إرم نيوز
طوى البرلمان العراقي أكثر من خمسة أشهر من التعطيل السياسي وعمل الحكومة بوزارة ناقصة، ليعلن استكمال التشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء علي الزيدي عقب حسم مرشحي الحقائب الشاغرة والتصويت على مناصب نواب رئيس الوزراء، واستحداث وزارات جديدة.
ومع صعود الدخان الأبيض من قبة البرلمان، تتكشف ملامح مشهد معقد يتجاوز نطاق "الإنجاز الإداري"، ليعكس تسوية سياسية استرضائية صيغت في الغرف المغلقة، وتمازجت فيها حسابات المحاصصة الحزبية مع الفصائل المسلحة وضغوط التوازنات الإقليمية والدولية.
وفيما يُطرح هذا التمرير كضرورة أمنية لمواجهة الملفات الملتهبة، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة والتحديات الاقتصادية، تطفو على السطح تساؤلات حادة حول مدى قدرة الكابينة الحكومية على الثبات، وعما إذا كان تقاسم المغانم مجرد "حقنة تخدير" لتأجيل مواجهة الاستحقاقات الكبرى.
وجاءت جلسة التصويت لتنهي حالة الشلل التي رافقت حكومة الزيدي منذ منحها الثقة الجزئية في مايو/أيار الماضي بتمرير 14 وزيراً من أصل 23.
وقد فرضت التطورات الإقليمية الضاعطة على القوى السياسية الوصول إلى توافقات شاملة، تُوّجت بالتصويت على تسع حقائب وزارية شاغرة في مقدمتها وزارتا الداخلية والدفاع، إلى جانب استحداث ثلاث وزارات جديدة وتسمية نواب لرئيس الوزراء.
صفقات خلف الأبواب
تعدى المشهد حدود التفاهمات المعلنة؛ إذ تكشف مصادر خاصة لـ "إرم نيوز" أن كواليس الأيام الأخيرة شهدت صفقات معقدة وتفاهمات اضطرارية خلف الكواليس خضعت لتوازنات الفصائل المسلحة، والتوافقات الإقليمية، وصولاً إلى الضوء الأخضر الدولي.
وكان التطور الأكثر سخونة يتمثل في تعيين ليث الخزعلي، شقيق زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، نائباً لرئيس الوزراء، وهو التعيين الذي فجّر غضباً وانتقادات أمريكية حادة في الكونغرس، ووصفه عضو الكونغرس جو ويلسون بأنه خطوة "مثيرة للغضب".
مصادر دبلوماسية كشفت لـ "إرم نيوز" أن واشنطن أعطت في الواقع "ضوءاً أخضر تكتيكياً" لرئيس الوزراء علي الزيدي لتمرير وزراء ونواب مرتبطة أسماؤهم بفصائل قريبة من طهران.
والهدف الأمريكي من هذا التغاضي التكتيكي هو منح الزيدي أوراقاً وسيولة سياسية تمكنه من فتح مسار التفاوض حول ملف "حصر السلاح بيد الدولة"، وتمديد مهلة تسليم سلاح الفصائل حتى يونيو/حزيران 2027 كخيار لتجنب الصدام المباشر، مقابل ضمانات صارمة بعدم استهداف المصالح الأمريكية في العراق.
وفي ملف الوزارات الأمنية، حُسمت حقيبة الداخلية لصالح ياسر المالكي والدفاع لصالح نايف الشمري بناءً على توافقات مسبقة وطبخة أعدت في أروقة "تحالف إدارة الدولة"، حيث كان طرح الأسماء الاحتياطية داخل قبة البرلمان إجراءً شكلياً بحتاً لإخراج الاتفاقيات المبرمة مسبقاً تحت ضغط المخاطر الإقليمية.
ولم تخلُ الجلسة من معارك الترضية وتشتيت القرار؛ إذ فجّر استحداث وزارات مثل "وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا" انتقادات واسعة، واعتُبرت مناصب ترضية سياسية لتوسيع نفوذ كتل معينة (مثل كتائب الإمام علي لتعويضهم عن مناصب أخرى).
كما امتدت الخلافات إلى المكون الكردي بعد سقوط مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فارس البريفكاني لمنصب النائب الرابع، إثر اعتراضات نيابية شيعية رأت أن الحزب الكردي استوفى استحقاقه الانتخابي بالكامل، فضلاً عن الخلافات الداخلية التي لم تحسم في أربيل بعد.
