كشفت مصادر أمنية عراقية لـ"إرم نيوز" عن شروع فصائل مسلحة موالية لإيران في تجميد مكافآت ومخصصات مالية تصل إلى 400 دولار شهرياً لبعض مقاتليها، وتحويل الأموال المتوفرة إلى الحرس الثوري الإيراني، بناءً على توجيهات مباشرة من قيادة فيلق القدس، في تحوّل لافت باتجاه التدفقات المالية بين طهران وحلفائها العراقيين.
وقالت المصادر المطلعة على تفاصيل هذا الملف، إن الإجراءات شملت بصورة رئيسية كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، دون المساس بالرواتب الرسمية التي يتقاضاها منتسبو هيئة الحشد الشعبي من الموازنة العراقية، فيما تشير تقديرات أمنية إلى تحويل ما بين 150 و200 مليون دولار من موارد الفصائل وشبكاتها الاقتصادية إلى جهات مرتبطة بإيران خلال الأشهر التسعة الماضية.
وتأتي المعلومات بعد إعلان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، في 16 أكتوبر، أن جماعات مسلحة مرتبطة بإيران بدأت حجب مستحقات مقاتليها وتحويل الأموال إلى الحرس الثوري، الذي يواجه بدوره صعوبات مالية حادة نتيجة الحرب والعقوبات والحصار البحري.
لكن المصادر الأمنية العراقية التي تحدثت إلى "إرم نيوز" نفت قيام الفصائل بقطع رواتب مقاتليها بالكامل، نظراً لأن الغالبية العظمى منهم مسجلون رسمياً تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، وتصرف رواتبهم بانتظام من موازنة الدولة العراقية العامة التي خصصت للهيئة نحو 3.6 مليار دولار. مؤكدةً أن القطع يشمل فقط "المكافآت" التي يحصل عليها المقاتلون في الفصائل الأكثر قرباً من إيران.
400 دولار تختفي من مستحقات المقاتلين
توضح المصادر أن مقاتلي بعض الوحدات المرتبطة بكتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء كانوا يحصلون على مكافآت استنفار ومرابطة ميدانية تتراوح بين 300 و400 دولار شهرياً، تضاف إلى رواتبهم الحكومية المقدرة بنحو 800 إلى 850 دولاراً (مليون و250 ألف دينار عراقي).
وأضافت أن هذه المكافآت كانت تُصرف نقداً أو ضمن مخصصات لوجيستية وعائلية تديرها المكاتب الاقتصادية للفصائل، قبل اتخاذ قرار بتجميدها بالكامل أو خفضها إلى مستويات محدودة.
وبحسب المصادر، أُبلغ المقاتلون شفهياً بأنَّ وقف المخصصات مؤقت، ويرتبط بمتطلبات "المعركة الإقليمية الكبرى ودعم جبهات المحور"، دون إصدار تعميمات مكتوبة يمكن تتبعها.
وأكدت أن الإجراءات أثارت تذمراً داخل بعض تشكيلات النجباء، خصوصاً بين مقاتلي الصفين الثاني والثالث، الذين فوجئوا بتراجع مستحقاتهم بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
أوامر من فيلق القدس
وكشفت المصادر أن قرار تحويل الموارد لم يكن مبادرة طوعية من المكاتب الاقتصادية، بل جاء استجابة لتوجيهات من قيادة فيلق القدس، نُقلت عبر مجالس الشورى الخاصة بالفصائل الأكثر ارتباطاً بطهران.
وأشارت إلى أن عصائب أهل الحق ومنظمة بدر سلكتا مساراً مختلفاً، إذ لم تشهد تشكيلاتهما استقطاعات مباشرة مماثلة، وإنما جرى تخصيص أجزاء من أرباح الاستثمارات التجارية والعقارية والمقاولات التي تديرها مكاتبهما الاقتصادية.
ووفق المصادر، لا تمثل تقديرات الـ150 إلى 200 مليون دولار قيمة المكافآت المجمدة وحدها، وإنما تشمل تدفقات استثنائية من مصادر متعددة، جرى تجميعها وتحويلها على دفعات خلال أشهر الحرب.
انقلاب اتجاه التمويل
وتتقاطع المعلومات مع تصريحات الأدميرال براد كوبر، التي نقلها موقع "أكسيوس"، بشأن تحوّل الجماعات المسلحة التي اعتادت تلقي التمويل الإيراني إلى تقديم دعم مالي للحرس الثوري.
وقال كوبر إن الحصار البحري الأمريكي تسبب بخسارة إيران نحو 25 مليار دولار من عائدات النفط، وفق التقديرات الأمريكية، فيما جرى تجميد أصول مشفرة مرتبطة بإيران بقيمة 350 مليون دولار خلال الأسابيع الأخيرة.
وتكشف التصريحات حجم الضغوط المالية التي تقول واشنطن إنها تواجه المؤسسة العسكرية الإيرانية، لكنها لا تحدد أسماء الفصائل العراقية التي حجبت مستحقات مقاتليها أو حجم الأموال التي حوّلها كل فصيل.
المصارف وشبكات الأموال
وفي تطور متصل، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في 15 أكتوبر، عقوبات على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار العراقي، متهمة إياه بتسهيل وصول إيران إلى الدولار والاحتفاظ بعلاقات مع مؤسسات إيرانية وجماعات مسلحة عراقية.
وقالت الوزارة إن المصرف استخدم رؤوس أموال إيرانية في أنشطته، وحوّل أرباحاً بالدولار إلى إيران بصورة شهرية، ضمن شبكة مالية مرتبطة بممول يعمل لصالح فيلق القدس.
في المقابل، رفض المصرف الاتهامات الأمريكية، مؤكداً التزامه بالتعليمات المصرفية واستعداده للتعاون مع الجهات الرقابية لتوضيح الوقائع.
وبحسب المصادر الأمنية العراقية، تعتمد الفصائل أيضاً على السيولة النقدية والوسطاء الماليين والمحافظ الرقمية لنقل بعض مواردها خارج القنوات المصرفية التقليدية.
التمويل المعكوس يكشف أزمة الفصائل
من جهته، يرى الباحث العسكري والإستراتيجي محمد يوسف النور، أن تحول الفصائل العراقية من تلقي التمويل الإيراني إلى المساهمة في تمويل الحرس الثوري يعكس اختلالاً في النموذج الذي قامت عليه علاقة طهران بحلفائها المسلحين. فهذه التنظيمات اعتمدت لسنوات على الدعم المالي والعسكري الإيراني، لكنها باتت تواجه مطالب بتحمل جزء من الأعباء الاقتصادية للمواجهة الإقليمية.
ويقول النور لـ "إرم نيوز" إن خطورة هذا التحوّل تبرز عندما تمتد الإجراءات إلى المخصصات التي يحصل عليها المقاتلون؛ لأن تلك المكافآت ليست مجرد حوافز مالية، بل إحدى أدوات المحافظة على الانضباط والولاء داخل التشكيلات المسلحة.
ويشير الخبير إلى أن الاعتماد على أرباح المكاتب الاقتصادية يطرح تساؤلات بشأن استخدام موارد عراقية لدعم مؤسسة عسكرية أجنبية. ويخلص إلى القول بأنه "إذا استمرت هذه التحويلات، فقد تتزايد الضغوط الداخلية على قيادات الفصائل، خاصةً مع اتساع الفجوة بين مصالح المقاتلين ومتطلبات الارتباط بطهران".