إرم نيوز
تسببت صور رزم الأموال المكدسة داخل منازل المتهمين في حملة مكافحة الفساد الأخيرة صدمة واسعة في الشارع العراقي.
ولم تعد القضية تتعلق باعتقال مسؤولين أو سياسيين فحسب، بل تحولت إلى مشهد اختصر سنوات طويلة من التساؤلات بشأن مصير ثروات العراق الذي يُعد من بين أكبر الدول النفطية في العالم، فيما لا يزال ملايين المواطنين يواجهون البطالة والفقر وتراجع الخدمات الأساسية.
ومع استمرار التحقيقات التي انطلقت عقب اعتقال وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، تم ضبط أكثر من 100 مليون دولار، في حين أظهرت مشاهد مصورة كميات كبيرة من الأموال داخل منزل النائبة عالية نصيف، دون إعلان رسمي عن قيمتها حتى الآن، الأمر الذي ضاعف من حالة الغضب الشعبي، وأعاد إلى الواجهة ملف الفساد الذي يصفه كثيرون بأنه أحد أبرز أسباب تعثر التنمية في العراق منذ عام 2003.
وكشفت الحملة عن أساليب لافتة في إخفاء الأموال، بعدما أظهرت التحقيقات الأولية لجوء بعض المتهمين إلى تخزين مبالغ كبيرة داخل مزارع ومخابئ تحت الأرض، وفي أماكن غير متوقعة داخل المنازل، بينها أجهزة التكييف وفتحات الجدران ومخازن جانبية، في محاولة لإبعادها عن أعين الرقابة.
فقر وبطالة
تأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات وزارة التخطيط إلى أن معدل الفقر في العراق بلغ 17.5 %، إلا أن هذه النسبة لا تزال تعني وجود ملايين المواطنين الذين يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، مع استمرار التفاوت الكبير بين المحافظات، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تسجل معدلات فقر مرتفعة رغم أنها تمثل مركز الثقل النفطي للبلاد.
وفي سوق العمل، تُظهر أحدث الإحصاءات الحكومية بلوغ البطالة 13% خلال عام 2026، في وقت تشهد فيه بغداد وعدد من المحافظات بين الحين والآخر احتجاجات لخريجين وأصحاب شهادات وعاطلين عن العمل يطالبون بتوفير فرص التعيين في مؤسسات الدولة.
كما يستفيد أكثر من مليوني مواطن من شبكة الحماية الاجتماعية التي تقدمها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وتختلف قيمة الإعانات الشهرية بحسب حجم الأسرة، إذ تتراوح غالباً بين نحو 125 ألف دينار و420 ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل تقريباً بين 85 - 285 دولاراً وفق أسعار الصرف السائدة.
مشاهد الأموال المكدسة
وخلال الأشهر الماضية، شهدت بغداد وعدد من المحافظات، بينها البصرة وذي قار والديوانية وواسط وميسان، موجات متكررة من التظاهرات والاعتصامات نفذها خريجون وأصحاب شهادات عليا وغيرهم للمطالبة بالتعيين وتوفير فرص العمل.
ولجأت القوات الأمنية في بعض الأحيان إلى إغلاق الطرق أو تفريق المحتجين، في مشهد يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجه شرائح واسعة من المجتمع.
وفي هذا السياق، قالت الناشطة في مجال حقوق الإنسان أنوار الخفاجي، لـ"إرم نيوز"، إن "مشاهد الأموال المكدسة داخل منازل بعض المتهمين لم تكن مجرد صور لعملية ضبط قضائية، بل كانت صدمة أخلاقية وإنسانية بالنسبة للمواطن العراقي الذي يقف يومياً في طوابير التعيين أو يبحث عن فرصة عمل أو يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية".
وأضافت أن "العراقيين لا يريدون رؤية الأموال وهي تنتقل من منزل إلى آخر أو من قضية إلى أخرى، بل يريدون رؤية أثرها في حياتهم اليومية، لأن العدالة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأموال العامة إلى تنمية حقيقية يشعر بها الجميع، وعندما يصبح الفساد استثناءً لا قاعدة استمرت سنوات طويلة".
وانطلقت حملة مكافحة الفساد، فجر الأحد، بانتشار أمني واسع داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث أغلقت القوات الأمنية المداخل الرئيسة، فيما نفذ جهاز مكافحة الإرهاب، بإسناد من تشكيلات أمنية أخرى، سلسلة مداهمات استهدفت منازل مسؤولين ونواب وشخصيات سياسية صدرت بحقهم أوامر قبض قضائية على خلفية قضايا فساد.
الشبكات لا الأشخاص
بدوره، قال النائب السابق رحيم الدراجي إن "القضية اليوم لا تتعلق بحجم الأموال التي ضُبطت، بل بما تكشفه من وجود منظومات فساد استطاعت خلال سنوات تحويل المال العام إلى ثروات خاصة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، وهو ما يفرض الذهاب إلى كشف الشبكات التي أنتجت هذا الواقع، وعدم الاكتفاء بمحاسبة الأشخاص".
وأضاف الدراجي، لـ"إرم نيوز"، أن "النجاح الحقيقي للحملة سيقاس بقدرة الدولة على استرداد الأموال، ومراجعة العقود والامتيازات، وتحصين المؤسسات ضد تكرار هذه الممارسات، لأن المواطن ينتظر إصلاحاً دائماً لا حملة مؤقتة، كما أن العراق يمتلك من الموارد النفطية ما يكفي لتغيير حياة مواطنيه إذا أُديرت هذه الثروات بكفاءة ونزاهة".
ويرى مراقبون أن الحملة الأخيرة وضعت الحكومة أمام اختبار غير مسبوق في إقناع الرأي العام بأن مكافحة الفساد تحولت إلى نهج مؤسسي طويل الأمد، خاصة أن صور الأموال المكدسة أعادت إلى الأذهان سنوات طويلة من الهدر وسوء الإدارة، في وقت لا تزال فيه قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والإسكان وفرص العمل تواجه تحديات كبيرة، رغم مئات المليارات من الدولارات التي دخلت خزينة الدولة من الإيرادات النفطية خلال العقدين الماضيين.