العربي الجديد
منح الائتلاف الحاكم في العراق "الإطار التنسيقي"، رئيس الحكومة الجديدة علي الزيدي، تفويضاً هو الأول من نوعه للتعامل مع ملف "حصر السلاح" بيد الدولة، الذي تضغط الولايات المتحدة على بغداد بشأنه وتلوح بعقوبات اقتصادية ومالية، وانخرطت دول أخرى بالمنطقة على خط المطالبات بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها من داخل الأراضي العراقية وتبنتها فصائل عراقية مسلحة حليفة لطهران.
التفويض الذي جاء خلال اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات في بغداد، ليلة الاثنين الماضي، وحضره أغلب قادة الائتلاف، الذي يضم 12 حزباً وتكتلاً سياسياً شيعياً، شهد مكاشفة حيال تزايد الضغوط الأميركية على العراق، حيال ملف فصائل عراقية مسلحة، وفقاً لمصادر سياسية تحدثت لـ"العربي الجديد"، وقالت إن لجنة عليا ستُعلن قريباً لوضع مسار التعامل مع ملف الفصائل بمدة ثلاثة أشهر، وتنتهي نهاية شهر سبتمبر/أيلول المقبل.
غير أن الحديث كان منصباً على بضعة فصائل عراقية مسلحة تُوصف داخلياً بالعراق بعبارة "الفصائل الولائية"، وهو تعبير سياسي أكثر من كونه دينياً، وتعني فصائل عراقية ترتبط بإيران وتؤمن بنظام ولاية الفقيه، وهي ذاتها التي تمتلك ترسانة ضخمة من الطائرات المسيّرة الهجومية، والصواريخ ذات المدى البعيد، وذات وزن عددي ونوعي مؤثر داخل الهيكل العام لـ"الحشد الشعبي". التفويض الذي جاء عبر بيان مشترك صدر عقب الاجتماع مشفوعاً بأنه "من منطلق المسؤولية الوطنية، واستناداً للدستور وتوجيهات المرجعية الدينية"، أشار إلى "تفويض" الزيدي بالتعامل مع الملف بعبارة "اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلد". وربط البيان الخطوة بـ"الحرص على استمرار التعاون بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي، واستكمال تنفيذ مسار إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق".
وأعقب بيان "الإطار التنسيقي" بساعات قليلة إعلان جماعات "عصائب أهل الحق"، و"الإمام علي"، وعبر بيانات رسمية قرارها "فك ارتباط" ألويتها بـ"الحشد الشعبي"، متحدثة عن أن ذلك يأتي انسجاماً مع دعوة المرجعية الدينية وقرار الإطار التنسيقي بشأن حصر السلاح بيد الدولة. وسبق كل ذلك، إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري) مقتدى الصدر، في 27 مايو/أيار الماضي انفكاك المجاميع المسلّحة الخاضعة لأوامره، المعروفة باسم "سرايا السلام"، عن تياره الشعبي، والتحاق أنصاره من حملة السلاح بالدولة العراقية، فيما دعا فصائل "الحشد الشعبي" إلى الانفصال عن الأوامر "الحزبية والطائفية".
أميركياً، علّق المبعوث الأميركي توم برّاك، على منصة إكس أول من أمس الاثنين، على التطورات في بغداد بأن "الخطوة المهمة، تمثل اللبنة الأولى لحكم عراقي متجدد قائم على استعادة السيادة، وترسيخ الاستقرار الدائم، وفتح آفاق النهضة الوطنية"، مشيداً بـ"المجموعات التي اتخذت قراراً مبدئياً بإعادة جميع الأسلحة إلى الدولة العراقية، لما لذلك من إسهام في بناء منظومة النظام والاستقرار"، مختتماً حديثه بأن "هذه ليست سوى البداية".
وفي وقت يُنتظر من فصائل عراقية أخرى، أبرزها "جند الإمام"، "و"سرايا عاشوراء"، و"الطفوف"، و"بابليون"، و"وعد الله" و"أنصار الحجة"، و"ثأر الله"، و"شهيد المحراب"، إصدار إعلانات مماثلة، لم يصدر أي توضيح عن الحكومة حيال المقصود بـ"فك الارتباط"، أو طريقة وآلية حصر السلاح بيد الدولة، ومصير فصائل عراقية تلتزم الصمت أو تلك التي رفضت صراحة تسليم السلاح، مثل "كتائب حزب الله"، و"النجباء"، و"سيد الشهداء". وكان الزيدي أصدر بياناً رحّب به بقرار "عصائب أهل الحق"، واستعار العبارة ذاتها قرار "فك الارتباط"، معتبراً أنه خطوة إيجابية في مسار بناء الدولة. وأعلن الزيدي، في بيان أمس الأربعاء، "تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ إجراءات فكّ الارتباط بالحشد وحصر السلاح خلال يومين". إعلانات الفصائل العراقية، لم تستخدم عبارات مباشرة أو محددة مثل "تسليم السلاح"، أو نقله للحكومة، وإنما جاءت متطابقة بعبارة "فك الارتباط"، والمقصود به هو فك ارتباط الأولوية والوحدات التابعة لها ضمن "هيئة الحشد الشعبي"، ووضعها تحت تصرف القائد العام للقوات المسلحة، الذي يشغله دستورياً رئيس الوزراء، وهو ما يضع فرقاً واضحاً بين شروط واشنطن الداعية لتفكيك فصائل عراقية وبين مسألة وضع إدارتها تحت قيادة رئيس الحكومة، ما يجعل الخطوة القادمة المُنتظرة، بعد تلك الإعلانات، من رئيس الحكومة هي الأهم حالياً، بمعنى أن فك ارتباطها يرفع الغطاء السياسي والديني عنها، ويضعها أمام خيارات عديدة تبدأ بدمجها وإعادة توزيع عناصرها، وتنتهي بمصادرة السلاح الثقيل والمتوسط وإنهاء وجود تسميات وعناوين بارزة، خاصة تلك التي وضعتها واشنطن على لائحة الإرهاب.
