فرانس24/ أ ف ب
وسط مخاوف أمنية متزايدة، انطلقت في باريس بعد ظهر السبت المسيرة الرئيسية تحت شعار "الغضب"، في إطار التعبئة الوطنية احتجاجا على غلاء المعيشة، رغم وقوع صدامات مع قوات الأمن في عدة مدن فرنسية.
وانضم للمظاهرة محتجون من حركة "السترات الصفراء"، وطلاب مدارس ثانوية وجامعات، إضافة إلى ناشطين في مجال المناخ وغيرها من القطاعات. ومن المقرر أن تتجه إلى ساحة كليشيه في شمال المدينة عبر مسار سمحت به الشرطة التي حظرت التجمع في أماكن أخرى وخصوصا حول مقرات رسمية، مثل قصر الإليزيه الرئاسي وماتينيون (مقر رئاسة الوزراء)، وجادة الشانزليزيه.
وقالت السلطات الفرنسية إن 140 احتجاجا شارك فيها 32800 شخص سجلت خارج باريس بحلول منتصف النهار، وألقت بالمسؤولية في الاضطرابات على ما وصفته "باليسار المتطرف".
في مرسيليا اقتحم محتجون لفترة وجيزة مبنى بلدية ثاني أكبر مدينة في فرنسا. وذكر مراسل وكالة الأنباء الفرنسية أن محتجين ملثمين قاموا بخلع الباب بواسطة حواجز أمنية، ثم دخل عدد منهم إلى المبنى حيث قام أحدهم برسم رمز خاص بالنشطاء الأناركيين على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة.
وهتف أحد المتظاهرين "نحن نقتحم سجن الباستيل"، في إشارة إلى اقتحام القلعة التي تحمل هذا الاسم خلال الثورة الفرنسية عام 1789.
أما في ليون، فقد أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة. ووقعت الحادثة في ساحة مركزية، حيث كانت مجموعات من الشبان الملثمين ترمي عناصر الشرطة بمقذوفات وألعاب نارية، فردّت عليهم الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
وقبل انطلاق المظاهرة، سادت أجواء من التوتر في ساحة الجمهورية بالعاصمة الفرنسية، بين محتجين وقوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع قبيل انطلاق المظاهرة.
وعمدت الشرطة، التي نشرت أعدادا كبيرة من عناصرها في عدة أحياء بالعاصمة، إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع باتجاه مئات المتظاهرين، ارتدى معظمهم ملابس سوداء وأقنعة. وأقدم بعض المحتجين على رشق عناصر الأمن بمقذوفات وإطلاق ألعاب نارية باتجاههم.
كما هاجم حوالى مئة متظاهر مقرّ قناة "سي نيوز" التلفزيونية المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا بمقذوفات على الواجهة، وفق الشرطة التي أعلنت عن توقيف 21 شخصا.
ماكرون يدعو للتهدئة
ومن بروكسل، دعا ماكرون، إلى "الهدوء والاحترام"، مؤكدا أن الحق في التظاهر يجب أن يقترن "باحترام الأشخاص والممتلكات".
واعتبر ماكرون مؤخرا أن المطالب "المشروعة" للطلبة يجري "استغلالها لأغراض سياسية"، وفقا لمتحدثة حكومية.
وأعلن زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون دعمه للحراك الطالبي، وشارك في إحدى التظاهرات في باريس.
في المقابل، أعرب حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبن، الأوفر حظّا للفوز في الانتخابات، عن دعمه للشرطة، محمّلا الطلبة مسؤولية أعمال العنف.
وتثير التعبئة اليوم مخاوف السلطات من انزلاق الشارع نحو أعمال عنف، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، حيث تتأهب البلاد لموجة احتجاجية وسط توقعات رسمية بمشاركة نحو 200 ألف متظاهر.
وأُعلن عن حوالى 1500 مبادرة احتجاجية السبت في أنحاء فرنسا على الموقع المخصّص لهذا الحراك. وأفادت أوساط مقرّبة من وزير الداخلية عن 500 عمل "مرتقب" وأكثر من 90 مظاهرة مخطّطا لها.
"لا بدّ من إعلاء الصوت لفترة أطول"
ودعت حركة "السترات الصفراء" التي قادت احتجاجات واسعة قبل ثماني سنوات ضد ماكرون وحكومته إلى مظاهرات، السبت، تجمع بين "الصفر والشباب"، مناشدة المدرسين والعمال والمتقاعدين والمزارعين والطلبة المشاركة.
وصرّح جيروم الشخصية البارزة في حراك "السترات الصفراء" الذي فقد عينا خلال مظاهرات كانون الثاني/يناير 2019 في باريس "مهما حصل في السابع عشر (من تشرين الأول/أكتوبر)، لن تحلّ المشكلة في يوم واحد. ولا بدّ من إعلاء الصوت لفترة أطول".
من جهته، أمر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الجمعة، بإنشاء خلية أزمة لمتابعة الاحتجاجات.
ويسعى لوكورنو إلى تمرير موازنة تقشفية في البرلمان، فيما يطالب المحتجون بمزيد من الحماية من التضخم وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة، ولا سيما التعليم.
وفي باريس أيضا، هاجم حوالى مئة متظاهر مقرّ قناة "سي نيوز" التلفزيونية المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا بمقذوفات على الواجهة، وفق الشرطة التي أعلنت عن توقيف 21 شخصا.
وأوقف 40 شخصا آخر "خصوصا بسبب حيازتهم معدّات حماية أو أسلحة محظورة" في العاصمة حيث صدرت مراسيم بحظر التظاهرات في مناطق كبيرة فيها، بحسب المصدر عينه.
وفي مدينة مرسيليا بجنوب البلاد، اقتحم محتجون لفترة وجيزة، مبنى البلدية. كما قطعت جادة برادو الشهيرة مؤقتا بحاويات نفايات ودرّاجات سكوتر، لكن سرعان ما فضّت الشرطة الاحتجاج.
وفي ليون، حاول نحو أربعين شخصا قطع الحركة المرورية على جسر، في حين حاول آخرون التجمّع في محيط مصفاة، وفق ما أفادت السلطات.
وقالت الطالبة الملثّمة أود "نحن هنا للتنديد بالموارد الرديئة التي تخصّص للتعليم وبعنف الشرطة. ويوجّه الشباب رسالة مفادها -نريد أن نتعلّم في ظروف لائقة-".
"قمع أطفالنا"
وفي مدينة رين، أقيم حاجز بواسطة حاويات نفايات وألواح كبيرة في محيط مركز تجاري.
وأخبر كريستوف، وهو نجّار في السابعة والأربعين كان سابقا ضمن حراك السترات الصفراء أنه أصيب في 2019 بطلقة من بندقية كرات وامضة، وهو سلاح يشكّل استخدامه من قوى الأمن موضع جدل.
وصرح لوكالة الأنباء الفرنسية "اليوم وصل الحدّ إلى قمع أطفالنا".
وبعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية، ما زال من الصعب توقّع نطاق هذا الحراك الذي يتزامن مع أول يوم من عطلة مدرسية، في حين دعت النقابات موظفي القطاعين العام والخاص إلى التظاهر والإضراب في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، خصوصا من أجل الرواتب والخدمات.
وفي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو الذي يرزح تحت وطأة الديون، يأتي تلاقي التحركات الاحتجاجية من قطاعات مختلفة، على وقع توتّرات اجتماعية يؤجّجها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية.