صحيحٌ أنَّ الوداعَ قاسٍ
لكنَّ الفجيعةَ
أنْ ... يخلعَكَ وطنٌ
من قميصِ الطين،
ويترككَ معلّقًا..
بين شهقةِ الماءِ
ونحيبِ القصب
.. يا ريفي
يا ... ذاكرةَ الحسون والناياتِ
ويا آخرَ ما تبقّى
من رائحةِ الخلقِ الأولى
مَن أغرى الماءَ ..... بخيانةِ مراياه؟
ومَن دلَّ الهورَ على
نومِهِ الطويل
بعيدًا عن مصابيحِ .. القمر؟
كانتِ الأرضُ تمشّطُ
ضفائرَها بالسنابل
والمجاديفُ تكتبُ سيرتَها
فوقَ خاصرةِ النهر،
ثمَّ جاءتْ "حروبُ الوقتِ"
فأحرقتْ .. أسماءَ الجهات.
المشحوفُ.. جناحٌ متهالكٌ
على حافةِ الطوفان
المِردي.. عصا نبيٍّ أضاعَ
معجزتَهُ في زحامٍ ..... مسعور،
والكِطّانُ يبحثُ عن أتربتهِ
في أفخاذِ العطش،
والقصبُ يرفعُ مآذنَهُ اليابسةَ
نحو سماءٍ أضاعتْ خرائطَ المطر.
الحسون ذلك الحكيمُ
الخارجُ من سِفرِ الطين،
يسألُ الريح:
أيُّ خطيئةٍ جعلتِ الماءَ
يغادرُ أبناءَهُ؟
النوارسُ تنقرُ أبوابَ الغياب
وصدى الجنوبِ يجرُّ عباءتَهُ
تلكَ المثقوبةَ بالرثاء
اسمٌ يتدلّى من حنجرةِ الوقت
كلّما صاحَ..
عادتْ إليه أصداءُ المقابر
هنا.. ظلٌّ خرجَ من كهفِ الوهم
يرتدي خوذةَ الجهلِ
ويجلسُ على عرشٍ
يخافُ "الكلمةَ"
كما تفرُّ الخفافيشُ من
أندلاع النهار
يظنُّ أنَّ الصراخَ يؤسّسُ
وطنًا،
وأنَّ الراياتِ العاليةَ.
تُخفي عورةَ الخراب
الخوفُ ناعورٌ أعمى
يدورُ في حقولِ
الأرواحِ ليطحنَ
أعمارَ الفقراء
يا وطني يا دمعةَ الأنبياءِ
العالقةَ
في هدبِ التاريخ،
أراكَ تسحبُ عرباتِ الهزائمِ
من نفقٍ إلى نفق
وتخبّئُ جراحَكَ تحتَ
وسادةِ الليل
أفتّشُ في رمادِ الجهات
عن عشبةٍ خضراء،
ما زالتْ تقاومُ الهجيرَ
برائحةِ دجلة،
عن نخلةٍ لم تُشنقْ على
أبوابِ الزوال
تعبتُ
تعبتُ
كغريبٍ يضعُ رأسَهُ
على حقيبةِ الغيب،
وينتظرُ من يدِ الخالقِ
أنْ تعيدَ ترتيبَ
"الغبشةِ" مرّةً أخرى