وقال عضو بارز في "الإطار التنسيقي"، في تصريح مكتوب لـ"العربي الجديد"، إن "فك الارتباط هو إجراء سياسي، والخطوات العملية ستكون من خلال الحكومة. التفويض الممنوح للزيدي يشمل أموراً عملياتية أيضاً".
الخبير بشؤون الجماعات المسلحة والأستاذ الزائر بجامعة أهل البيت في كربلاء علي عباس الموسوي قال، لـ"العربي الجديد"، إنه لغاية الآن لم توضح الحكومة ولا فصائل عراقية أعلنت "فك الارتباط" ما المقصود بذلك، هل هو تسليم السلاح للدولة، ووضع أفرادها تحت تصرفها كما حصل مع مشروع الصحوات العشائرية السنية ضد تنظيم القاعدة في العام 2011 عندما تم توزيع أفرادها على الوزارات وسحب السلاح منها، أو كما حصل مع منظمة "بدر" في عام 2005 عندما تم دمج أغلب عناصرها بقوات الشرطة الاتحادية. وأشار الموسوي إلى أن "جميع الفصائل تمتلك تمثيلاً في الحشد الشعبي، وبالتالي القول إن فك الارتباط يحتاج إلى توضيح. فك ارتباط ممن؟ ومع من؟ ولماذا لا يستعمل مصطلح تسليم السلاح للدولة، بدلاً من مصطلح فك الارتباط". وأضاف أنه "لا يُتوقع أن تقتنع الولايات المتحدة بخطوة إعلانات فصائل عراقية فك الارتباط، وقد تتعامل معه على أنه التفاف، ما لم تتخذ حكومة الزيدي خطوات لاحقة مقنعة"، لكنه أشار، في الوقت ذاته، إلى أن العراق "التحق فعلياً بلبنان في مشروع أميركي ـ إسرائيلي، غايته تأمين دولة الاحتلال، ولا علاقة له بأي شعارات أخرى مثل استقرار العراق وتقوية الدولة، حتى وإن كان ذلك استحقاقاً واجباً للعراقيين ولمستقبل البلاد"، وفقاً لقوله. وتوقع أن تكون جماعات "النجباء"، و"كتائب حزب الله"، و"سيد الشهداء"، التي يبلغ مجموع مقاتليها أكثر من 30 ألف عنصر، العقدة الأصعب لرئيس الوزراء في التعامل مع ملف الفصائل العراقية إذ إنها ترفض حتى مناقشة الموضوع وتربطه بجانب عقائدي ديني، وتعتبره خضوعاً لضغوط أميركية إسرائيلية.
خريطة الفصائل العراقية: التأسيس والسلاح والانتشار
ولم يكن ارتباط عدة فصائل عراقية مع إيران وليد التطورات الأخيرة. ففي نهاية إبريل/نيسان 2003، وبعد نحو أسبوعين من احتلال بغداد وإعلان واشنطن إسقاط النظام العراقي، أعلن "فيلق بدر" أنه نقل عناصره إلى داخل العراق قادمين من إيران، حيث كانوا يتمركزون منذ العام 1982. وشكّل هذا الإعلان أول حضور مُعلن لتشكيل مسلح منظم داخل العراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، إذا ما استُثنيت قوات "البيشمركة" الكردية القائمة منذ العام 1991 في أربيل والسليمانية ودهوك. غير أن تاريخ الرابع من يونيو/حزيران 2003، كان بداية فعلية لتأسيس المليشيات المسلحة بالداخل العراقي، حيث أعلن رجل الدين مقتدى الصدر تشكيل "جيش المهدي"، الذي قدمه في البداية بوصفه تنظيماً عقائدياً يهدف إلى ملء الفراغ الأمني بمدن الجنوب، قبل أن يتحول سريعاً إلى أضخم تشكيل مسلح عرفه العراق آنذاك.
