشراع
اَشبكَك شبكَة النسمات للنعناع
ليش الروح يامدلول يمّك تنشَرَه او تنباع؟ .
*
أشهكَ لوّن احضنت خصري ابذبح منجلَك
وايدور حَز ّ العشكَ داير مداري فَلَك
ما بين نِهْدَي .. درب قدّاح يسمَ الك
وامّيتك لذّتي او فوكَ التبرزل طعم.
*
واجوتلَك مَخدتي وانطر الشباج ، يجيبك
ياهلبت تجي او ترتاح
أكَعدلَك على افراش العرس
طركَ المسج والنوم .
*
طير ابو الكعكولَه
وامحجّل حجل حُبّي علامه
حطّت اطيور المحلّه
اوهوّه يكَلب من غرامَه ؟
..............................
الإيحاءات الجنسية في هذه الشطرات الشعريّة، أوضح من أن يُشار َ إليها.
وكخلاصة ٍ : سواء ً كانت القصيدة على لسان رجل أو امرأة، فإن/ النوّاب/ هوَ
قائلُها، وهو الصوت الأوّل فيها.
********************************
رياض النعماني: مظفر شاعر من نوع نادر ولا يتكرر كثيراً
الحديث عن مظفر النواب يدخلنا في أحيان كثيرة في نوع من المآزق الصعبة، لأن مظفر ليس شاعراً مثل بقية الشعراء. أعني ان الشعر قبل مظفر كان شيئاً، وبعد مظفر صار شيئاً آخر. مظفر جاء منذوراً لقضية، هي في الجوهر رسالة الشعر الى العالم، أي الى الكون؛ رسالة تغيير للمجتمع والواقع، ومحاولة اختراق وكشف المستقبل.
لذلك كان الشعراء فضاء للمعرفة التي تحرك المجتمعات والتاريخ والفكر، ومن هنا كانت مشكلة الشعراء الدائمة مع السلطات، سواء الدينية أو السياسية. حتى في بدايات التاريخ، كان للشعراء موقف معروف من مجريات الحياة ومن السلطة. كانوا يزوبعون ظاهرات الواقع، حتى ان النبي محمد قال عن امرئ القيس انه حامل لواء النار الى جهنم.
ان دور الشعراء في التاريخ دور دقيق وحيوي وخطير أيضاً، لأنهم كفنانين يحاولون دفع الإنسان والمجتمع وحركة التاريخ نحو المستقبل. مظفر، بتكوينه وتركيبه وشخصيته الشعرية، فيه شيء من غموض التكوين الأول للكينونة والحياة. كما يعرف الجميع، هو بغدادي، لكن هذا لا يفسر فرادة موهبته الشعرية. مظفر بدأ من ذروة عالية جداً في الكتابة هي قصيدة "للريل وحمد ، التي تنطوي على أسرار ودقائق فنية تحتاج إلى وقت طويل لتفكيكها.
ومنذ بداياته، كان يحمل تطلعا جماليا وفكريا في آن واحد؛ فالغزل عنده ليس غزلاً حسياً فقط، بل يحمل فكراً وحركة داخلية. فهو يشتغل على تحويل الأشياء إلى وحدات بصرية وحركية، حتى تكاد اللغة تتحول إلى نظام رمزي معقد، قائم على الدوران والصورة.
الشعر الجديد، سواء العامي أو الفصيح، لم يكن له سابقاً هذا المستوى من الاشتغال اللغوي. وهذا ما يجعل التجربة محيّرة. وأنا أعتقد - وهذا رأيي الشخصي الذي لا أستطيع البرهنة عليه مختبريا - أن للشعر حقائقه الخاصة، وهي ليست علمية بالمعنى التجريبي، بل هي أقرب إلى “علوم القلب” كما عند المتصوفة.
فالفن عموماً له حقائقه ومعارفه الخاصة. هناك من تحدث من السرياليين ورامبو، وكذلك الديانات السرية القديمة، والبوذية تحديداً، من تحدث عن ان الإنسان المنذور للكليات واللامتناهي والديمومي يتجه إلى الداخل أكثر مما يتجه الخارج. ففي هذا المعنى، تتحول الابتسامة إلى اشراق يذهب نحو الأعماق كما في لوحة“موناليزا”، وكذلك تماثيل بوذا. وهذا الدخول إلى الداخل يقود إلى ما يمكن تسميته باللاوعي الكوني، وهو مفهوم يتجاوز اللاوعي الفردي عند فرويد، ليصبح أكثر شمولاً كما عند سوزوكي واوشو وغيرهم.
عند هذه النقطة، يصبح الشاعر وسيطاً بين المطلق والأرض، فيتحول الشعر إلى إشارات ورسائل، لا مجرد كتابة؛ ولهذا، أرى أن مظفر كان كأنه يستلم كلاماً من سماء المتعالي ويدونه، فيبدو كأنه ناقل لتجربة تتجاوز الوعي العادي. ولا توجد نظرية نقدية - سواء عند روزنتال أو رايش أو ريتشاردز أو غيرهم- قادرة على تفسير لحظة الكتابة هذه عند مظفر النواب.
إن مظفر لم يكن يكتب شعراً تقليدياً، بل خلق نظاماً لغوياً خاصاً به. والشاعر العظيم هو الذي تتعدد تجاربه وتتنوع كتاباته، ومظفر تنقل بين نصوص عامية وفصيحة وتجارب مختلفة، كلها تحمل بصمته الخاصة. وفي كثير من قصائده، نرى تحولات هائلة في اللغة والمعنى، حيث ينتقل من الغزل إلى الموت إلى الاحتفاء بالحياة في لحظة واحدة. ولهذا أقول: مظفر ليس شاعراً عادياً، بل تجربة استثنائية. فهو، كما يقال في الفلسفة الصوفية، كائن يتصل بالمطلق مباشرة دون الحاجة الى وسيط، فينقل ما لا يمكن نقله او قوله بلغة عادية. ومهما قيل عن فكره السياسي أو انتمائه، فإن تجربته الشعرية تتجاوز التصنيفات الجاهزة.
مظفر في النهاية شاعر من نوع نادر، يجمع بين الأرض والسماء، بين الألم والجمال، وبين الصراخ والصفاء، بطريقة لا تتكرر كثيراً في التجربة الشعرية العربية.
********************************
عمر السراي: مظفر النواب شاعراً وموقفاً
الحديث عن مظفر النواب قد يكون حديثاً مكرراً دائماً، فالموقف الذي لا ينفك عن كينونة الشاعر هو الهدف الأول.
وأقولها دائماً: من السهل أن تكون شاعراً في العراق حصراً، فكل من في العراق شعراء؛ أهلنا، أمهاتنا، خالاتنا، أبناؤنا، حتى النخلة في العراق شاعرة.
لكن أن تكون شاعراً وموقفاً، فهذا يعني أنك مظفر النواب حصراً، ولي على هذا الشيء أدلة.
فكثير من الشعراء لم يعطوا صوتهم لطاغية أو لسلطة، لكن مظفر هو استثناء آخر. فهو لم يعدّ الشعر غاية يصل إليها، بل عدّه وسيلة لتحقيق الوطن الحلم؛ الوطن المفقود، الوطن المشرد منه، الوطن الذي أراد أن يبنيه بوصفه وطنياً في الدرجة الأولى، ويؤدي هذه الوطنية بالقصيدة، بالرسم، بالغناء، بالكفاح المسلح، وبالكفاح المكتوب.
وبذلك نحن نتعامل مع شاعر من طراز خاص، مع نسيج يختلف عن غيره، مع شاعر يطير بجناحين من شعر فصيح وشعر شعبي.
وقد تحدّث الأستاذ رياض النعماني، وهو خير من يتحدث عن مظفر النواب في منطقة القصيدة الشعبية، وكذلك سيتحدث الأستاذ ريسان الخزعلي، وهو الذي يُجيد نقد الشعر بشعبيه وبفصيحه.
لكنني سأختصر الحديث عن مظفر النواب شعبياً بأنه “سيّاب القصيدة الشعبية”، وهذا ما يعني أن القصيدة قبله كانت على شكل، وأصبحت بعده على شكل آخر.
وكما نقول إن المهلهل “هلهل” القصيدة وقصّدها، فإن مظفر صنع القصيدة العامية العراقية والعربية بقدرته الهائلة على ابتكار لغة جديدة ومعجم جديد.
أما عن مظفر النواب في منطقة الشعر الفصيح، فهو شاعر صحفي ووثائقي بمعنى أنه لا يكتب القصيدة هكذا، بل يجمع مصادرها ويلتقي بشخوصها. فالقصيدة لديه ليست تهويمات فارغة، بل تمسك الأرض لتمسّ السماء. وقد ذكر في كثير من قصائده ولقاءاته كواليس كتابتها، وكيف وصل بها إلى هذه المرحلة.
مظفر النواب هو دراما كبيرة، وليس من السهل أن تعيش ما عاشه من سجن وكفاح واعتقال وتكوين أسري وتدريس وتنقّل بين البلدان، وصولاً إلى البلد الذي فاضت روحه فيه، وأرضه التي غفا فيها. لذلك نلاحظ أن حلم العودة إلى العراق بقي حاضراً في قلبه ووجدانه.
يقول مظفر في إحدى قصائده:
“أما آن أن يهدأ العمر في حفرة في العراق…”
هذه القصيدة نلمح فيها التأثر بينها وبين قصيدة أخرى له، يختمها بقوله: “يجي يوم الناس تنزل بالسماوة، وأنا أنزل بالوطن كله واضيع”.
وهذا هو مظفر النواب في واحدة من قصائده:
“القدس عروس عروبتكم..."
هذا مظفر بجرأته، الذي قال: “اعذروني لكن جدوا لي موقفاً أسوأ من الذي نحن فيه”.
لقد ثبت مظفر على موقفه، وبقي شاعراً يروي السيرة في داخل شعره، فكثيرا ما أشار إلى الخيانة والمواقف المتبدلة، وإلى من تساقطوا قبل البراءة وبعدها، ويثبت هو على موقفه، مستحلياً الغربة ليبقى مظفراً.
لا نستغرب مواقفه، لكن من الصعب أن نفصل بين مظفر الشاعر ومظفر الثائر، فالخلط بينهما هو جوهر التجربة الشعرية عنده، لأن الشعر ليس زخرفاً لغوياً ولا رمزية للهروب من الواقع، بل هو موقف ووجود.
مظفر النواب شاعر أممي كتب عن العواصم العربية كلها، وهو عربي الهوى والانتماء والإبداع. وقد قرأت له قصائد عن كردستان أيضا وجدت فيها قيمة جمالية عالية.
وأقول في الختام: مظفر النواب وهب لنا نفسه ثلاث مرات؛ الأولى حين علّمنا الشعر، والثانية حين فتح لنا أبواب الشعر العامي، والثالثة حين علّمنا أن الشعر ليس منصة بل موقف، وأنه بندقية ضد الطغاة، وكلمة حق في وجه السلطان الجائر.
***************************
ميسون الدملوجي: السلطة لم ترحم من يتداول قصائد مظفر النواب
أتقدم بالشكر والامتنان للجمعية العراقية لدعم الثقافة وجمعية المهندسين العراقية لإقامة هذه الندوة الاستذكارية
صعب علي الحديث عن (أبو عادل)، فالسنوات التي عرفته بها مرت مسرعة مثل نسمة منعشة، وتركت خلفها أجمل ذكريات وأكثرها معنى. كتب كثيرون عن الشاعر مظفر النواب، وعن الإنسان النبيل أبو عادل، ولكلٍ زاوية من شخصيته تحدث عنها، واذا جمعت الزوايا تتشكل صورة كاملة قد يستفيد من جمعها باحثون يوماً. وأنا أزعم انني كنت من بين الأقرب اليه لعقدين من الزمن، منذ التسعينيات حتى مرضه الأخير.
ومثل أغلب العراقيين عرفت شعره بسن مبكرة، وحفظت منه الكثير. وتورطت أيام المدرسة بتلاوة شيء من شعره أمام زميلاتي، فاتهمتني المديرة بالشيوعية.
كانت أشعار مظفر تصلنا مخبأة في المعاطف، فالسلطة لا ترحم من يتداولها، وعلى الأغلب كانت مسجلة بصوته على شريط. وبالرغم من الحذر، كانت واسعة الانتشار ويكاد لا يخلو بيت منها، بما يشبه أجواء كاسيتات انتشرت في إيران قبل الثورة عام 1979، وألهبت شارعها وكانت سبباً في تحويل مسار التاريخ.
كتبت اليه يوماً رسالة لا تخلو من دعابة بريئة، وأرسلتها مع زميلي في الغربة د. عبدالحسين الهنداوي الذي كان في طريقه الى الشام. وكانت تلك الرسالة بداية صداقة عميقة وجميلة امتدت عدة عقود، وكنا نلتقي في لندن والشام وبيروت وعمان وشيكاغو وبرلين وأبو ظبي ودبي، وأخيراً في بغداد، وكنت خلالها أمينة على ماله وأوراقه وأعماله الفنية، وعلى شيئ من أسراره.
زار أبو عادل لندن في صيف عام 1995 وبدعوة من النادي العربي، وأقام مع سعدي الحديثي أمسية شعر وغناء على قاعة جمعية الجغرافيين الملكية التي اكتظت بالحاضرين. وتفاعل الجمهور تصفيقاً ودموعاً مع قصائد النواب، ولاسيما الشعبية، وبعدها مع غناء سعدي الحديثي وبمشاركة النواب، وكانت من أجمل أماسي العمر. قدمه الشاعر بلند الحيدري، والذي تلا قصيدة "أصحيح يا مظفر.. ان غصناً طمرته الريح في الصحراء.. رغم الريح والصحراء أخضر؟"، وهي قصيدة كتبها الحيدري للنواب بعد عام 1963، وكان في بيروت، والنواب في سجن نقرة السلمان في صحراء السماوة.
وبعد تلك الأمسية بأيام قليلة سرق أحد النشالين في منطقة بيكاديللي حقيبة يد صغيرة كان يحملها النواب وفيها كل ماله وجواز سفره الليبي وبطاقة سفر العودة، وصوراً لأمه، ودفتر تليفوناته وأوراقه. وأخبرني ضاحكاً ذلك المساء بما حدث، وكأن الأمر لا يعنيه، وقال انه حزين على صور والدته فحسب. وكان النواب متصالحاً مع الفقدان، فسبق أن فقد أوراقه ولوحاته في بيروت أيام الحرب الأهلية، وفي ليبيا، حينما سرق بيته ومعه كل لوحاته، والكثير من اثاره في تنقلاته الكثيرة. وكانت خسارته الأكبر هي رحيل أمه، وكان شديد التعلق بها. ومما زاد حزنه انه سمع خبر موتها وكان وحيداً وغريباً في أحد مطارات العالم.
أثارت السرقة موجة كبيرة من التعاطف بين العراقيين، وأراد بعضهم تعويض المبلغ الذي فقده، الا انه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فكان كبرياؤه وعفة نفسه أكبر من أي مال. اصطحبني معه يوماً الى لقاء مع أحد الأمراء العرب في مقهى في أحد الفنادق، وكان الأمير محباً لشعر النواب، وبعد تبادل الحديث قدم له ظرفاً مليئاً بالنقود، واذا بمظفر يصيح به: إياك! ضع الظرف في جيبك ودعنا أصدقاء. ورفض أبو عادل لقاء ذلك الأمير بعدها.
زار أبو عادل لندن كثيراً في عقد التسعينيات، وكان منفتحاً على الفنون الغربية، ويحرص على الذهاب الى المعارض التشكيلية والمتاحف ودور السينما، وأتذكر خروجه مسرعاً من فلم تايتانك لأنه لم يحتمل منظر غرق السفينة ومن عليها. وكان معجباً بصوت المغنية الويلزية شيرلي باسي[1]، واحجز بطاقتين كلما أقامت حفلة في إحدى قاعات لندن الموسيقية الكبرى، فتنهال دموعه طرباً لصوتها. واصطحبته مرة الى مسرحية )اندر ملك وود( في المسرح الوطني البريطاني، والمبنية على قصيدة طويلة للشاعر الويلزي ديلان توماس[2]، أخبرني بعدها انه تأثر كثيراً بالأصوات والشخوص. ولم تقلل ذائقته للفنون الغربية من حبه لأم كلثوم، وكان ينبهني الى قدرتها في التنقل بين المقامات وذكائها في اختيار الكلمات، ومنها المفارقة في عبارة: لقيت روحي في عز جفاك بفكر فيك وأنا ناسي. وكان يحمل كاسيت أغاني داخل حسن في جيبه، ويدسه في مسجل سيارتي كلما صعد الى جانبي.
ومن الأماسي التي لا تنسى كانت دعوة في بيت الفقيد أحمد الحجية وزوجته السيدة نيران السامرائي في مساء صيفي، وجلسنا في حديقتهم الجميلة محاطين بأشجار الياسمين وعبق ورودها الزكي. كانت الدعوة على شرف أبو عادل، حضرها الشاعر نزار قباني والشاعر بلند الحيدري وزوجته الفناة دلال المفتي، وآخرون. طلبت من نزار قباني أن يقرأ قصيدة (شكراً لطوق الياسمين)، احتفاء بأشجار الياسمين حولنا، ولكنه اعتذر معللاً بأنه لا يحفظ كلماتها، وربما منعه الخجل. واذا بأبي عادل يتلو علينا قصيدة نزار بصوته الجميل، وكلما فاتته كلمة قمت والآخرين بتذكيره. استوقفني ان شاعراً كبيراً مثل مظفر يقوم بقراءة قصيدة شاعر كبير آخر مثل نزار، دون أي غرور أو تكبر مما يعرف به بعض الشعراء.
حضرت يوماً دعوة أقامتها إحدى الكنائس اللبنانية في شيكاغو مع النواب ود. سعدي الحديثي وابنته سارة، أبدع فيها الفنان الكبير وديع الصافي بتراتيل كنسية بصوته العذب، وحينما استمع الى النواب يردد التراتيل معه سلمه المايكرفون مبدياً اعجابه الكبير بصوت النواب.
سألت النواب مرة عن كنيته (ابو عادل)، فقال انه توظف في إدارة شركة هولندية تعمل في العراق قبيل ثورة عام 1958، وانه كان يقوم بتثقيف العمال بحقوقهم للمطالبة بها من إدارة الشركة التي يعمل ضمنها، ويحضهم على الإضراب عن العمل للحصول عليها. وحينما علم الهولنديون بنشاطه أنهوا خدماته، فأطلق عليه العمال كنية أبو عادل لموقفه العادل من قضاياهم. كما أنهى د. محمد مكية خدماته بعد فترة وجيزة من العمل معه بسبب نشاط النواب في الحزب الشيوعي. وأخبرني بذلك د. مكية نفسه الذي كان يكن كل التقدير للنواب.
وبالرغم من حب الناس الكبير له، الا انه كثيراً ما تعرض لكلمات ومواقف جارحة، وكنت شاهدة على بعضها، ولم يدافع يوماً عن نفسه، بل كان يدير وجهه ويمضي في طريقه صامتاً. وحينما أقرأ ما كتبه البعض من تجريح بعد موته أتذكر صمته الشامخ ذاك، وأجده أكثر بلاغة وأعمق شاعريةٍ من أي رد آخر.
ذكرياتي مع النواب كثيرة ومتفرقة، وأحياناً مبعثرة، وأجدها تداعبني أحياناً في خلوتي بالرغم من هروب الأيام وتغير الأزمان، وكأنها تقول: بفكر فيك وأنا ناسي. وأنا على استعداد أن أضع ذكرياتي معه ورسائله في خدمة أي باحث جاد في حياة الشاعر الكبير والانسان العظيم مظفر النواب.
********************************
الصفحة التاسعة
إدانة تمجيد الإقطاع واحتقار فقراء العراق
إسماعيل نوري الربيعي
لم يكن الصراع بعد ثورة 14 تموز 1958 مجرد نزاع سياسي بين نظامين. كان صراعا بين رؤيتين للعراق. رؤية تريد إبقاء الريف خزانا للفقر والطاعة والخوف. ورؤية أرادت نقل الفلاح من الهامش إلى مركز الدولة. لهذا تبدو بعض الخطابات المعادية للثورة امتدادا لبنية اجتماعية قديمة، حتى عندما ترتدي لغة حديثة أو تتحدث باسم الذوق المدني أو الحفاظ على صورة العاصمة. حين يهاجم الشيخ عدنان الدنبوس انتقال الفقراء إلى أطراف بغداد، فهو لا يناقش التخطيط العمراني بمعناه العلمي، بل يعبر عن تصور طبقي يعتبر المدينة امتيازا اجتماعيا مغلقا. هذا التصور يقوم على فرضية غير معلنة، مفادها أن الفقراء يشوهون المجال الحضري، وأن العاصمة يجب أن تبقى فضاء للنخبة المالكة. هنا تظهر المغالطة الأولى. فهو يتعامل مع نتائج الفقر بوصفها سببا له. بينما الوقائع التاريخية تثبت أن الهجرة الريفية لم تنتج عن رغبة عشوائية في احتلال المدينة، بل عن انهيار شروط العيش في الريف الجنوبي تحت سلطة الإقطاع والتحالفات التقليدية.
قبل ثورة تموز، عاش قطاع واسع من فلاحي الجنوب داخل نظام اقتصادي قائم على التبعية. الأرض تركزت بيد شيوخ كبار، والفلاح بقي مرتبطا بالدين والسلفة والعمل القسري. تقارير الدولة العراقية نفسها في الأربعينيات والخمسينيات تحدثت عن نسب أمية مرتفعة، وانتشار الأمراض، وغياب البنية الصحية والتعليمية. لذلك لم تكن الهجرة إلى بغداد نزوة اجتماعية، بل حركة نجاة من واقع مغلق. الفلاح لم يترك أرضا مزدهرة كي يفسد العاصمة. ترك بيئة حرمته من التعليم والملكية والتمثيل السياسي. ثورة 14 تموز ضربت هذا البناء عبر قانون الإصلاح الزراعي. القانون لم يقض على الإقطاع نهائيا، لكنه فكك جزءا من احتكار الأرض. كما وسعت الدولة خدمات التعليم والصحة والعمل والإسكان. مدينة الثورة لم تكن هدية عشوائية، بل محاولة لإدخال الفئات المهمشة داخل الدولة الحديثة. لهذا حمل المشروع بعدا اجتماعيا واضحا. الدولة للمرة الأولى اعترفت بأن الفقير مواطن كامل الحقوق، وليس تابعا لعائلة نافذة أو شيخ عشيرة.
الخطاب الإقطاعي يواجه هذه التحولات عبر إعادة تعريف المشكلة. بدلا من الاعتراف بأن الفقر نتج عن بنية الاستغلال، يجري تصوير الفقراء أنفسهم بوصفهم خطرا عمرانيا وثقافيا. هنا تظهر مغالطة قلب العلاقة بين السبب والنتيجة. فالمدينة لم تتدهور بسبب الفقراء، بل بسبب غياب التخطيط العادل، وتراكم السلطة بيد نخب احتكرت الثروة والخدمات. حين يسكن شخص في قصر داخل الجادرية، ثم يعترض على سكن الفقراء في أطراف بغداد، فهو لا يقدم تحليلا عمرانيا، بل يدافع عن امتياز طبقي مغلف بلغة الذوق العام. تفكيك هذا الخطاب يحتاج إلى التمييز بين مستويين. الأول يتعلق بالوقائع التاريخية. والثاني يتعلق بالبنية المعرفية التي ينتج منها الخطاب نفسه. على مستوى الوقائع، تظهر الأدلة أن الدولة الملكية عجزت عن بناء عدالة اجتماعية حقيقية. نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية بقيت بيد أقلية صغيرة. الفلاح ظل خارج التعليم الحديث. الخدمات الصحية تمركزت في المدن الكبرى. لذلك فإن الحديث عن استقرار ريفي سابق للثورة يتجاهل معاناة واسعة وثقتها تقارير عراقية ودولية.
أما على مستوى البنية المعرفية، فإن الخطاب الإقطاعي يقوم على تصور هرمي للمجتمع. النخبة تعتبر نفسها أحق بالمدينة والثروة والقرار السياسي. والفقراء ينظر إليهم ككتلة تحتاج إلى الضبط لا إلى التمكين. لهذا يهاجم هذا الخطاب أي مشروع يعيد توزيع القوة الاجتماعية. فهو لا يعارض فقط سياسات اقتصادية محددة، بل يعارض فكرة المساواة نفسها عندما تهدد الامتيازات التقليدية. تظهر هنا علاقة الخطاب الإقطاعي ببعض الاتجاهات البعثية والقومية المتسلطة. كلاهما اعتمد مركزية السلطة، ونظر إلى الجنوب بوصفه خزانا بشريا يخضع للإدارة لا شريكا كاملا في الدولة. لذلك لم يكن التحالف بين الإقطاع وبعض القوى القومية مجرد تقاطع سياسي عابر. بل استند إلى خوف مشترك من صعود الفئات الشعبية بعد تموز. الفلاح المتعلم والعامل المنظم والموظف القادم من الأحياء الفقيرة شكلوا تهديدا لبنية الامتياز القديمة. هذا لا يعني أن تجربة تموز كانت خالية من الأخطاء. الدولة دخلت في صراعات حادة. والمؤسسات بقيت هشة. وبعض السياسات الاقتصادية واجهت صعوبات تنفيذية. لكن نقد التجربة يجب أن يقوم على تحليل النتائج الفعلية، لا على الحنين إلى نظام كان يقوم على تفاوت صارخ. المقارنة العلمية تتطلب سؤالا واضحا. هل تحسن وضع الفئات الفقيرة بعد الثورة أم لا. البيانات المتعلقة بالتعليم والتوظيف والصحة تشير إلى تحسن ملموس خلال السنوات اللاحقة للثورة مقارنة بالعهد السابق.
هناك أيضا مغالطة أخلاقية في خطاب تمجيد الإقطاع. هذا الخطاب يفترض أن الامتياز الاجتماعي نتيجة استحقاق طبيعي. لكنه يتجاهل أن تراكم الثروة الإقطاعية اعتمد تاريخيا على احتكار الأرض والسلطة المحلية والعلاقات الزبائنية. لذلك فإن الدفاع عن القصور الكبيرة مع الاعتراض على مساكن الفقراء يكشف تناقضا داخليا. الملكية الخاصة تصبح مقدسة عندما تخص النخبة، لكنها تتحول إلى تهديد بصري عندما تتعلق بأحياء الفقراء. التحليل المنهجي لهذا الخطاب يبين أيضا حدود معرفته. فهو يعتمد على تجربة طبقية ضيقة ثم يعممها على المجتمع كله. صاحب الامتياز يرى المدينة من زاوية الراحة والنظام والبستنة والهدوء. لكنه لا يرى المدينة من زاوية العامل الذي يبحث عن عمل، أو الطالب الذي يريد مدرسة، أو العائلة التي تهرب من الجوع الريفي. هنا تتحول الرؤية الجزئية إلى حكم شامل. وهذا خلل معرفي واضح، لأن أي تحليل اجتماعي يحتاج إلى مقارنة زوايا النظر المختلفة، لا تحويل تجربة النخبة إلى معيار مطلق. كما أن هذا الخطاب يتعامل مع الفلاح وكأنه كائن ثابت خارج التاريخ. بينما التحولات الاجتماعية تثبت أن أبناء الريف لعبوا دورا أساسيا في بناء الدولة الحديثة، وفي الجيش والتعليم والجامعات والنقابات. الهجرة إلى المدينة لم تكن فقط انتقالا جغرافيا، بل انتقالا في الوعي والمكانة الاجتماعية. لذلك فإن كراهية الأحياء الفقيرة تخفي أحيانا خوفا من تغير موازين القوة داخل المجتمع.
النقطة الأكثر أهمية تتعلق بفكرة الشرعية السياسية. الإقطاع استند تاريخيا إلى شرعية الوراثة والعشيرة والنفوذ المحلي. أما ثورة تموز فاستندت إلى شرعية اجتماعية تقوم على فكرة العدالة وإعادة التوزيع. لهذا استهدفتها قوى متعددة. بعض هذه القوى خسر امتيازاته الاقتصادية. وبعضها خسر احتكاره للسلطة الرمزية. لذلك فإن الهجوم المستمر على الثورة لا يرتبط فقط بتقييم تاريخي، بل بصراع مستمر حول معنى الدولة العراقية نفسها. من الضروري أيضا التمييز بين نقد العشوائيات وبين احتقار الفقراء. النقد العلمي يناقش البنية التحتية والتخطيط والخدمات وفرص العمل. أما الخطاب الطبقي فيربط المشكلة بسكان المناطق الفقيرة أنفسهم. الفرق بين الموقفين جوهري. الأول يبحث عن حلول. والثاني يبحث عن تبرير للتمييز الاجتماعي. لهذا فإن أي تحليل نزيه يجب أن يربط أزمة المدن العراقية بالفساد وضعف التخطيط والحروب الطويلة، لا بتحرك الفقراء نحو العاصمة. تجربة العراق بعد 1963 تقدم دليلا إضافيا. القوى التي رفعت شعارات قومية أو سلطوية لم تلغ التفاوت الاجتماعي، بل أعادت إنتاجه بصيغ جديدة. ظهرت طبقات طفيلية مرتبطة بالحزب والدولة والأجهزة الأمنية. بهذا المعنى، فإن سقوط الإقطاع التقليدي لم يؤد تلقائيا إلى عدالة كاملة. لكنه كسر بنية قديمة كانت تعتبر الفلاح تابعا أبديا. وهذه نقطة تاريخية لا يمكن تجاهلها. السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بتمجيد الثورة أو شيطنة خصومها. السؤال يتعلق بطبيعة الدولة التي يريدها العراقيون. هل تكون الدولة أداة لحماية الامتيازات المغلقة، أم إطارا لضمان الحقوق الاجتماعية. هذا السؤال يفسر استمرار الصراع حول ذاكرة 14 تموز حتى الآن. فكل قراءة للتاريخ تخفي تصورا معينا عن الحاضر والمستقبل.
الخطاب الذي يحتقر أبناء الجنوب أو الفقراء لا يدافع عن الجمال الحضري كما يدعي. هو يدافع عن توزيع غير عادل للمكان والسلطة والثروة. لذلك فإن تفكيكه يحتاج إلى قراءة تاريخية واجتماعية دقيقة، لا إلى انفعال سياسي فقط. الوقائع تشير بوضوح إلى أن ملايين العراقيين دخلوا التعليم والعمل والخدمات بعد سقوط النظام الإقطاعي. وهذه التحولات غيرت بنية المجتمع العراقي بصورة عميقة. لهذا تبقى ثورة تموز حدثا مركزيا في فهم العراق الحديث. ليس لأنها صنعت فردوسا سياسيا، بل لأنها كسرت احتكارا طبقيا عمره عقود. ومن هنا يأتي غضب القوى التي خسرت امتيازاتها. فالمشكلة لم تكن في انتقال الفقير إلى المدينة، بل في انتقاله من موقع الطاعة إلى موقع المواطن.
*******************************
نظام عالمي ودوائر متعددة
د. أثير ناظم الجاسور
كل مرحلة يمر بها العالم يبدأ الحديث عن نظام دولي جديد قيد التشكُل من حيث الفواعل والعناصر التي ستعمل على تجديده ضمن أولويات القوى المتحكمة، ومن خلال قراءة مشاهد متعددة باتت من بديهيات كل مرحلة تتعطش فيها الولايات المتحدة الأمريكية أن تنطلق صوب منطقة معينة تبدأ خطابات المفاهيم التي تسبق مراحل التدخل بأشكاله المختلفة لتضعنا أمام سيناريوهات بالضرورة كلها تصب في مصلحتها التي تخدم سياساتها في العالم وتساعد على بقائها كقوة متحكمة، الأكثر إثارة في مشاهدها المرسومة تبدأ عملية شيطنة العدو وأصدقائه التي تندرج ضمن استراتيجية بناء العدو والتلويح بالخطر الناتج عن سلوكياته، وهذا أيضا من بديهيات الاستراتيجية الأمريكية التي تعمل في كل مرحلة على خلق عدو ومحاربته والتأكيد على خطورة وجوده مما تسحب كل شركائها لدائرة الخطر الناتج عن هذا العدو، من هنا نستطيع أن نرى بكل وضوح معطيات المرحلة القادمة والمعايير التي تمت من خلالها قياس مستويات الخطورة.
منطقة الشرق الأوسط بأنظمتها الرسمية وغير الرسمية مُدركة لخطورة التوجه الأمريكي وكيانها الإسرائيلي باختلاف قراءة مرحلة الاصطفاف التي باتت في هذه المرحلة من أخطر التوجهات التي تعاني منها شعوب المنطقة بعد أن استطاعت الأنظمة الرسمية من تحديد موقفها حيال الرؤية الأمريكية - الإسرائيلية والسير وفق متبنياتها تارة بقناعة تامة وتارة بدفع الخطر عن ما سيصيبها اذا ما عارضت، بقي موقف الشعوب التي على الأغلب ضعيف غير قادر على إنتاج اي ردة فعل غير الاعتراض بوقفة احتجاجية أو تنديد أوقد نسميه الحلقة الاضعف في المعادلة، او من خلال التحليل والنقد الخ... من المواقف التي لا تعد خطرة بالنسبة للمشروع الأمريكي الأكبر، بالتالي نحن أمام سيناريوهات متميزة بالنسبة لأمريكا والكيان الإسرائيلي وما له من تبعات كبيرة ومؤثرة على المنطقة في المستقبل القريب، الحرب الدائرة في المنطقة الموجهة ضد إيران هي بالحقيقة إعادة تصنيع وتشكيل لقوى سياسية واقتصادية لابد من تغيير خارطة تمركزها البداية إيران من خلال خطين اما اضعاف النظام بشكل تام والبدء بمرحلة التغيير التدريجي وهذه المرحلة انتهت او اصبحت خياراً ثانوياً او انهاكه وابقائه ضعيف غير قادر على مجاراة الوضع الجديد وهذا ما تعمل على قراءته وتحليله المؤسسات الرسمية والغير رسمية الأمريكية، وأما ان يكون النظام صديقا غير مباشر على اقل تقدير لا يمثل تهديدا للمشروع الأمريكي في المنطقة، بالنسبة لخلفاء أمريكا بالفعل دخلت من حيث لا تعلم بمرحلة جديدة من الصراع فهم سياسيا معتمدين بشكل كامل على القدرات الأمريكية والاسرائيلية في وضع نهاية للضربات الصاروخية الموجهة لهم، فضلا عن انتظار حذر لما ستؤول اليه نتائج المفاوضات بين الأطراف المتحاربة، القضية الأخرى ستعاني المنطقة لابل العالم من معضلة اقتصادية كبيرة تؤثر حتماً على كل ما له علاقة بالطاقة وسلاسل الإمداد الخ... من القضايا المؤثرة.
النظام الإقليمي اليوم مهدد بالانهيار هي مسألة وقت لا أكثر، القوى المهيمنة غير قادرة على خلق حالة توازن واضحة والمشروع المراد تحقيقه مسبقا وضعت معالمه وغير قابل للتعديل، الكيان الإسرائيلي سمحت له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤه الغربيون من التوسع واستغلال فرصة الفراغ الحاصلة في المنطقة، وسوريا اليوم تشهد خطرا لابد من وقوعه، ولبنان على خط النار بعد ما تم تشتيت القرار الداخلي ووضع الحواجز بين القوى السياسية اللبنانية، بالتالي خصوم المشروع باتوا غير قادرين على الاعتراض والتحرك خارج إطار الحفاظ على وضعهم الحالي، هنا تركيا تترقب حتى تتحرك لملء الفراغ الحاصل عن نهاية هذا الصراع مع إيران وحلفائها لتبدأ التحرك صوب نقاطها الاستراتيجية وكل ما يتعلق بموروثها التاريخي والقومي، أما العراق وبسبب عوامل عدة سيكون غير قادر على تحقيق توازن او ملء فراغ سياسي وهذا سيجعل منه في مرمى النار، خصوصا وانه سيواجه مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية التي بالضرورة تجعل منه خالي القدرة.
