العربي الجديد
مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددتها حكومة علي الزيدي، لتفكيك الفصائل ونزع سلاحها في العراق، بحلول 30 سبتمبر/أيلول المقبل، يكون العراق أمام 60 يوماً، لإنجاز أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً منذ عام 2003، أو الإخفاق في تحقيقه. سحب سلاح الفصائل واحتكار القوة بيد الدولة العراقية، تتفاعل معه الأوساط العراقية السياسية والشعبية، بوصفه استحقاقاً ملحّاً لاستقرار البلاد، والوصول إلى دولة تحترم القانون وتؤمن بمبدأ المواطنة، غير أن المؤشرات الحالية تؤكد أن الخطوات المتخذة حتى الآن لا تزال تقتصر على عمليات خجولة تتضمن مسألة جرد إداري لعدد عناصر الفصائل ومقراتها ومواقع انتشارها، مع تسليم رمزي لأسلحة أغلبها روسية ومن مخلفات الجيش العراقي السابق قبل عام 2003، من دون أن ترتقي إلى مستوى نزع السلاح فعلياً أو تفكيك البنى العسكرية للفصائل، خصوصاً الصواريخ والطيران المسيّر.
الهجوم الأميركي السعودي على مواقع الفصائل في العراق
المواقف السياسية الرسمية التي صدرت في بغداد والنجف وأربيل، عقب الهجوم الجوي الأميركي السعودي الذي نفذته مقاتلات على مواقع الفصائل في العراق الثلاثاء الماضي، إثر هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق تجاه منشآت سعودية، وتقول الرياض إنه تم إحباطها، أشارت بشكل مباشر إلى أهمية السيطرة على السلاح خارج إطار الدولة. وذهب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، إلى أبعد من ذلك بتحميل من وصفها "المليشيات الوقحة"، مسؤولية الهجوم السعودي الأميركي.
جواد مطلك: حصر السلاح ينبغي أن يتم وفق حوار وتفاهمات داخلية تضمن الحفاظ على السلم الأهلي، وليس استجابة لضغوط دولية، ولا سيما أميركية
ويرى مراقبون وخبراء أمنيون أن ما يجري على الأرض لا يعكس حتى الآن مساراً واضحاً لسحب السلاح، بقدر ما يركز على إعداد قواعد بيانات، وإحصاء الأفراد والأسلحة، وتنظيم الأوضاع القانونية والإدارية لبعض الفصائل، وهي خطوات قد تمثل مرحلة تمهيدية لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء ظاهرة السلاح المنفلت. لكن الأهم من ذلك أن الفترة المتبقية وهي شهران فقط، من الصعب جداً أن تنجح الدولة خلالها بتنفيذ الاستحقاق، خصوصاً مع تعنّت الفصائل الحليفة لإيران، ورفضها حتى مناقشة الملف.
وقال عضو البرلمان العراقي جواد مطلك، لـ"العربي الجديد"، إن الملف "يُمثل أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في العراق اليوم، ويتطلب إدارة متوازنة بعيداً عن الضغوط الخارجية أو القرارات المتسرعة"، محذراً من أن "أي معالجة غير مدروسة قد تنعكس سلباً على الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد". وبيّن مطلك أن "العراق مطالب بتنفيذ برنامجه الحكومي القائم على حصر السلاح بيد الدولة، لكن ذلك ينبغي أن يتم وفق حوار وتفاهمات داخلية تضمن الحفاظ على السلم الأهلي، وليس استجابة لضغوط دولية، ولا سيما الأميركية، التي تدفع باتجاه حسم هذا الملف ضمن سقوف زمنية محددة". وحذّر من أن "أي خطوات تقتصر على الإعلان عن حصر الأسلحة أو تسجيلها من دون وضع آليات تنفيذية واضحة لنزع السلاح وإعادة تنظيم أوضاع الفصائل، لن تحقق الهدف المنشود، وقد تتحوّل إلى إجراءات شكلية لا تعالج جوهر المشكلة".
واعتبر مطلك أن "ربط ملف حصر السلاح بالاستحقاقات الإقليمية أو بانسحاب قوات التحالف الدولي قد يضع الحكومة أمام تحديات كبيرة، ما يستدعي اعتماد رؤية عراقية خالصة تراعي مصلحة الدولة وتحافظ على الاستقرار، بعيداً عن أي إملاءات أو ضغوط خارجية"، مؤكداً أنه "حتى الساعة لا مؤشرات حقيقية على حصر السلاح بيد الدولة وفق الجدول الزمني المعلن من قبل الحكومة العراقية، ونتوقع مع الوصول لهذا الموعد ستبرز مشاكل سياسية وأمنية كثيرة، خصوصاً مع استمرار اعلان بعض الفصائل التمسك في السلاح وعدم تسليمه إلى الدولة".