بين 2005 و2011 تاريخ الانسحاب الأميركي الرسمي من البلاد، شهد العراق سلسلة من الانشقاقات عن جماعة "جيش المهدي"، مع ولادة فصائل عراقية مسلحة جديدة، أبرزها "كتائب حزب الله"، التي تنسب في أدبياتها إلى أن تأسيسها كان من خلال قائد "فيلق القدس" الإيراني السابق قاسم سليماني، والقيادي في حزب الله اللبناني الراحل عماد مغنية، إضافة إلى أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني في غارة أميركية قرب مطار بغداد في 3 يناير/كانون الثاني 2020.
وبالتزامن ظهرت "عصائب أهل الحق"، التي أسسها قيس الخزعلي بعد انشقاقه عن التيار الصدري، بدعم إيراني مباشر. وربط مراقبون وقتها ظهور الجماعة بأنها موجهة للصدر الذي بدأ يتخذ منحى مستقلا. وتبنت المليشيا التي باتت تُعرف عراقياً بـ "العصائب"، خطاباً دينياً متشدداً قائماً على العنف، جعلها في تلك المرحلة نظيراً طائفياً متطرفاً لتنظيم القاعدة. ثم توالت لاحقاً انشقاقات ثانية وثالثة عن "جيش المهدي"، أدت إلى تشكل ف مسلحة أخرى، أبرزها "حركة النجباء" بزعامة أكرم الكعبي، ثم جماعة "أبو الفضل العباس" بقيادة أوس الخفاجي، ثم "جيش المؤمل" بزعامة سعد سوار. وخلال تلك المرحلة، تورطت فصائل عراقية في أنشطة مسلحة واسعة، شملت جرائم تطهير طائفي وقتل على الهوية، وتغيير ديمغرافي ضد العراقيين السنة، على غرار عمليات تنظيم القاعدة ذات الهدف الطائفي، خصوصاً في بغداد وديالى ومناطق مختلطة طائفياً، في ما بات يُعرف عراقياً بـ"الفتنة الطائفية".
2014 عام الانفجار الفصائلي
شكل عام 2014 نقطة التحول الكبرى في تضخم المشهد المسلح، مع اجتياح تنظيم "داعش" مساحات واسعة من شمال وغرب العراق، وارتكابه جرائم إبادة مروعة وتهديده العاصمة بغداد التي اقترب منها لأقل من 30 كيلومتراً. وصدرت حينها فتوى "الجهاد الكفائي" عن المرجع الديني علي السيستاني. عندها قفز عدد الفصائل العراقية والتشكيلات المسلحة إلى 11 ضعفاً مقارنة بما كان عليه قبل ذلك التاريخ، ليتبلور مشهد تصاعدي يضم نحو 70 عنواناً مسلحاً حتى العام 2020. وتتفاوت الفصائل العراقية المسلحة في الحجم والوظيفة والانتشار، لكنها تلتقي جميعاً في كونها مع الدولة العراقية والنظام السياسي، وبالوقت ذاته تتخذ مساراً مغايراً ومستقلاً.
فصائل عراقية مسلحة
رغم تعدد التسميات وكثرتها، فإن غالبية المشهد المسلح في العراق يدار بشكل فعلي، من قبل تسعة فصائل عراقية مركزية تشكل ما يمكن وصفه بـ"الطبقة المتقدمة" داخل منظومة الفصائل العراقية المسلحة. ثمانية من هذه الفصائل العراقية محسوبة على المحور الإيراني، وشاركت خلال السنوات الماضية في هجمات استهدفت المصالح الأميركية، وصولاً إلى "جبهة إسناد غزة ولبنان"، حيث نفذت عمليات قصف بالمسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، ضد أهداف للاحتلال الإسرائيلي، فيما تنفرد "سرايا السلام"، بزعامة مقتدى الصدر، بوصفها حالة استثنائية خارج هذا المحور، وإن كانت منافسة له عددياً. وتعد أول المبادرين إلى الانفكاك عن "الحشد الشعبي" والبدء بإجراءات عملية لتحقيق ذلك.
من حيث العدد والنفوذ السياسي والتأثير في صناعة القرار الأمني العراقي وحيازة الترسانة العسكرية، يتصدر "بدر"، و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"أنصار الله الأوفياء"، و"سرايا السلام"، و"كتائب الإمام علي"، و"كتائب جند الإمام"، قائمة الفصائل العراقية المسلحة الأبرز، عبر امتلاكها عدة ألوية داخل "الحشد الشعبي"، وأذرعاً سياسية وبرلمانية، وشبكات اقتصادية وإعلامية، وارتباطات خارجية، خصوصاً مع إيران، باستثناء "سرايا السلام"، التي تنفرد في خط متنافر عملياً مع تلك الفصائل، بل ومتصادم في مرات كثيرة.