عالم اليوم بحاجة ماسة لإعادة تعريف وفهم الأمن والاستقرار الذي بات من ضرورات نظام قادم رُسمت معالمه وفق صياغات سياسية وقيم اقتصادية جديدة قائمة على صياغات الاعتماد المتبادل بمختلف أشكاله، وزيارة الرئيس الأمريكي للصين لن تكن سوى رسائل تتحدث عن عدم وجود تشكيل جبهة مضادة في هذه الأزمة التي يشهدها الشرق الأوسط، وهذا يجعل من فرضيات التعدد القطبي مطروحة لكنها غير قابلة للتطبيق، بالتالي لا يجعل من يذهب إلى فكرة السلام ان يرسم عالما في مأمن من مشروع كبير لا أهمية فيه للصديق والحليف بقدر ما للمصلحة دور أكبر في تعزيزه، لربما نشهد اليوم حربا تنتهي ومفاوضات تنتج تفاهمات خجولة لكن القادم يبحث في ضرورات تقسيم الكبار وإعادة تموضع، تغير فكرة الصراع والتنافس والبدء بالحديث عن عصر الدول الحاكمة والمحكومة.
********************************
خراب الزراعة.. هل حقا هو مسؤولية عبد الكريم قاسم؟
إحسان باشي العتابي
إن أخطر ما في بعض الطروحات التي تقدم اليوم عبر الشاشات والمنابر الاعلامية، ليس اختلافها السياسي أو التاريخي او الاجتماعي، بل ما تختزنه من نظرة تقلل من قيمة شرائح واسعة من أبناء هذا الوطن، وكأن العراق خلق لفئة دون اخرى، وأن المدينة ملك خاص يحتكره البعض.
ففي تصريح للسيد عدنان الدنبوس الكناني، حمل مؤسس الجمهورية العراقية عبد الكريم قاسم مسؤولية “تدمير الاراضي الزراعية” و”ترييف المدن وبغداد” بسبب قانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين. ونظن أن مثل هذا القول وغيره يتعامل مع ابن الريف بوصفه مواطنا من درجة أدنى، لا يحق له ان يكون شريكا كاملا في المدينة والوطن والقرار.
ورغم أن كثيرا من المختصين والمؤرخين أكدوا أن انتقال أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدن، وبغداد تحديدا، سبق مرحلة حكم عبد الكريم قاسم بسنوات ليست قليلة، فإننا – وحتى لو سلمنا جدلا بروايات أخرى سنجد أنفسنا أمام سؤال جوهري:
منذ متى اصبحت بغداد او غيرها من المدن العراقية وقفا على طبقة بعينها؟ ومن الذي منح البعض حق تقرير من يسكن ومن لا يسكن؟ أليس العراق وطنا لجميع العراقيين؟ أليس من حق المواطن، وفق القانون والدستور، أن يختار مكان عيشه بما ينسجم مع حياته ومستقبله، ما دام لا يتجاوز على حقوق الاخرين؟
ووفق لما صرح به الدنبوس، فإن من الواجب محاسبة المنظومة الحاكمة ما بعد عام 2003 بسبب انتقال ملايين العراقيين من الأرياف إلى المدن ومنها بغداد ولأسباب عدة من أهمها الإهمال للقطاع الزراعي، والذي بحسب تصريحات بعض المسؤولين فيه، حصل وفق اجندات بعينها، نحن في غنى الآن أن ندخل في تفاصيلها، لأنها ستبعدنا عن جوهر قضيتنا التي نحن في صددها.
والحقيقة التي يتعمد كثيرون تجاهلها أن عبد الكريم قاسم حاول إنقاذ الريف العراقي من هيمنة الإقطاع المرتبط بالمصالح البريطانية، ذلك النظام الذي حول الانسان إلى تابع مسحوق يعمل في أرض لا يملك منها شيئا، بينما تذهب خيراتها إلى حفنة من المنتفعين الذين لم يحصلوا على تلك الاراضي عبر العمل والانتاج، بل عبر التحالف مع المستعمر وخدمة مشاريعه.
لقد أراد النظام الجديد بعد ثورة ١٤ تموز أن يعيد للفلاح شيئا من إنسانيته وكرامته، وأن يخلق مجتمعا أكثر عدالة، وأن يجعل الأرض لمن يزرعها لا لمن يتاجر بعرق الناس والآمهم. كما عمل على دعم مشاريع استصلاح الأراضي والنهوض بالقطاع الزراعي، إدراكا منه أن الزراعة ليست هامشا اقتصاديا، بل ركيزة من ركائز الاستقلال الوطني.
لكن تلك الاصلاحات لم تكن لترضي الاقطاعيين ومن سار في ركابهم من جماعات المصالح، ولا البعض من الناس الذي اعتاد الخضوع لمن يمتلك النفوذ والمال، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن وكرامة أبنائه. ولهذا شنت حملات التشويه ضد عبد الكريم قاسم منذ أيامه الأولى وحتى بعد استشهاده، لأن مشروعه لم يكن مجرد مشروع حكم، بل مشروع تغيير اجتماعي هدد بنية تقليدية استفادت طويلا من الحكم الملكي ورعاته والمساندين له.
والمؤسف أن البعض ما زال حتى اليوم يكرر الخطاب ذاته، خطابا يقيس قيمة الإنسان بمنطق “المدينة والريف”، وكأن التمدن يقاس بمكان الولادة لا بالعقل والأخلاق والثقافة والعمل، وتغليب مصالح الوطن. في حين أثبت التاريخ الحديث أن أعظم الأمم لم تنهض الا بعدما اسقطت امتيازات الطبقات المتسلطة واعترفت بأن الشعب هو أصل الشرعية ومصدر السلطة.
فأوربا التي يتغنى العالم اليوم بتقدمها لم تصل إلى ما وصلت اليه صدفة، بل بعد صراعات طويلة ضد الإقطاع والاستبداد والامتيازات الوراثية. وكانت الثورة الفرنسية لحظة مفصلية أعلنت فيها الشعوب أن الحكومات ليست مالكة للأوطان، بل موظفة لخدمة الناس وفق القانون والدستور. ومنذ تلك اللحظة تسارعت الثورات الصناعية والعلمية والسياسية، لأن الشعوب هناك آمنت بحقها في إدارة أوطانها، بينما بقينا نحن غارقين في صراعات الماضي وتقديس الاشخاص والطوائف والعشائر والمصالح الضيقة.
إن الفرق الحقيقي بين الأمم المتقدمة والمتأخرة لا يكمن في الموارد ولا في التاريخ، بل في وعي الشعوب. فهناك شعوب تنظر إلى التاريخ بوصفه تجربة تتعلم منها لتتقدم، بينما ما زالت شعوبنا تتعامل معه كساحة ثأر دائم يستهلك فيها الحاضر والمستقبل معا.
ولهذا أقولها بضمير مرتاح: إن النظام الذي أقيم بعد ثورة تموز ١٩٥٨، قياسا بمعظم الأنظمة التي حكمت العراق، كان من أنظف وأشرف من تولى إدارة الدولة العراقية، لا لأنه كان معصوما من الخطأ، بل لأنه تعامل مع الوطن بعقلية المسؤول، لا بعقلية التاجر او المنتقم او التابع للخارج.
ويكفي الزعيم عبد الكريم قاسم فخرا أن كثيرا من أبناء الأجيال اللاحقة ما زالوا يذكرونه بوصفه نموذجا للحاكم الوطني القريب من الناس، ويزيده فخرا أن خصوم الداخل والخارج، رغم اختلافاتهم، اجتمعوا على إسقاط مشروعه الوطني لأنه هدد مصالحهم ونفوذهم.
**************************
الصفحة العاشرة
إيزابيل ألليندي: ما يهمني قبل أي شيء هو الأصوات المكمّمة
جعفر العلوني
تُرجمت أعمال الروائية التشيلية إيزابيل ألليندي إلى 42 لغة، من بينها العربية. ومع ذلك، تقول في هذا الحوار الخاص مع "العربي الجديد" إنها لا تعرف كيف استقبل القرّاء العرب أعمالها، ولا حتى روايتها الأشهر "بيت الأرواح" التي نشرتها عام 1982، ولا تزال ممنوعة في بعض ولايات الجنوب الأميركي. مع ذلك، لم يؤثر هذا في حرية الكاتبة، التي تعيش في سان فرانسيسكو، بعيدة عن وطنها تشيلي، حيث يحكم اليمين، وتأمل، كما تقول، "ألا يدوم طويلاً".
في حديثها عن هذا العالم المضطرب، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، مروراً بالشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، لا تنسى ألليندي حروب القرن العشرين وإباداته، ولا مستبدّيه، ولا احتلال الأراضي وتهجير سكانها. لذلك تلجأ إلى الأدب، إلى الرواية تحديداً، لنقل أصوات المعذّبين والمهمّشين والمهجّرين. لكن أيّ رواية تقدر أن تعبر عن مأساة غزة اليوم؟ تجيب ألليندي: "أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة كي أكتب عن هذا الواقع المؤلم". جملة تختصر عجز اللغة أمام فداحة الإبادة، وتفتح هذا الحوار الخاص للكاتبة التشيلية الأكثر قراءة في العالم الناطق بالإسبانية مع "العربي الجديد".
يبدو أن العالم يعيش اليوم لحظة متواصلة من الحروب والانفجارات. كيف تعيشين هذه المرحلة العالمية من الصراعات؟ وكيف تدمجينها في وعيك السردي؟
-على مدى 84 عاماً من حياتي، كان العالم دائماً في حالة حرب. نعيش اليوم واقعاً عالمياً مترابطاً بحيث إن ما يحدث في أي مكان يؤثّر في البشرية جمعاء. كما أننا أصبحنا أكثر اطلاعاً: نعرف في اللحظة نفسها ما يجري في بقاع الأرض كلها. يخيّل إلينا أن هذه مرحلة شديدة الانفجار لأننا ننسى ما كانت عليه حروب وإبادات القرن العشرين، وسنوات الحرب الباردة، والدكتاتوريات والانقلابات العسكرية، وغزو واحتلال الأراضي، وملايين البشر الذين أجبروا على النزوح.
في رواياتي تناولت موضوعات العنف والسلطة بطرائق متعددة، لأنهما يؤثران، وأحياناً يحددان حياة الشخصيات.
هل تستطيع الرواية أن تروي العالم الراهن، أم أننا بحاجة إلى أشكال أو حتى أجناس أدبية جديدة؟
-يمكن للرواية أن تروي العالم الراهن، لكنها لا تقتصر عليه وحده. فالوسائط السمعية البصرية، مثل السينما والتصوير الفوتوغرافي، تروي الواقع باستمرار، وكذلك الصحافة. غير أن مزية الرواية تكمن في قدرتها على البقاء عبر الزمن. في حالتي، أحتاج إلى مسافة كي أروي الوقائع والأحداث. لا أستطيع الكتابة من قلب العاصفة. استطعت أن أكتب عن الانقلاب العسكري الذي وقع في تشيلي عام 1973 بعد ثماني سنوات، ومن المنفى.
هل تشعرين أن هامش الحرية الذي يتمتع به الكاتب في عالم اليوم يتقلّص فعلاً؟
-يُنشر اليوم عدد من الكتب أكثر من أي وقت مضى، غير أنّ ثمة قيوداً تفرضها دور النشر. فالفرص المتاحة للأدب التجريبي وللكتّاب الجدد تظل محدودة. وفي بلدانٍ كثيرة لا تزال الرقابة السياسية قائمة، لكنني أعتقد عموماً أن حرية الكاتب ليست اليوم أكثر تقييداً مما كانت عليه في السابق.