وتتزايد المخاوف من أن تتحول المهلة المحددة إلى محطة لإعلان مواقف سياسية أكثر من كونها نقطة تحول ميدانية، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات على وجود برنامج تنفيذي يتضمن آليات واضحة لتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، أو تفكيك المقرات العسكرية، أو إنهاء الهياكل القتالية التابعة للفصائل. كما يحذر مختصون من أن الاكتفاء بإصدار بيانات رسمية أو الإعلان عن تسجيل الأسلحة أو إعادة تصنيف الفصائل قد يمنح انطباعاً بإنجاز الملف شكلياً، بينما يبقى السلاح فعلياً خارج السيطرة الكاملة للدولة.
ورأى الخبيرالعسكري عدنان التميمي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة العراقية لا تملك حتى الآن أي مؤشرات عملية يمكن الاستناد إليها للقول إنها تسير نحو نجاح حقيقي في تنفيذ ملف حصر السلاح بيد الدولة، قبل انتهاء المهلة المعلنة في 30 سبتمبر المقبل". وكشف التميمي أنّ "جميع الإجراءات التي أُعلن عنها حتى الآن لا تتجاوز تبادل الرسائل السياسية، فيما لم تشهد الساحة أي خطوات تنفيذية ملموسة تتعلق بتسليم الأسلحة أو إخلاء المقار العسكرية أو تفكيك التشكيلات المسلحة خارج المؤسسة الرسمية". وأكد أن "استمرار بعض الفصائل في إعلان تمسكها بسلاحها وإعلان مواقفها الرافضة لأي إجراءات قد تمس هذا السلاح، يقابله غياب واضح لإجراءات حكومية حاسمة أو ردود تنفيذية تؤكد قدرة الدولة على فرض ما أعلنته من قرارات، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية بشأن إمكانية الالتزام بالموعد النهائي".
عدنان التميمي: الحكومة لا تملك أي مؤشرات عملية يمكن الاستناد إليها للقول إنها تسير نحو نجاح حقيقي في تنفيذ ملف حصر السلاح
وشدّد التميمي على أنه "إذا بقي المشهد على حاله خلال الأسابيع المقبلة، فإن الحكومة ستكون أمام استحقاق بالغ الصعوبة، وقد يتحوّل ملف حصر السلاح إلى مجرد إعلان سياسي لا ينعكس على الواقع الأمني، وهو ما سيؤثر على مصداقية الدولة في تنفيذ أحد أهم تعهداتها المتعلقة بحصر القوة المسلحة بالمؤسسات الرسمية". وختم قوله إن "نجاح هذا الملف لا يقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بمدى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها على الأرض، وبإظهار أن احتكار السلاح لم يعد شعاراً سياسياً، بل سياسة قابلة للتطبيق على جميع الأطراف من دون استثناء".
مواصلة برنامج حصر السلاح؟
في المقابل، قال عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي ياسر وتوت، لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومة ماضية في تنفيذ برنامجها الخاص بحصر السلاح بيد الدولة وفق الجداول الزمنية المعلنة، وهذا الملف يمثل أولوية سيادية لا رجعة عنها، ويأتي في إطار تعزيز سلطة القانون وترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة". وأكد وتوت ان "الإجراءات الخاصة بحصر السلاح تسير وفق خطة متعددة المراحل تشمل الجوانب القانونية والإدارية والأمنية، ولا يمكن اختزالها بإجراءات إعلامية أو قرارات آنية، بل تتطلب عملاً مؤسسياً يضمن تحقيق النتائج دون الإضرار بالاستقرار الداخلي". وبيّن أن "الحكومة ملتزمة بالموعد الذي أعلنته سابقاً، وتواصل التنسيق مع جميع الجهات المعنية لضمان تنفيذ الاستحقاقات المقررة، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة، وبما يؤكد عدم السماح بوجود أي سلاح خارج إطار الدولة".
وأضاف وتوت ان "الحكومة تتعامل مع هذا الملف بمنطق الدولة، بعيداً عن الضغوط أو المزايدات السياسية، وأن نجاح عملية حصر السلاح يتطلب التزاماً وطنياً من جميع الأطراف، لأن الهدف النهائي هو تعزيز هيبة الدولة وحماية الأمن الوطني". وختم بالقول إنّ "الحكومة تمتلك الإرادة السياسية للمضي في هذا المسار، وستواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة وصولاً إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يرسخ سيادة القانون ويعزز الاستقرار في البلاد".