الحشد الشعبي… غطاء قانوني ومالي لا أكثر
بعد تأسيس "الحشد الشعبي" في 15 يونيو/حزيران عام 2014، والتي أخذت رتبة "هيئة"، وهي أقل من وزارة وأعلى من المؤسسة، وفقاً للترتيب الإداري العراقي، جرى دمج فصائل عراقية مسلحة شكلياً ضمن ألوية مُرقمة ومناطق انتشار جغرافية محددة، وفق إجراءات أُنجزت خلال حكومة حيدر العبادي (2014 ولغاية 2018)، بالتنسيق مع قيادة العمليات العراقية المشتركة التي كانت تدير القتال على جبهات المواجهة مع "داعش". وكان هدفها بالدرجة الأولى منع أي احتكاك مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بحسب تعليقات سابقة تحدث بها العبادي نفسه، حيث كان التحالف الدولي يقود الجهود العسكرية مباشرة ضد مقاتلي "داعش" في تكريت وأطراف بغداد والرمادي وسامراء، وحصلت إثر ذلك فصائل عراقية مسلحة كبيرة على أكثر من لواء، فيما مُنحت فصائل عراقية أخرى لواء واحداً فقط.
شكل عام 2014 نقطة التحول الكبرى في تضخم المشهد المسلح، مع اجتياح تنظيم "داعش" مساحات واسعة من شمال العراق وغربه
بناء الهيكل الرسمي لـ"الحشد الشعبي" عام 2018، جرى على أسس راعت بالدرجة الأولى النفوذ السياسي، والقُرب أو مدى الالتحام بالتوجه الإيراني، حيث كان مستشارو الحرس الثوري يرافقون فصائل عراقية مسلحة دون غيرها، ثم كتلتها العددية، ثم حجم التسليح الثقيل والمتوسط، وأخيراً مساحة الانتشار الجغرافي.
"بدر" في الصدارة
يمتلك "فيلق بدر"، بزعامة هادي العامري، أكبر عدد من الألوية داخل "الحشد الشعبي"، من بينها الألوية 1 و3 و4 و5 و10 و21 و22 و23 و24 و27 و28، إضافة إلى ألوية أخرى تنتشر في ديالى وصلاح الدين ومحور الشمال (كركوك). وبذلك يعد "بدر" الكتلة الأكبر داخل "الحشد" من حيث عدد الألوية والانتشار، ويشكل النواة التنظيمية الأكثر نفوذاً في بنيته.
يلي "بدر" الذي نجح في رفع عدد الشباب في صفوفه لمعالجة مشكلة كهولة كادره المؤسس في ثمانينيات القرن الماضي، جماعة "سرايا السلام"، بزعامة الصدر، وتمتلك ثلاثة ألوية هي 313 و314 و315، ويتركز ثقلها الأساسي في سامراء، مع حضور كبير في بغداد، مثل الكاظمية والشعلة وجسر ديالى والصدر، ومحافظة النجف. وعددياً تُعد من أكبر تشكيلات "الحشد"، وتشكل نحو 15% من عديده الكلي، غير أن نفوذها المؤسسي داخل القرار أقل من فصائل مثل "بدر" و"كتائب حزب الله" و"العصائب"، بسبب عدم اندماجها في المحور الإيراني، وابتعادها عن إدارة الملفات الحساسة كالاستخبارات وهيئة التصنيع ورئاسة أركان الحشد الشعبي. تتميز "السرايا"، كما يُختصر اسمها محلياً، بأنها الأكثر التزاماً بتوجيهات زعيمها مقتدى الصدر، وهي منظمة ضمن شبكة من الفروع والمكاتب في مختلف المناطق والتي يسهل جمعها وتوجيهها خلال وقت قياسي.
"العصائب"… السلاح والسياسة والمال
تحل "عصائب أهل الحق"، بزعامة قيس الخزعلي، ثالثًا، وتمتلك الألوية 41 و42 و43، إضافة إلى اللواء 48 الذي يُدار بوصفه قوة دعم واحتياط. وتنتشر ألوية "العصائب" في بغداد وديالى وصلاح الدين ونينوى، وتشكل قرابة 9% من ألوية الحشد الشعبي، لكن وزنها السياسي والأمني يتجاوز هذه النسبة، بفعل حضورها البرلماني والحكومي، وصلاتها الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني. وهي تمتلك شبكة معقدة من المكاتب الاقتصادية في الموصل وبغداد والبصرة والنجف، إلى جانب عدة مؤسسات إعلامية.
"كتائب حزب الله"… قوة نوعية لا عددية
"كتائب حزب الله"، بقيادة أحمد محسن الحميداوي، توصف بأنها الفصيل الأكثر تسليحاً نوعياً داخل "الحشد"، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ ذات المديات البعيدة، التي تصل إلى أكثر من 300 كيلومتر، مثل صواريخ "الأرقب" المطورة، والتي استهدفت مواقع للاحتلال الإسرائيلي، أبرزها عسقلان، وإيلات (أم الرشراش)، وحيفا، بالإضافة إلى الجولان السوري المحتل. ورغم امتلاكها ثلاثة ألوية فقط هي 45 و46 و47، إلى جانب تشكيلات دعم غير مرقمة كانت تنشط خارج الحدود، يُعد اللواء 45 المركزي والأكثر تسليحاً، ويتمركز في حزام بغداد والمناطق الاستراتيجية، ويواجه تهماً في الضلوع بمشاريع تغيير ديمغرافية في تلك المناطق. وتُدار هذه الألوية ضمن هيكل قيادي مغلق، فيما يُعد أبو فدك المحمداوي المشرف العملياتي العام وبنفس الوقت يشغل منصب رئيس أركان الحشد الشعبي. وبذلك يفوق نفوذ "الكتائب" حجمها العددي، نظراً لطبيعة تسليحها وموقعها في مفاصل القرار.
"النجباء" و"سيد الشهداء"
تحل خامساً "حركة النجباء، بزعامة أكرم الكعبي، وتمتلك لواء واحداً هو 12، يضم نحو 7 آلاف عنصر، ينتشرون خصوصاً على الحدود العراقية ــ السورية وفي بغداد. وتليها "كتائب سيد الشهداء"، بزعامة أبو آلاء الولائي، وتمتلك اللواء 14، مع حضور عملياتي في الأنبار وبغداد ونينوى، ومكانة خاصة بسبب قربها العقائدي والتنظيمي من إيران. وتأتي جماعة "أنصار الله الأوفياء"، بزعامة حيدر الغراوي، في المرتبة السابعة، وتمتلك اللواء 19، ويُقدّر عديدها بنحو 5 آلاف عنصر، مع تأثير يتجاوز حجمها العددي بفعل اندماجها الوثيق مع محور الفصائل الموالية لإيران. وتليها "كتائب الإمام علي"، بزعامة شبل الزيدي، وتمتلك اللواء 40، وتنتشر في بغداد ونينوى وصلاح الدين وشرق الأنبار. وفي المرتبة التاسعة تأتي "كتائب جند الإمام"، بزعامة وزير العمل الحالي أحمد الأسدي، وتمتلك اللواء 6، بقوام يقارب 4 آلاف عنصر وتسليح متوسط، وتُستخدم في محاور تديرها فصائل أكبر.
فصائل الخط الثاني
إلى جانب هذه الفصائل العراقية المسلحة الرئيسة، توجد تشكيلات أقل عدداً وانتشاراً، لكنها تبقى ضمن شبكة معقدة جغرافياً وحتى سياسياً، وتسهم في حالة "الإغراق الفصائلي" بالمشهد العراقي الكلي. وأبرز هذ الفصائل، "جماعة المنتظر" وتحمل رقم لواء 7 في الحشد الشعبي، تليها فصائل "سرايا عاشوراء" بلواء رقم 8 في "الحشد". وتباعاً تظهر "الطفوف" بلواء رقم 13 في الحشد الشعبي، ثم "الشهيد الصدر" بلواء 15، و"سرايا الجهاد" بلواء 17، و"سرايا الخراساني" بلواء 18، و"حشد التركمان" بلواء 16، و"قوات الصدر الأول" بلواء 25، و"سرايا أنصار العقيدة" بلواء 28، و"أنصار الحجة" بلواء 29، و"حشد الشبك" بلواء 30، و"التيار الرسالي" بلواء 31، و"قوات وعد الله" بلواء 33، و"الإمام المهدي" بلواء 36، و"لواء صفين" بلواء 37، و"حركة الأبدال" بلواء 39، و"سرايا الدفاع الشعبي" بلواء 46، و"بابليون" بلواء 50، و"عاشوراء" بلواء 72. ويأتي بعدها الفصائل العراقية المسلحة الثانوية، أو التي تعمل ضمناً تحت أسماء مستقلة، لكن قراراتها وتوجهاتها مرتبطة بالفصائل الأم الأكبر حجماً وثقلاً سياسياً، أبرزها "فدك"، و"الكفيل"، و"حشد تلعفر"، و"شهيد المحراب"، وهي بالعادة ضمن ألوية "الحشد" التي تتولى مهام الانتشار في مواقع ثابتة، على غرار "حشد تلعفر" و"فدك" في نينوى وشمال بابل.
"حشد العتبات": استثناء داخل الحشد الشعبي
في مقابل هذا المشهد، تبرز فصائل "حشد العتبات"، التي تتبنى خط المرجعية الدينية في النجف وتُعد متنافرة عملياً مع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، وتشمل: "أنصار المرجعية" (لواء 44)، و"فرقة الإمام علي" (لواء 2)، و"لواء علي الأكبر" (لواء 11)، و"الطف" (لواء 20)، و"فرقة العباس القتالية" (لواء 26). وتُشكل هذه الفصائل نحو 20% من العديد الكلي لقوات "الحشد الشعبي" في العراق، ودخلت بمشاكل مع قادة الفصائل العراقية المسلحة المحسوبة على إيران، خاصة في أزمة استبعاد قادتها من مناصب رئاسة أركان "الحشد"، واستخبارات "الحشد"، وقيادة عمليات "الحشد"، والإدارة المالية للحشد الشعبي، وهي أهم مفاصل تتحكم بالمظلة الجامعة والمُنظمة للفصائل السبعين.