هل ما زالت الولايات المتحدة، بالنسبة لكِ، فضاءً حراً فعلاً للكتابة؟
-نعم، لكنني محظوظة لأن اسمي معروف لدى القرّاء ودور النشر، لذلك لا أواجه مشكلات في النشر. إضافة إلى هذا، تُنشر كتبي مترجمةً إلى أكثر من 40 لغة، وهذا ما يجعلني غير مقيدة بالظروف الراهنة في الولايات المتحدة. لقد مُنعت روايتي الأولى "بيت الأرواح" في بعض ولايات الجنوب، لكن هذا لا يؤثر في حريتي في الكتابة عما أرغب في سرده حقاً.
لكن هل ثمة أشكال جديدة من الرقابة الثقافية أو غير المباشرة تؤثر في حرية التعبير؟
-أحياناً، يُبالغ في ما يسمّى الصوابية السياسية وفي مسألة الاستيلاء الثقافي. لقد وصل الأمر إلى درجة يُفترض أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن ثقافة أخرى. ووفق هذا المعيار، لما كان بإمكاني أن أكتب عن السكان الأصليين في غواتيمالا، أو العبيد الأفارقة في هايتي، أو الصينيين في كاليفورنيا، أو العرب في الكاريبي. شخصياً لا ألتفت إلى مثل هذه القيود، وحتى الآن لم يفعل ناشرو أعمالي ذلك أيضاً.
هناك كتّاب يفضلون البقاء على الهامش، رافضين التداخل بين السياسة والأدب. برأيك، هل الكاتب اليوم مجبر على اتخاذ موقف واضح إزاء ما يحدث في العالم؟
-لا يوجد أي إجبار، وهذا يعتمد على الكاتب في المقام الأول. شخصياً، لا أستطيع أن أفصل الظروف الاجتماعية والسياسية عن حياة شخصياتي، لكن قصدي ليس الوعظ أو توجيه رسالة أو تغيير طريقة تفكير القرّاء. قد يحدث ذلك رغماً عني، لكنه ليس مقصوداً بحد ذاته.
في رواياتك، غالباً ما تتحول المأساة الفردية إلى صورة للصراع السياسي الكبير. عندما تنظرين إلى الواقع الذي يعيشه العالم اليوم، ما الصورة أو الشخصية أو اللحظة الروائية التي تفرض نفسها عليكِ بوصفكِ روائية، قبل أي تفسير سياسي؟
-ما يهمني قبل أي شيء هو الأصوات المُكَمّمة. فالسلطة في يد المنتصرين، وهم في الغالب رجال (بيض). وهم من يكتبون التاريخ بطريقتهم، ويسردون الواقع كما يشاؤون. أما أنا، فأريد أن أركز على النساء، وعلى المهزومين، والفقراء، والمُهجَّرين، والمهمَّشين. هذا ما فعلته في رواياتي التاريخية، وهو ما أفعله أيضاً في رواياتي المعاصرة.
روائياً، اشتغلتِ كثيراً على موضوعات الألم والذاكرة والمنفى. لو طُلب منكِ كتابة جملة واحدة لوصف ما يحدث اليوم في غزة بوصفكِ روائية، لا محللة سياسية، ماذا تقولين؟
-لا أستطيع أن أكتب شيئاً عن ذلك الواقع المؤلم والمعقد في جملة واحدة. أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة كي أعبّر عنه.
جزء كبير من رواياتك مترجم إلى العربية. هل لديك صلات بمترجميك العرب؟ وهل نقلوا إليك انطباعات القرّاء العرب عن أعمالك أو كيف استُقبلت؟
-كان لي تواصل محدود جداً مع مترجميّ، والحقيقة أنني لا أعرف كيف تُستقبل كتبي لدى القرّاء العرب. وليست لدي فكرة عن انطباعات القراء العرب حول أعمالي. يؤسفني ذلك كثيراً. وأعتقد أن ناشريّ ينبغي أن يُبقوني على اطلاع أفضل.
رواياتك مليئة بنساء قويات ومتمرّدات. هل يعود هذا البناء الأدبي إلى تجارب شخصية؟
-أنا محاطة بنساء قويات. ومن خلال مؤسّستي، التي تعمل مع نساء في أوضاع خطرة وهشّة، أتعرف إلى نساء استثنائيات عانين ما لا يُتصوَّر، وفقدن كل شيء - أحياناً حتى أبناءهن - ومع ذلك ينهضن ويواصلن المضي بقدر كبير من الكرم والقدرة على الفرح. هنّ نماذجي.
كيف ترين تشيلي اليوم؟ وهل تعتقدين أن هناك أسباباً ثقافية عميقة وراء هذا التحول السياسي في بلدان أميركا اللاتينية؟
-في كل أربع سنوات، يتأرجح البندول السياسي بين اليسار واليمين. لدينا الآن رئيس من اليمين المتطرف، معجبٌ بسياسات ترامب، وقد انتُخب لسببين رئيسيين: الأمن والهجرة. وهذه المشكلات موجودة في الولايات المتحدة وفي كثير من دول أوروبا. وهذا ما يفسر التحوّل نحو اليمين، وآمل ألا يدوم طويلاً. يحتاج العالم إلى أشكال جديدة من الحكم. فمؤسسات وقوانين القرن التاسع عشر، التي ما زلنا نطبقها على الديمقراطية، لم تعد فعالة. في القرن الحادي والعشرين ينبغي إعادة ابتكار التعايش الإنساني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"العربي الجديد" – 30 نيسان 2026
******************************
نهاية المدرسة وعبقرية الفوضى
أمين الزاوي
سنصحو جميعاً ذات صباح يوم غير بعيد لنجد المدارس والثانويات والجامعات اختفت من المشهد العمراني والمؤسساتي نهائياً. وسيكون الأمر عادياً جداً.
وأمام الاختفاء، لا أحد سيردد بيت الشاعر أحمد شوقي "قم للمعلم وفّه التبجيلا... كاد المعلم أن يكون رسولا"، لأن المعلم الذي كان يثير فينا الخوف لهيبته وعلمه غادر الخشبة وأطفئت الأنوار عليه ولم يعُد له دور في المسرحية الجديدة، مسرحية المعلم والمتعلم.
بعد 50 عاماً أو أقل، ستغلق المدارس أبوابها لتتحول أقسامها إلى محال تجارية أو إلى محال للحلاقة أو إلى زنزانات انفرادية خاصة بالسجناء من ذوي المحكوميات الصعبة والقاسية.
بعد 50 عاماً أو أقل، سيجمع المعلم أغراضه البسيطة في محفظته المهترئة ويعود لبيته، ليجلس في الظل بعد قرون وقرون من الضوء وتصدر المشهد العالمي في كل الحضارات. بعدها لن يكون هناك في الحارة أو في الحي أو في القرية معلم بهدوئه وطقمه الأسود ولن تكون هناك معلمة بابتسامة مضيئة، ستختفي الطباشير وغبارها الممتع والممسحة ستختفي والسبورة السوداء ذات الجناحين هي الأخرى ستختفي من على الجدار، ولن يكون هناك تاريخ مكتوب في أعلى السبورة والذي يتجدد كل يوم، ولن يتحدث بعد اليوم أحد عن أسطورة عصا المعلم المخيفة، عن طولها وعن الشجرة التي قطعت منها، ولن تثير خوف الجيل المقبل.
يوماً بعد يوم ستصبح المدرسة بنظامها الذي كان قائماً ومكرساً حكاية تروى فتثير الاستغراب، سيصبح تجمع الأطفال والطفلات والمراهقين والمراهقات تحت سقف قسم وبجدول زمني ومواد للتدريس طوال العام والعمر، اللغة والرياضيات والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية والفيزياء والشعر... كل هذا سيصبح خرافة زمن انطوى وولى.
سيصبح القانون الذي بموجبه على الجميع أن يلحقوا أبناءهم بالمدرسة وإلا سيتابعون قضائياً، أمراً مضحكاً، أن يسجن الطفل وعلى ذمة القانون ورضا الوالدين من عمر السادسة إلى الـ16 سيبدو مثل هذا الإجراء نكتة من أعرق النكت التي صدقها البشر ودافعوا عنها في كل مكان من المعمورة ومنذ قرون.
سيبدو الطفل- التلميذ وهو يصرف سنوات عمره سنة بعد أخرى في مؤسسة تشبه السجن مثيراً للاستغراب والاستنكار، ينتقل من قسم إلى آخر في لعبة بهلوانية من السنة الأولى حضانة ثم السنة الأولى ابتدائي مروراً بسنوات المتوسط والثانوي وصولاً إلى مدرجات الجامعة.
سنصحو ذات يوم قريب، لنجد طرائق التعليم قد تغيرت، ومعها تبدلت المؤسسة التي تدير شؤون التعليم، وتغير المعلم، بل إن انقلاباً كاسحاً عصف بفلسفة التعليم برمتها، كل شيء يصبح رأساً على عقب، لن تعود هناك مؤسسة اسمها المدرسة ولا الثانوية ولا الجامعة، سيكون البشر صغاراً وكباراً يعتاشون تعليمياً على شرائح إلكترونية وبرمجيات بخوارزميات مجنونة تفتح على المجهول العالم، تفتح على الحيرة الكبرى، على هوة مستقبلية لا قرار لها.
سيصبح الطفل الذي كان يقضي أعواماً عدة في حفظ معادلة رياضية أو قاعدة لغوية نحوية أو صرفية أو معادلة كيماوية، يتعلم هذا وأكثر في رمش العين، ستزدهر زراعة الشرائح الإلكترونية في الأدمغة البشرية وتحت الجلد وفي اللسان وفي رؤوس الأصابع وفي العينين كما تزرع القرنيات، وسيلقّم جسد المتعلم البشري بمكونات خارجية إلكترونية، وسيصبح الإنسان هجيناً أو مهجناً، كائناً ما بين البشر والآلة المبرمجة، وسيصبح التعليم برمجة لا تحصيلاً.
وسيتغير مفهوم الزمن في عين الإنسان المهجن عقلياً وإحساساً، فالدقيقة لن تصبح 60 ثانية ولا العام 365 يوماً، والسرعة التي بها يدرك الإنسان المهجن عقلياً وإحساساً الزمن والمكان ستجعل الحياة التي يحياها ذات طعم آخر، تتقدم فيه وأمامه بحسب خوارزميات مسبقة، وستنتفي الحدود ما بين الزمن والمكان، وسيختلط الإنسان بالأشياء والطبيعة.
سيفتقد الإنسان ذو العقل المهجن إلى شيء أساسي وثمين كانت المدرسة الكلاسيكية تؤمنه بل هي مصدره، ونعني به تلك العلاقة الإنسانية الدافئة والمباشرة التي تُنسج بين مكونات جيل كامل من الأطفال والبنات، أجيال الغد.
في زمن الإنسان ذي العقل المهجن، سينشأ الطفل ويكبر في جو تسوده الفردانية المطلقة والمنفعة المتوحشة، ومن دون مدرسة سيعيش الجيل بكامله مع الآلة والخوارزميات يحدثها وتحدثه، ويعيش في الشاشات وأمامها، وستختفي الحدود الفيزيائية والجغرافية والزمنية ومعها يفقد الجسد حضوره وكينونته، وتصبح الحياة كلها غارقة في عبثية تكنولوجية غير مسبوقة وغير متوقعة المآلات، وسيخمد الإحساس الإنساني الدافئ ليبرز الإحساس الرقمي داخل نوع من الفوضى العالمة ذات التنظيم الهرمي المحكم والمنفلت في الوقت نفسه.
وفي ظل هيمنة سلطة مدرسة الخوارزميات، سيتغير سلم القيم الإنسانية التي تراكمت ونحتت منذ قرون، بل شكلت جوهر إنسان الذكاء الطبيعي، وستتغير هذه القيم من ناحية الأولويات وتتغير حتى المعاني أيضاً، وإن قيماً إنسانية كالخوف والموت والفرح والحرية والحب والشجاعة والضيافة والغضب والغيرة والاحترام والأسبقية والتقدير والانتباه والمقايسة والمنافسة والتعب والشقاء... كلها ستتغير وستخرج من معانيها القديمة وربما ستحمل معنى ضدياً.
وفي ظل سلطة إنسان الخوارزميات، ستتغير اللغة أيضاً بصورة انقلابية، فاللغة التي أبدعتها مجموعات اجتماعية تشكلت عبر قرون من المحن والأحلام عاشها إنسان العقل الطبيعي التاريخي، ستتراجع أمام لغة تتشكل شيئاً فشيئاً في حال حوار ما بين الفرد والشاشة من خلال شبكة من المنصات والبرامج الأخطبوطية.
أمام سلطة مدرسة الخوارزميات وهيمنة الإنسان ذي العقل والإحساس المهجنين، إنسان غد الفوضى العبقرية، لن يتذكر أحد البيت الشعري الشهير لأحمد شوقي "قم للمعلم وفّه التبجيلا... كاد المعلم أن يكون رسولا"، ولن يذكر أحد بيت الشاعر حافظ إبراهيم "الأم مدرسة إذا أعددتها... أعددت شعباً طيب الأعراق"، وستتولى الخوارزميات تربية الجيل بديلاً عن المدرسة وبديلاً عن الأم كمدرسة أيضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اندبندنت عربية" – 30 نيسان 2026
*******************************
التفاهة والتافهون.. أسئلة وتحديات
كتاب "التفاهة والتافهون- أسئلة وتحديات"، الصادر، مؤخرا، عن دار كنوز في الجزائر، باشراف د. مراد قواسمي ود. عبد القادر بوعرفة، هو عمل جماعي نقدي شارك فيه عدد من الكتاب وأساتذة الجامعات في الجزائر، ويندرج ضمن الدراسات الفكرية والاجتماعية التي تناقش مظاهر "التفاهة" وكيف تتجلى في الواقع الثقافي والإعلامي المعاصر، وكيف تحولت إلى ظاهرة متجذرة تتجاوز السلوك الفردي لتكون بنية اجتماعية وثقافية تساهم في إنتاج القيم والمعاني.
ينطلق الكتاب من فكرة مركزية تتمثل في كيفية أن التفاهة غدت عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي العام. ولمقاربة هذه الفكرة جمع المشاركون بين التحليل السوسيولوجي والنقد متعدد الوجوه، مع محاولة فهم السياقات التي سمحت بانتشار "التافه" بوصفه نموذجا مؤثرا في الفضاء العام وصانعا له، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي.
يرى الباحثون المشاركون أن التفاهة أصبحت مرتبطة بمنظومات إنتاج إعلامي واقتصادي، تشكل وتعيد تشكيل مفهوم النجاح والقيمة والمعرفة، ولم تعد مجرد انحراف فردي أو سلوك معزول مرتبط بفرد بعينه. وهنا يناقش الكتاب كيف يتم أحيانا كثيرة تفضيل المحتوى السهل والسريع والمثير على حساب العمق والمعرفة، الأمر الذي يؤدي إلى ترتيب سلم القيم داخل المجتمع من جديد.
كما يتوقف الكتاب عند دور الجمهور المتلقي، حيث يعتبر أن انتشار التفاهة لا يمكن فهمه دون تحليل سلوك المتلقي نفسه، الذي قد يساهم في إنتاج وإعادة إنتاج هذا النوع من المحتوى عبر الاستهلاك والتفاعل والمشاركة. وبالتالي، تصبح التفاهة ظاهرة مشتركة بين الإنتاج والتلقي، وليست مسؤولية طرف واحد فقط.
يوجه الكتاب نقدا حادا للمنظومة الثقافية والتعليمية، ويعتبر أنها في بعض المطارح والسياقات لم تعد قادرة على مقاومة تسطيح المعرفة، أو على إنتاج بدائل فكرية قادرة على المنافسة في فضاء إعلامي سريع ومكثف ولا يتوقف عن الضخ. كما يثير أسئلة حول دور النخب الثقافية في مواجهة هذا التحول، وحدود تأثيرها في زمن تتسارع فيه الصور والمحتويات التي توصف بالتفاهة.
تعدد الأصوات والمقاربات في الكتاب، منحه ثراء في الرؤية وتنوعا في زوايا المعالجة. فهو لا يقدم تعريفا واحدا مغلقا للتفاهة، إنما تعاريف ووجهات نظر متعددة، وبهذا يترك المفهوم مفتوحا للنقاش والتحليل، باعتباره ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
كتاب "التفاهة والتافهون" هو قراءة نقدية لواقع معاصر يزداد فيه حضور السطحية في الفضاء العام، وتحاول فهم أسبابها وآليات اشتغالها، الأمر الذي يجعلها مساهمة في التفكير في مستقبل الثقافة والمعرفة في العصر الرقمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "المجلة" – 29 نيسان 2026
*******************************
الصفحة الحادية عشر
الجديد في المكتبة
• ماركس.. عن الدولة/ تأليف غسان الرفاعي، اصدار: دار الفارابي- بيروت.
• هنا بكى يوسف/ تأملات في الوجع الجميل/ شعر: يوسف المحمداوي، اصدار: دار كوديا- بغداد.
• رخصة السفر/ التاريخ الثقافي لجواز السفر/ تأليف بارتيك بكسبي، ترجمة د. هناء خليف غني، اصدار: دار نابو- بغداد.
• العودة الى ايفتو/ رواية آني ارنو، ترجمة مبارك مرابد، اصدار منشورات الجمل- المانيا.
• مفهوم الجنة والنار في الديانة الايزيدية/ تأليف زهير كاظم عبود، اصدار دار سطور- بغداد.
• عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق صدرت مؤخراً الكتب الآتية:
- التجليات الخفية/ قراءة في شعر غريب اسكندر/ تأليف د. جاسم الخالدي.
- سونة المجنونة/ رواية كريم فاضل القيسي.
- ادب الكرامة/ قراءة في ادب نعيم شريف القصصي/ تأليف عزيز حسن الموسوي.
***************************
التصوّف {الفنّي} عند الأدباء العرب
يحيى القيسي *
يمكن للقارئ أو الناقد، أن يمرّ على عددٍ كبيرٍ من الأعمال الأدبية العربية، التي يشتمّ منها رائحة التصوف، من خلال الموضوع والمعجم اللغوي والتراكيب، لا بل إنّ هناك شعراء وروائيين، كلما ذكروا في محفل أو ندوة تمّ وصفهم بأنّهم من المتصوّفين، فيقال فلان شاعر صوفي، وفلانة روائية صوفية، وبالطبع ظهرت هذه الموجة من الكتابات وأصحابها بشكل أساسي بعد نشر أعمال الحلاج في طواسينه، والنفّري في المواقف والمخاطبات، ومن قبلهم الشيخ الأكبر ابن عربي في رسائله، ونصوص حكمه، وفتوحاته المكية وغيرها.
لقد أصيب عدد كبير من الشعراء الحداثيين العرب، بدهشة لا مثيل لها، وهم يقرؤون نصوصاً مكثفة بلسان عربي مبين، كتبت قبل ألف سنة أو يزيد، ولهذا ظنّ بعضهم أنّ جذور قصيدة النثر تعود إلى هناك، وهذا في رأيي تلبيس غير مقنع، فالسياقات التي نشأت فيها قصيدة النثر العربية الحديثة، منذ أكثر من نصف قرن، وتأثرها بالتجربة الشعرية الغربية والترجمات، تختلف تماماً عن تلك الحالات التي مرّت بها لغة المتصوفة، عبر انشغالها بالترميز العالي، والإشارات بدل العبارات، من أجل التُّقية في الأساس، فلغة المتصوّفة المسلمين ذهبت إلى أقصى درجات التورية والتّخفية والتكثيف، لأنّها في الأساس لغة الباطن لا الظاهر، واللامرئي واللاملموس، ثم إنّ أهل الظاهر من المسلمين قاوموا التصوف وأهله بشدة، ويكفي أن نطلع على مأساة الحلاّج وصلبه، لنعرف كم كان الأمر صعباً على أهل المعارف الباطنية والتجليات الإلهية، أن يتواروا خلف حُجب الكلمات ومعجم "مصطلحات القوم" كما يطلقون عليه.
إنّ فتنة اللغة الصوفية وتقنيات نصوصها، قد استهوت عدداً من الكتاب العرب لينسجوا علي منوالها، ولنا في الرواية مثال واضح هو جمال الغيطاني في كتاب "التجليات" تحديداً، ومن الشعراء عدد لا بأس به، وأبرزهم أدونيس، ومن خلال قراءة أعمال هؤلاء والالتقاء بعدد منهم من قرب، غالباً ما يخرج المرء بشيء من الإحباط، إذ إنّ التصوّف هنا فقط في اللغة أي تصوّف فني، وبشكل يبدو أحياناً تزويقياً، أي كنوع من الحليّ التي تعطي لنصوصهم دفعة إشراقية، وجمالية، وأحياناً تبدو الاستعارات عندهم خبط عشواء، وهم يضعون غالباً المفردات في غير أماكنها أو دلالاتها الحقيقية بدعوى التجديد، والأصل أن على المتورّط منهم في الدخول إلى هذا العالم الباطني المليء بالأسرار والرموز والإشارات، أن يفهم كلّ مفردة، وما دلالاتها الأصلية، ولم قيلت، حتى يستطيع الاشتغال عليها بشكل جديد، والحال أنّ أغلب الكتاب المتصوفين فنيّاً، لا يقتنعون أساساً بالتصوف كرؤية للوجود، وكبديل عن الفكر التقليدي ليقنع العقل والروح والجسد معاً.
بالطبع فإنّ من حقّ الكتاب العرب شعراء وروائيين وقصّاصين، أن يستفيدوا من التراث الروحي الكبير، الذي تركه لنا بعض أجدادنا من العارفين، فهو مفتوح للجميع لا حقوق لنشره وتوزيعه أو الإفادة منه، ولهم أيضا أن ينهلوا من التراث العالمي لغة وموضوعات وأفكاراً، ولكن من غير المعقول أن لا يتم التعرف عميقاً على هذه التجارب قبل تمثلها أو توظيف بعض مفرداتها، ومعرفة الينابيع الأولى والتصدّعات التي خرجت منها وليس وضعها قسراً في نصوص خارج السياق كله.
إنّ بعض النصوص تبدو خادعة ومضللة، حينما تزدحم بالمفردات المسطو عليها من أعمال العارفين الكبار، الذين عرفوها بالمجاهدة والسهر والإشراقات والإلهامات والفيوضات والتنزلات..، فنصوصهم حقيقية خارجة من نفس تعرف تماماً معني تلك المفردات، وتتمثلها في الظاهر والباطن، وتعتقد بفعاليتها في الكون، لهذا فإنّها تصل إلى قلوب المتلقين مباشرة، بينما الأعمال المقلدة لهذه النصوص أو التي تسطو عليها دون دراية فهي تشبه تماماً الفرق بين الجواهر المرصّعة بالأحجار الكريمة، وتلك المزورة التي تشع بريقا خلّبياً سرعان ما ينكشف للناظرين..!
ـــــــــــــــــــــــــ
* روائي وباحث أردني
*****************************
رأي قيود السلوك والفكر النمطي
رجاء فرج
وإنا أتابع مجريات الأمور بشكل عام، سواء في العلاقات الشخصية داخل العائلة، أو في بيئة العمل، أو من خلال بعض المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت أننا غالباً ما نتصرف على وفق ما اعتدنا عليه، أو على وفق ما يفعله الأشخاص الذين نؤمن بهم ونثق بآرائهم بشكل طوعي . وكأننا نعيد إنتاج السلوكيات نفسها دون أن نتوقف لنسأل: هل هذا ما نريده فعلاً أم أنه مجرد انعكاس لما اعتدنا عليه وتوارثناه من أفكار وسلوكيات؟
ومن هنا تبدأ فكرة قيود السلوك النمطي، عندما لا يكون القيد مفروضاً بالقوة، بل يتشكل بهدوء داخل العادات والتكرار والثقة العمياء بالآخرين، حتى يصبح جزءاً من طريقة تفكيرنا من دون أن نشعر.
وهناك قيود داخل العقول يعيش الإنسان فيها مقيداً بالخوف من السؤال ومن الاختلاف وخائفاً أحياناً حتى من التفكير بصوت عالٍ. وهذا هو القيد الفكري؛ ذلك القيد الصامت الذي يجعل الإنسان تابعاً لأفكار لم يخترها بنفسه، بل ورثها أو فُرضت عليه حتى أصبحت جزءاً من حياته.
مثلاً منذ الطفولة يبدأ العقل بتلقي الأوامر والمحظورات، ومع ان بعضها ضروري لبناء الأخلاق والاحترام، الا ان المشكلة تبدأ حين تتحول بعض العادات والتقاليد إلى سلطة لا تسمح بالنقاش. فبدلاً من أن تكون وسيلة لتنظيم المجتمع، تصبح أحياناً أداة لإلغاء شخصية الفرد، فيتعلم الإنسان أن الطاعة أهم من الفهم، وأن السكوت أكثر أماناً من التعبير عن الرأي.
ويظهر أثر هذا السلوك النمطي المفروض بوضوح على الطفل الذي يُمنع دائماً من السؤال أو يُعاقب بسبب رأيه، ويكبر وهو يشعر أن التفكير الشخصي خطر يجب تجنبه. ومع الوقت يفقد ثقته بنفسه، ويصبح تابعاً يخشى اتخاذ القرار أو التعبير عن مشاعره، لأنه اعتاد الخوف من الوقوع باالخطأاو تأنيب الآخرين له .
أما العامل أو الموظف، فقد يتعرض لنوع آخر من السيطرة الفكرية، حين يُجبر على الصمت أمام الظلم خوفاً من خسارة عمله أو مكانته. فبعض المتسلطين يستغلون حاجة الإنسان للرزق، فيفرضون عليه الطاعة المطلقة، حتى لو كان ذلك على حساب كرامته أو راحته النفسية. ومع استمرار الضغط، يفقد الإنسان إحساسه بقيمته، ويتحول العمل من وسيلة للحياة إلى عبء نفسي قائم على الخوف من فقدان سبب المعيشةً..
وكثيراً ما اسمع عن هذا النوع من التبرير، وعندما أحاول مناقشة بعض الأخطاء أو الممارسات غير الصحيحة، ففي الوظيفة مثلاً يكون الرد ببساطة:(صار سنين نمشي على هاي الطريقة وعادي محد يحچي ).
وكأن مرور الوقت على الخطأ يمنحه الشرعية، وكأن صمت الناس دليل على صحة ما يحدث، لا على اعتيادهم عليه.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد فقط، بل ينعكس على المجتمع بأكمله. الذي يخاف أفراده من التفكير والنقد و يكرر نفسه دون تطور. فتقل فيه روح الإبداع، وتضعف فيه القدرة على مواجهة المشكلات، لأن الجميع ينتظر من يفكر نيابة عنه أو يقرر بدلاً عنه،.
قد يكون القيد شخصاً متسلطاً يمتلك القدرة على التحكم بالآخرين. هناك من يصنع حول نفسه هالة ، فيجعل الناس يصدقون أن رأيه لا يُناقش، وأن مخالفته تعني الخروج عن الحق وعن طبيعة الأمور . وكأن هذا المتسلط لاعب دمى يحرك الخيوط كما يشاء ، بينما يظن الجميع أنهم أحرار في حركتهم واختياراتهم.
وقد يتحول السلوك الفكري النمطي مع مرور الزمن إلى حالة يعتادها الإنسان حتى تصبح جزءاً من حياته اليومية. فبعض الأشخاص يعيشون سنوات طويلة تحت سلطة الخوف أو التبعية حتى يفقدوا الرغبة في التغيير، ويقتنعوا بأن ما يعيشونه هو الوضع الطبيعي الذي لا يمكن الخروج عنه. وهنا تكمن خطورة الأمر، لا يعود يشعر بأنه مقيد، بل يصبح راضياً بقيوده ومدافعاً عنها أحياناً. بل ويهاجم اقرب الناس اليه ان خالفه الرأي او الاتجاه
والأخطر من ذلك أن السلوك الفكري النمطي لا يظهر فجأة، بل يتسلل ببطء حتى يعتاده الإنسان. والغريب حتى الطائر الصغير الذي يوجده تحت شجرة لا يقوى على الطيران كونه بحجم صغير وقمنا بالاعتناء به داخل قفص خشبي فتعود علينا وعلى البيت وعندما اصبح قادراً على الطيران فتحنا له باب القفص فتردد في الطيران ، بل ربما خاف منه، لأن الحرية بالنسبة إليه شيء مجهول، بينما القفص أصبح مكاناً مألوفاً يمنحه شعوراً زائفاً بالأمان.
ومع ذلك، يبقى الوعي قادراً على كسر هذه القيود. فالقراءة، والحوار، والتفكير النقدي، تمنح الإنسان قوة داخلية تجعله يميز بين الاحترام الواعي للعادات وبين الخضوع الأعمى لها. كما أن التربية التي تشجع الطفل على السؤال، وتحترم رأيه، تصنع إنساناً أكثر ثقة ووعياً وقدرة على مواجهة محاولات السيطرة.
إن حرية الإنسان تبدأ من عقله، لأن العقل الحر قادر على رفض الظلم، وكشف التلاعب، وبناء مستقبل لا تتحكم به القيود القديمة ولا أصوات المتسلطين. فحين يتحرر الفكر، يصبح الإنسان أكثر قدرة على أن يعيش حياته بكرامة ووعي واختيار حقيقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*قاصة ومترجمة من بغداد
**********************************
الفوتوغرافي جوزيف كورنيل: السريالية كحنين مؤجل
أميرة ناجي*
الآن أيها المسافر.. الحاجة التي لا توصف والتي لم تُمنح قط من الحياة والأرض.. الآن أيها المسافر أبحر لتبحث وتجد بهذه الروح التي بثها والت ويتمان في ديوانه "أوراق العشب" يمكن الاقتراب من العالم الداخلي للفنان جوزيف كورنيل ذلك العالم الذي لم يتشكل عبر السفر بقدر ما تشكل عبر الحلم. في مذكراته يلتقط جوزيف كورنيل لحظة عابرة لكنها مشحونة بالدلالة حين يرى مارلين ديتريش في الشارع خارج إطار الشاشة لحظة عادية ظاهريًا لكنها تتحول في داخله إلى طاقة تخييلية تعود لتنبض في أعماله لاحقًا حيث تتداخل الصورة مع الذاكرة ويتحول العابر إلى أثر دائم. لم يكن كورنيل مجرد فنان بل كان صانع عوالم خفية يرى نفسه مسافرًا من وراء كرسيه قريبًا في ذلك من شارل بودلير حيث تتجسد الرغبة في السفر دون مغادرة والحب دون تحقق.
لقد عاش في نيويورك لكنه عبر الكون بخياله وجمع من متاجر الخردة عناصر مهملة ليعيد تشكيلها داخل صناديق صغيرة تبدو محدودة لكنها تنفتح على اتساع لا نهائي من المعاني. تتجاور في هذه الصناديق مفردات متباينة من هوليوود ونجومها إلى راقصات الباليه والطيور والفنادق وعناصر من عصر النهضة لتشكل معًا كونًا بصريًا يقوم على التوازي بين الحلم والذاكرة بين الواقع والاحتمال حيث يتحول الشيء العادي إلى حامل لدهشة غير متوقعة. في هذا السياق يمكن قراءة تجربة جوزيف كورنيل بوصفها صدى عميقًا لأفكار والت ويتمان حول الرغبة الدفينة تلك الرغبة التي لا تجد تحققها الكامل داخل شروط الحياة لكنها تستمر في التوهج بوصفها دافعًا داخليًا نحو الاكتشاف ويتقاطع هذا المعنى مع فيلم Now Voyager الذي جسدته بيت ديفيس حيث يتحقق الحب بوصفه إمكانية ناقصة لكنه يظل محتفظًا بعمقه الإنساني. هنا لا تكون السريالية هروبًا من الواقع بل إعادة تشكيل له عبر تصادم الحقائق داخل فضاء تخييلي مكثف حيث تتجاور العناصر دون أن تفقد خصوصيتها بل تكتسب دلالات جديدة عبر هذا التلاقي لقد استخدم كورنيل مواد بسيطة لكنه منحها بعدًا زمنيًا وروحيًا جعلها قادرة على الاستمرار في التأثير متجاوزة لحظة إنتاجها. إن صناديقه ليست مجرد أعمال فنية بل هي عوالم مصغرة تحتضن فكرة الكون ذاته.. الداخل فيها أوسع من الخارج والزمن فيها متداخل والذاكرة فيها حية تتحرك بين الأشياء وكأنها تنبض من جديد، لذلك تبقى تجربته مفتوحة على التأويل لأنها لا تقدم معنى واحدًا بل تتيح للمتلقي أن يعيد اكتشاف ذاته داخلها.
بهذا المعنى يمكن القول إن جوزيف كورنيل لم يكن يوثق العالم بل كان يعيد اختراعه ولم يكن يسافر في الجغرافيا بل في الداخل، ولم يكن يبحث عن الحب في الواقع بل يصوغه في الخيال لذلك تبدو أعماله حتى اليوم وكأنها دعوة خفية للعبور نحو ما لم يتحقق بعد.. نحو تلك الرغبة التي أشار إليها والت ويتمان بوصفها الطريق الأصدق إلى المعنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* ناقدة وفنانة تشكيلية
***********************************
نافذة على الآخر
ونيس المنتصر
يمشي الناسُ بلغاتٍ كثيرة
لكنَّ الخبزَ يفهمهم جميعًا..
امرأةٌ تفتح نافذتها
فتدخلها رائحةُ قهوةٍ
من بيتٍ جار
يختلفُ معها في الصلاة
ويشبهُها في خوفِ الأمّ
على الغد...
طفلٌ يرسم شمسًا
ولا يُسأل: لأيِّ سماءٍ تنتمي
فالشمسُ لا تعرفُ الحدود..
وعجوزٌ يقتسمُ رغيفه
لأنَّ الجوعَ أقدمُ من العقائد
وأصدقُ من الشعارات..
ما أقسى الإنسانَ
حينَ يظنُّ أنَّ السماءَ لا تتكلّمُ
إلّا بصوتِه
وما أجملَهُ
حينَ يتركُ للآخر نافذتَهُ مفتوحةَ
دونَ أنْ يرشقَها
بحجرِ اعتقادِه الصلد
ذلك الاعتقادُ الذي ينسى
أنَّ الحقيقةَ بحرٌ
وأنَّ الأرواحَ أنهارٌ
لا تصلُ إلى الله
بالطريقِ نفسه..
البحرُ لا يسألُ الأنهارَ
من أينَ جاءت
ولا بأيِّ لغةٍ تغنّي
يضمُّ مياهَها ويصيرُ أكبر..
والغابةُ لا تفرضُ على الأشجارِ شكلًا واحدًا
ومع ذلك… ينامُ الطيرُ فوقَ الجميع..
لسنا نُسخًا متكرّرةً في مرآةِ الله
بل شظايا نور
كلُّ روحٍ تفتحُ زاويةً للحقيقة
ولهذا
يبدو العالمُ جميلًا
رغمَ كلِّ ما فيه من ندوب..
فالقلبُ الواسعُ
لا يخافُ المرايا الجديدة
والمحبّةُ ليستْ أنْ ترى نفسَكَ
في الآخرين
بل أن ترى اللهَ
وهو يوزّعُ نورَهُ
بطرائقَ لا تُشبهُك..
ما دامَ قلبُكَ
لا يُخفي خنجرًا
تحتَ عباءةِ الكلام.