وقد واجهت هذه التعيينات اعتراضات قانونية ودستورية حادة من نواب معارضين ومستقلين؛ حيث أشار نواب إلى أن التوسع في مناصب نواب رئيس الوزراء يخالف صريح المادة 139 من الدستور، ويخلق مراكز قرار متعددة تعمل على إضعاف السلطة التنفيذية وتكبيل رئيس الوزراء، حتى وإن أعلن الزيدي أن نوابه سيعملون ميدانياً ودون رواتب أو مخصصات مالية.
مستقبل الحكومة
في تحليل لطبيعة المرحلة المقبلة، أوضح رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور غازي فيصل لـ"إرم نيوز"، أن منح الثقة واستكمال التشكيلة الوزارية لا يعدو كونه "حقنة تخدير" لتمرير الأوضاع السياسية عقب أزمات وانقسامات ممتدة.
وفي إجابته عن المسارات المتوقعة للحكومة ومستقبل رئيسها وعلاقاتها الإقليمية، يقدم الخبير الاستراتيجي قراءة مفصلة لمسارات المشهد العراقي، فحول حقيقة التوافق ومستقبل رئيس الحكومة اعتبر أن منح الثقة الحالية ليس مؤشراً على انتهاء الخلافات العميقة داخل البيت السياسي العراقي أو الإطار التنسيقي، بل هو مهدئ مؤقت.
وذكر أن القوى والأحزاب السياسية تنظر إلى السلطة والوزارات بوصفها "غنيمة" استراتيجية واقتصادية تُستغل لتغذية الصناديق المالية للأحزاب وتعزيز النفوذ الحزبي.
وأشار فيصل إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي يواجه عوائق كبرى تهدد مستقبله السياسي، أبرزها "الترهل الحكومي" وتعدد مراكز القرار التي فُرضت عليه؛ فالأحزاب التي أتت بالزيدي قامت بفرض نواب ووزارات مستحدثة تسببت في تقييد حركته وخنقت مركزية القرار التنفيذي.
وحول مدى استمرارية ما سُمي بـ "صولة الفجر" لمكافحة الفساد، يرى فيصل أن المحاصصة الطائفية والشراكات الحزبية تمثل البنية التحتية والبيئة الحاضنة للفساد في العراق، وأن الحملات المعلنة لن تتمكن من المساس بـ "حيتان الفساد" أو المنظومات المالية المعقدة التي هدرت واستنزفت مئات المليارات من الدولارات (والتي تشير التقديرات إلى تراوحها بين 900 مليار وتريليوني دولار منذ عام 2006).
وأوضح فيصل أن المنظومة الحاكمة ترتبط بشركات ومصارف وهمية وفصائل تمتلك إمكانيات مالية ضخمة تُوظف في شبكات اقتصادية إقليمية؛ ما يجعل أي محاولة حقيقية لمكافحة الفساد تصطدم بالجدار السياسي الحاكم، ما لم يجرِ تغيير جوهري في منهج إدارة الدولة وإلغاء منطق الاحتكار السياسي وإرساء التداول السلمي للسلطة.
أما عن مستقبل علاقات العراق الإقليمية وسط المتغيرات الكبرى فيرى رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية أن حكومة الزيدي أمام خريطة إقليمية شديدة التعقيد والتغير؛ فمن تداعيات الحرب الإيرانية إلى الانسحاب الأمريكي من العراق وتحول المشهد السياسي في سوريا، يجد العراق نفسه في قلب التجاذبات.
ويشير إلى أن النفوذ الإيراني المباشر في تفاصيل تشكيل الحكومة واختيار المسؤولين يضع القرار السيادي العراقي في مواجهة دائم مع الرؤية الأمريكية.
ورغم التفاهمات التكتيكية المؤقتة لمنح مهلة لملف السلاح حتى عام 2027، قال إن مستقبل علاقات العراق مع دول الجوار والولايات المتحدة سيظل مرهوناً بقدرة بغداد على التحرر من التبعية، وبناء علاقات متوازنة تحمي أمنها القومي وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو معبراً لشبكات النفوذ والمال المغلق.