مليشيات العشائر السنية والأيزيدية
في الجانب ذاته، تقف أكثر من 10 فصائل مسلحة سنية ذات صبغات قبلية ومناطقية، تنتشر في الأنبار ونينوى وديالى وكركوك وصلاح الدين وأطراف بغداد، أبرزها، "حشد الجغايفة"، و"الضياغم"، و"لواء البعاج"، و"جبور العلم"، و"حرس نينوى"، و"حشد العامرية"، و"الجحيش"، وصولاً إلى البوعيسى على أطراف الفلوجة، و"حشد العبيد"، و"البونمر"، وهذه كلها مسجلة ضمن فصائل "الحشد الشعبي"، على شكل ألوية بعضها مستقل وأخرى مدمجة مع عناوين أخرى، وتتميز في كونها مناطقية، بمعنى أن انتشارها في مناطق سكن أفرادها ضمن القرى والمناطق التي توجد فيها العشيرة أو عدة عشائر، وتشكلت بعد عام 2015، ضمن خطة إسناد ومحاولة فتح الحكومة والقوات العراقية أكثر من جبهة ضد مسلحي "داعش"، ودعم القبائل المناوئة له. ويقدر عديد كل مليشيا أو فصيل بين 700 إلى 4 آلاف عنصر، دون أن يكون لها ترسانة سلاح، بين الخفيف والمتوسط، مستقلة لها.
باتت الفصائل المسلحة لاعباً حاسماً في إدارة الأمن والسياسة المحلية في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك وبغداد وبابل
بالمقابل تبرز في غرب نينوى الجماعات المسلحة الأيزيدية، وهي 4 فصائل، أبرزها "وحدات حماية سنجار"، التي تتولى عملياً الانتشار في سنجار وضواحيها، وترتبط عملياً بحزب العمال الكردستاني الذي أسسها بوصفها وحدة حماية للأيزيديين من جرائم مسلحي "داعش" عام 2014، ومليشيا "أيزيدي خان"، ومليشيا "لالش"، التي اندمجت ضمن تشكيل اللواء 80 بالحشد الشعبي، وكلها ضمن نطاق جغرافي ينحصر بين سنجار غربي الموصل مروراً بناحية سنوني، وانتهاء بمثلث فيشخابور العراقي السوري التركي، أقصى محافظة نينوى على حدود التماس مع الحسكة السورية.
فصائل الظل
وبرزت خلال السنوات الأخيرة وتحديداً بعد مقتل سليماني عام 2020، تسميات مثل "أصحاب الكهف"، و"سرايا أولياء الدم"، و"قاصم الجبارين"، و"عصبة الثائرين"، و"تشكيل الوارثين"، ولواء "ثأر المهندس"، وألوية "الوعد الحق"، و"سرايا وعد الله"، و"كتائب كربلاء". وهذه الأسماء لا تمتلك معسكرات ثابتة أو قيادة معلنة أو ألوية رسمية، بل تُستخدم واجهاتٍ عملياتية وإعلامية، تتيح للفصائل الكبرى إنكار المسؤولية وتوزيع الكلفة السياسية والأمنية.
جغرافية الانتشار
بالعودة إلى مناطق انتشار الفصائل العراقية المسلحة يظهر أنها جاءت بناء على توافقات داخلية، تسمح لكل فصيل الاحتفاظ بمساحة جغرافية له، دون تداخل مع الفصيل الآخر. ورغم أنه يوجد في تلك المناطق قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية والشرطة المحلية، وقوات التدخل السريع، وجهاز مكافحة الإرهاب، وهي الأجهزة الأمنية الميدانية التي تنتشر على الأرض، فإن وجود الفصائل العراقية المسلحة قد يطغى من ناحية فاعليته وقراراته، على جميع تلك التشكيلات النظامية.
وبالنظر إلى الخريطة العراقية، تظهر محافظة نينوى شمال العراق بما هي أكبر منطقة تضم عدداً من الفصائل العراقية المسلحة، من ناحية الانتشار، حيث تتوزع كل من "بدر"، و"كتائب حزب الله"، و"النجباء"، و"عصائب أهل الحق"، و"بابليون"، و"سيد الشهداء"، و"أنصار الله الأوفياء"، و"كتائب الإمام علي"، و"حشد الشبك"، و"حشد التركمان"، و"عاشوراء"، و"سرايا الجهاد"، و"وعد الله"، و"التيار الرسالي"، إلى جانب مليشيات لعشائر سنية، أبرزها "الضياغم"، المرتبطة عملياً بقبيلة شمر، و"حشد العشائر" التي ترتبط بقبيلة الجبور، وهي بالعادة أقل تسليحاً ونفوذاً، وتعمل ضمن مساحات جغرافية ضيقة وغير مؤثرة، بينما تنفرد سنجار في جغرافيتها غربي نينوى، بكونها تحوي 3 مليشيات أيزيدية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وتمتد حتى الحدود مع محافظة الحسكة السورية.