**********************************
الصفحة الثانية عشر
رابطة المرأة تحتفل بالأطفال في يومهم العالمي
بغداد – رفاه المعموري
في مناسبة يوم الطفل العالمي الأول من حزيران، أقامت رابطة المرأة العراقية الاثنين الماضي في بغداد، احتفالية للأطفال تحت شعار "أطفال العراق ثروة الحاضر وصناع المستقبل".
الاحتفالية التي أقيمت على قاعة منتدى "بيتنا الثقافي"، حضرها عدد من الرابطيات وعائلاتهن، وجمع من الأطفال المنتسبين إلى "مكتبة الطفل العراقي" التابعة إلى رابطة المرأة العراقية في مدينة الثورة (الصدر).
وبعد الترحيب بالحاضرين وتعريف الأطفال بيومهم العالمي وأهميته، قرأت رئيسة الرابطة شميران مروكل، بيان الرابطة في المناسبة، وأشارت فيه إلى "المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه أطفال العالم وأطفال العراق على وجه الخصوص، الذين لا يزال كثيرون منهم يعانون الفقر والنزوح والحرمان من التعليم والرعاية والأمان"، مشددة على أن "الأطفال ليسوا مجرد مستقبل قادم، بل هم حاضر يستحق الحياة الكريمة والفرح والحماية الكاملة".
ثم ألقت عضو سكرتارية الرابطة د. خيال الجواهري، كلمة قدمت فيها نصائح تربوية للأطفال، مشيرة إلى أهمية التعليم ودوره في بناء الشخصية وتنمية القدرات وصناعة مستقبل أفضل.
وتضمّن الحفل فقرات فنية وترفيهية متنوعة قدمتها عضو سكرتارية الرابطة سهيلة الأعسم بمشاركة الأطفال، وشملت مسابقات وألعابا وأناشيد وفقرات تفاعلية أضفت أجواء من البهجة والسرور.
كما نُظمت فقرة للرسم الحر عبّر خلالها الأطفال عن أحلامهم وتطلعاتهم بألوانهم ورسومهم التي عكست براءة الطفولة وأملها في المستقبل.
وفي الختام، وزعت الرابطيات هدايا وألعابا على الأطفال.
*********************************
في البصرة {جيكور} يحتفي بالفنان يوسف نصّار
البصرة - طريق الشعب
احتفى "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة أخيرا، بالفنان الموسيقي يوسف نصّار وتجربته، في جلسة حضرها جمع من المثقفين والأدباء ومتذوقي الموسيقى.
الجلسة التي التأمت على "قاعة الشهيد هندال" في مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة، أدارها د. عباس الجميلي، واستهلها بالحديث عن سيرة الضيف.
بعدها سرد نصار خطوات مسيرته الفنية منذ طفولته، وبدايات تعلّقه بالموسيقى، فضلا عن بداياته مع التلحين، وأبرز الشعراء والمطربين والمطربات الذين تعاون معهم.
ثم قدم فقرة موسيقية بالاشتراك مع ولده الفنان علي يوسف وزميله أحمد.
وكانت لعديد من الحاضرين مداخلات عن تجربة نصّار، الذي تسلم في نهاية الجلسة شهادة تقدير من "ملتقى جيكور".
*****************************
معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب
دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:
• معن مهدي صالح 200 دولار
• حسين توفيق علاوي 100 الف دينار
الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.
معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.
******************************
يوميات
• دعا قسم الشؤون الثقافية في أمانة بغداد إلى أمسية بعنوان "تجوال في كتاب (الجواهري.. الليالي والكتب)" لكاتبه صباح المندلاوي، وذلك استذكارا لمسيرة شاعر العرب الأكبر الأدبية والوطنية، ولتسليط الضوء على محطات مهمة من حياته.
يتحدث في الأمسية الأستاذ سامي عبد علي. وتكون البداية في الساعة 6 مساء في "بيت الجواهري" بحي القادسية خلف مستشفى اليرموك.
• يُضيّف منتدى "بيتنا الثقافي" في بغداد بعد غد السبت، الكاتب مغديد حاجي، ليلقي محاضرة في مناسبة الذكرى الستين لمعركة هندرين التاريخية 1966، ويتحدث عن كتابه "ملحمة هندرين".
تكون البداية في الساعة الثانية عشرة ظهرا على قاعة المنتدى في ساحة الأندلس.
• يعقد اتحاد الأدباء والكتاب في واسط بعد غد السبت، جلسة استذكار للشاعر د. زاهد محمد زهدي، في مناسبة مرور 25 عاما على رحيله، وتخليدا لدوره الإبداعي والوطني.
تبدأ الجلسة في الساعة 4 عصرا على قاعة منتدى الشباب في قضاء الحي.
****************************
اما بعد.. كوثر ورُقيةّ وغزل.. عار التخلف والإجرام
منى سعيد
ترى كيف نتصور حال والدة الضحية، كوثر ذات الخمسة عشر عاما، وهي تستمع بكل حواسها لاهازيج حفلة الدم بمقتل طفلتها، بعدما رفضت الزواج من ابن عمها ؟!.
أكيد أن لرفض الطفلة أسبابا يسهل التكهن بها، أولها كبر سن ابن العم " الشفيّة" مقارنة بسنوات عمرها، ومن ثم رغبتها في إكمال مسيرة حياتها في الدراسة والنضج (سيما وقد ظهرت في صورتها الوحيدة المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ترتدي اللباس المدرسي)، أو ربما لمجرد عدم رغبتها بالزواج أصلا.
نتخيل عنادها الشجاع في مواجهة الموت وهي تواصل رفضها بصمود يشبه مواقف الإبطال الثوار، حين تدافع بدمها عن حقها في قول "لا!".
تذكر الإخبار المتداولة بعد الجريمة أن المجرمين قطعوا كفيها، وضربوا رأسها بالفأس، ثم أطلقوا ثلاث رصاصات على صدرها "غسلا للعار"! فلا ادري إن كان هؤلاء ينتمون للبشر أم لفصيل وحوش بلا قلب ولا رحمة.
تاريخ من الظلم والاضطهاد لحق بالمرأة العراقية منذ عقود، رغم سعيها للتخلص من قيود التخلف والتقاليد العشائرية الظالمة. ويكفي ان نذكر بطلات مثل المحامية صبيحة الشيخ داوود وأسماء الزهاوي وبولينا حسون و نزيهة الدليمي وأخريات من رابطة المرأة العراقية، جهدن ويجهدن لترسيخ مكانة المرأة في المجتمع ونيل حقوقها كاملة. ومع ذلك تشير الإحصاءات الرسمية إلى أكثر من إلف وخمسمائة جريمة مشابهة تحدث عندنا سنويا، باسم "غسل العار".
أما الجريمة الأخرى التي حدثت في اليوم نفسه وهزت مجتمعنا العراقي، فلا تقل بشاعة وإجراما عن الأولى. أبطالها مرضى نفسيون اعتدوا على الطفلتين رقية وغزل، ويا محلى اسميهما. والمصيبة كما تذكر الإخبار أيضا، ان والديهما اختلفا وانفصلا، وبقيت الطفلتان برعاية الوالدة وأهلها، في حين تنصَّل الوالد (المحترم) عن واجب دفع النفقة لهما. فهدده خالهما بالاعتداء عليهما إذا لم يدفع! فلما لم يمتثل الوالد أقام الخال مع العم حفلة الاعتداء الشنيع على الطفلتين (4 و5 سنوات). ولم يكتفيا بذلك بل وأغرقا الضحيتين بماء بزل الديسم في مدينة الصدر. وحسب التقرير الطبي تعرضا للضرب والعض وحتى الخنق أيضا.
وبعد السخط الهائل والادانة الشديدة للجريمة الشنعاء، تبقى علينا المطالبة الملحة بوجوب المجابهة الشاملة للعنف الاسري، وحماية الأسرة استنادا لدستور 2005 الذي يحظر العنف المذكور، وتطبيق نصوص قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1959، إضافة الى العمل الحثيث على إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، المخبأ بين إدراج البرلمان منذ سنوات..
***************************
قف.. عن نظرية {الضوء في النفق}
عبد المنعم الأعسم
في كل مرة، يتحدثون عن أن هناك ضوءًا في النفق المظلم، المسكون بالعقارب والعفاريت، تخذلهم هذه النظرية البايخة، بعد أن يثبت ذلك الذي راهنوا عليه أنه لا ضوء، ولا نفق، ولا هم يحزنون:
عندما جاءوا بالسيد محمد شياع السوداني إلى منصب إدارة سلطة القرار، انطلقت نسخة منقحة من هذه النظرية، برغم أنهم الزموه بطائفة من الممنوعات وكان الأمر، كما يقول كافكا "يشبه أن تقف في منتصف غرفة لا يُسمح لك بالاستناد على شيء" حيث التزم الرجل "الضوء" باللعبة ولوازم العودة، في كل القضايا المصيرية و"المالية" إلى صنّاع تلك اللعبة الذين لا يكفون عن الترحيب بمسار الحكومة ورئيسها، وبالضوء، الذي لا وجود له، في النفق الذي حشروا البلاد فيه.
المولعون بنظرية "الضوء في النفق" لا يكفّون، الآن، عن العزف على ذات الوتر المخادع، في وقت يمضي "الفرهود المقدس" لحيتان اللعبة على ما تبقى من أسلاب الدولة، حتى قبل أن تستكمل الحكومة قوامها. اما كاتب السطور، فقد حاول، بكل ما يملكه من قطع غيار حسن الظن، أن يلتقط ذلك الضوء الذي يتحدثون عنه في النفق، فكانت النتيجة، ان النفقَ موجودٌ.. والضوء لا وجود له.
*قالوا:
"معنى الكذب، وضْع الأشياء في غير مواضعها".
أفلاطون
********************************
الأنصار والكيمياوي شهادات الألم والصمود
بغداد – طريق الشعب
يقيم "ستوديو الأنصار الشيوعيين" بعد غد الجمعة، أمسية بعنوان "الأنصار والكيمياوي: شهادات الألم والصمود"، وذلك عبر منصة التواصل الاجتماعي "زوم".
وتأتي هذه الأمسية في مناسبة ذكرى الهجوم الغادر الذي شنه النظام البعثي المباد يوم 5 حزيران 1987، على مواقع الأنصار في مقر قاطع بهدينان، وتحديدا مقر زيوة، مستخدما الأسلحة الكيمياوية، في جريمة سبقت مأساة حلبجة وشكلت خرقا فاضحا للمواثيق والأعراف الدولية.
يتحدث في الأمسية كل من الأنصار عامل الخوري (أبو علي مشمش)، احسان خلف (أبو هيفاء)، سلام العطار (عمودي) وفاضل محمد (أبو تغريد). بينما يديرها النصير مزهر بن مدلول (أبو هادي).
تبدأ الأمسية في الساعة التاسعة مساء بتوقيت بغداد، والثامنة مساء بتوقيت وسط أوربا. وتبث عبر منصة زوم على الرابط:
https://us02web.zoom.us/j/2394882779
كما تُبث عبر صفحة "ينابيع العراق" في فيسبوك، على الرابط:
https://www.facebook.com/yanabe3aliarq
****************************
اصدار أحداث وتقارير كتبت مع أوجاع كورونا
عن "مكتبة الياسمين"، صدر حديثا كتاب بعنوان "أحداث وتقارير كتبت مع أوجاع كورونا"، من تأليف د. غازي موسى الخطيب.
يتناول الكتاب أحداثا حصلت خلال فترة وباء كورونا. ويقدم تقارير كتبت عن تلك الفترة.
يقول المؤلف في المقدمة: "كان مرض كورونا خطرا وبيلا جابهته الإنسانية بكل أسلحتها. فقد عانت البشرية منه الألم الكثير وكان الجيش الأبيض، ليس في العراق فقط، بل في كل بقاع العالم، الدرع الواقي من هذا المرض اللعين".
يقع الكتاب في 251 صفحة من القطع الكبير.