ويعود سبب تكدس هذا العدد الكبير من الفصائل العراقية المسلحة، التي تزيد عن 40 عنواناً مسلحاً، في نينوى إلى أبعاد سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى. وتقع المحافظة، متعددة الطوائف والديانات والعرقيات، على مثلث سوري تركي، وداخلياً مع إقليم كردستان، وكركوك والأنبار. وتمتلك خزاناً بشرياً هو الأكبر بعد بغداد بواقع 4 ملايين نسمة، وتمتلك حقول نفط وكبريت، إلى جانب وفرة اقتصادية كبيرة ومنافذ حدودية برية ومطار دولي، جعل من وجود الفصائل العراقية المسلحة له غايات اقتصادية الدرجة الأولى، ويظهر ذلك جلياً في وجود المكاتب الاقتصادية للفصائل التي وعد رؤساء الوزراء حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي وأخيراً محمد شياع السوداني بإغلاقها، لكن لم يحدث هذا الأمر. وهي تنشط في قطاعات تجارية واقتصادية، أبرزها مقاولات الإنشاء وعقود الاعمار والنقل والتجارة.
وتليها الأنبار، وهي أكبر محافظات العراق، وتشكل نسبة 32% من مساحة العراق الكلية، وهي حدودية مع سورية، والأردن، والسعودية. ويبرز فيها "كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"بدر"، و"الإمام علي"، و"الطفوف"، و"الأبدال"، و"أنصار الله الأوفياء"، و"عاشوراء"، وتتركز غالبيتها على الشريط الحدودي أو بالقرب منه، عند حدود العراق مع سورية والأردن والسعودية، إلى جانب مناطق شرق الأنبار الحدودية مع بغداد، وشمال المحافظة التي تحدها مع محافظة صلاح الدين. إلى جانب ذلك، يوجد حشد عشائري سُنّي في مناطق حديثة وهيت والفلوجة، لكنه محدود النفوذ، وغالباً ما يعمل تحت إشراف الفصائل العراقية المسلحة الأكبر أو القيادات العسكرية الرسمية، دون امتلاك قرار مستقل.
ديالى وصلاح الدين
تُعد ديالى، شرقي بغداد والحدودية مع إيران، رغم صغر مساحتها من أكثر المحافظات خضوعاً لنفوذ فصائل عراقية إذ يهيمن فيها "فيلق بدر" بشكل واضح ليس عسكرياً فقط، بل حتى على الحكومة المحلية بالمحافظة والمفاصل الأمنية والإدارية. كما ينتشر عبر ألوية متعددة ونفوذ أمني واستخباري واسع، خصوصاً في بعقوبة، المقدادية، وجلولاء. وإلى جانبها، تنشط "عصائب أهل الحق" و"سرايا الخراساني"، و"كتائب الإمام علي"، و"سيد الشهداء"، و"الإمام علي"، و"كتائب حزب الله". وتُعد ديالى نموذجاً لما يُمكن اعتباره "السيطرة الصامتة"، حيث تدير الفصائل العراقية المسلحة ملفات الأمن وعودة النازحين والنزاعات العقارية، مع وجود محدود لحشد عشائري محلي لا يملك قدرة على موازنة هذا النفوذ.
وتشهد صلاح الدين انتشاراً متداخلاً للفصائل المسلحة، خصوصاً في سامراء، وبلد، والدجيل، وتكريت. ويتقاسم "بدر"، و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، و"سرايا السلام"، النفوذ في المحافظة، مع وجود نحو 12 فصيلاً آخر، مثل "كتائب الإمام علي"، و"أنصار الله الأوفياء" على أطراف المحافظة. ويُلاحظ وجود حشد عشائري سُنّي في بعض المناطق، لكنه يعمل ضمن هامش ضيق وتحت مظلة أمنية فصائلية.
كركوك ساحة تنافس على النفوذ
تُعد كركوك ساحة نفوذ مركّبة، بسبب تركيبتها القومية والمذهبية وموقعها الجغرافي. ويبرز فيها "فيلق بدر" بوصفه الفصيل الأكثر تأثيراً، خصوصا في داقوق، تازة، وطوز خورماتو (إدارياً تابعة لصلاح الدين لكنها ضمن محيط كركوك الأمني). كما تنشط "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله"، في مهام أمنية محددة، حيث تتولى عملياً جهاز الأمن التابع للحشد الشعبي في كل العراق. ويُضاف إلى ذلك وجود تشكيلات تركمانية مسلحة ضمن "الحشد"، تُستخدم غطاءً محلياً لتعزيز النفوذ الفصائلي، في ظل غياب سلطة محلية قادرة على فرض توازن مستقر. وسجلت احتكاكات متكررة بين الفصائل العراقية المسلحة وقوات البيشمركة الكردية في أطراف كركوك بأكثر من مناسبة.
بغداد وبابل
تمثل بغداد القلب السياسي والأمني للفصائل المسلحة. وتتوزع العاصمة إلى مربعات نفوذ غير معلنة، حيث ينشط "بدر" و"عصائب أهل الحق" في شرق العاصمة وجنوبها، بينما تحتفظ "كتائب حزب الله" بثقل خاص في حزام بغداد والمناطق الاستراتيجية. كما يوجد حضور واسع لـ"سرايا السلام" في مدينة الصدر وأطراف بغداد الشرقية. وتُستخدم العاصمة مركزاً لإدارة القرار، والتمويل، والإعلام، وليس فقط بما هي منطقة انتشار عسكري، ما يجعلها المحور الأهم في خريطة النفوذ الفصائلي.
تُعد محافظة بابل جنوبي بغداد من المحافظات ذات السيطرة الفصائلية شبه الكاملة، خصوصاً في شمالها (جرف الصخر، الفاضلية، الفارسية، القراغول، وشرق اللطيفية) حيث تهيمن فيها "كتائب حزب الله" بشكل رئيسي، مع وجود قوي لـ"بدر" و"عصائب أهل الحق"، وتستخدم بعض مناطق بابل بما هي مناطق مغلقة أمنياً ومعسكرات تدريب وانتشار، وتمنع عودة أهلها لها منذ 12 عاماً، مع غياب شبه تام للسلطة المحلية الفعلية. كما تنتشر فصائل إسناد أقل حجماً، مثل "سيد الشهداء" و"الطفوف" و"الإمام علي"، و"علي الأكبر"، و"عاشوراء".
البصرة وجنوب العراق
يختلف حضور فصائل عراقية مسلحة في البصرة ومحافظات الجنوب، في ذي قار، ميسان، واسط، المثنى، كربلاء، النجف، والقادسية، عن طبيعة وجودها في المحافظات المختلطة أو ذات الغالبية السنية، إذ يتخذ طابعاً اقتصادياً – سياسياً أكثر من كونه انتشاراً عسكرياً صريحاً. ففي البصرة تحديداً، تنشط فصائل مثل "بدر" و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، لكن حضورها لا يظهر غالباً عبر نقاط تفتيش أو معسكرات علنية، بل من خلال المعسكرات والمقرات الضخمة التي تمتلكها إلى جانب نشاطها في قطاعات مهمة مثل الموانئ، والمنافذ الحدودية، والشركات النفطية، وعقود النقل والحماية.
أما في محافظات الجنوب الأخرى، فيتجسد النفوذ الفصائلي عبر المؤسسات الأمنية والإدارية، مع تجنب الصدام المفتوح بسبب الحساسية الاجتماعية والعشائرية، وارتفاع منسوب التذمر الشعبي من بروز طبقة واسعة ثرية من الفصائل العراقية المسلحة على مستوى القيادات والأفراد، في ظل وضع اقتصادي سيئ.
بالمحصلة، يتباين الحضور الجغرافي الفصائلي بين محافظة وأخرى، لكنه يتقاطع عند حقيقة واحدة، وهي أن الفصائل العراقية المسلحة باتت لاعباً حاسماً في إدارة الأمن والسياسة المحلية في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك وبغداد وبابل، مع تفاوت في درجة الهيمنة، مقابل دور محدود للتشكيلات العشائرية التي غالباً ما تعمل تحت نفوذ الفصائل الأكبر.
لماذا تعجز الدولة عن مواجهة الفصائل؟
رغم مرور أكثر من 8 سنوات على هزيمة تنظيم "داعش" واستعادة بغداد سيطرتها على كل المناطق، لا تزال الحكومات العراقية عاجزة عن تفكيك هذا المشهد، بسبب تداخل الفصائل مع مؤسسات الدولة، والغطاء القانوني للحشد الشعبي، والدعم الإيراني الذي ظهر في أكثر من مناسبة سابقة، وعلى لسان مسؤولين بالحرس الثوري، مشددين على رفض طهران المساس بأي من عناوين هذه الفصائل. إلى جانب ذلك فإن هذه الفصائل العراقية المسلحة تحوّلت إلى جزء من بنية النظام السياسي نفسه. فقد باتت تمتلك تمثيلاً برلمانياً، ونفوذاً داخل الوزارات والأجهزة الأمنية، وشبكات اقتصادية مستقلة تمكّنها من تمويل نفسها خارج موازنة الدولة. يضاف إلى ذلك غياب إرادة سياسية جامعة قادرة على خوض مواجهة شاملة مع السلاح المنفلت، في ظل مخاوف حقيقية من انزلاق البلاد إلى صدام داخلي واسع، أو تفكك المنظومة الأمنية الهشّة. وبهذا، لم تعد المشكلة في قدرة الدولة العسكرية على فرض القانون، بل في طبيعة النظام السياسي الذي سمح للسلاح بأن يصبح شريكاً في الحكم، لا خصماً له.