يمرّ العراق، اليوم، بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة، تتشابك فيه أزمات داخلية مستعصية مع تحولات إقليمية عاصفة، في سياق مشروع أمريكي – صهيوني لإعادة رسم خارطة المنطقة وفق منظور "الشرق الأوسط الجديد"، بهدف فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية على بلدانه، الأمر الذي ينذر بتداعيات كارثية على العراق وسيادته ووحدته الوطنية ومستقبله.
ومع استمرار الانسداد السياسي الخطير، وشلل مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، وارتهان الإرادة الوطنية لمصالح فئوية ضيقة، داخلية وخارجية متشابكة فرضتها القوى المتنفذة في البلاد، بجانب تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية، واتساع رقعة الصراع الإقليمي والعدوان العسكري، تُدفع الدولة العراقية إلى اختبار وجودي حقيقي، فيما يتهدد عموم العراقيين خطر الانزلاق إلى أتون صراعات لا مصلحة لهم فيها، وإلى مزيد من الخراب وعدم الاستقرار، وانهيار اقتصادي يدفع الشعب ثمنه الأفدح.
إن الحزب الشيوعي العراقي، وهو يدين العدوان الأمريكي – الصهيوني ، وأمام هذه اللحظة المصيرية، ووفاءً لمسؤوليته الوطنية والتاريخية، وتمسكاً بدوره السياسي في الدفاع عن العراق وشعبه وسيادته، وانطلاقاً من موقعه المعارض الصريح لنهج المحاصصة والفساد والارتهان، وانحيازاً لمصالح الشعب العراقي، وإدراكاً عميقاً لخطورة اللحظة الحرجة وما يتهدد البلاد، يطلق نداءه الوطني العاجل إلى الشعب العراقي، وإلى القوى والمنظمات السياسية الوطنية والديمقراطية والاجتماعية والنقابية والمهنية، من أجل فرض مسار إنقاذ وطني عاجل يصون العراق وسيادته، ويُعلي الهوية الوطنية العراقية الجامعة، ويحول دون تداعي الدولة ودون دفع البلاد إلى الانهيار الاقتصادي وإلى مزيد من التفكك والتشظي وتمزيق النسيج الوطني، ويفرض استحقاقات وخطوات عملية عاجلة توقف التدهور، وتفتح طريقاً وطنياً واضحاً لمواجهة المخاطر المتفاقمة.
وينطلق هذا النداء من قناعة راسخة بأن خطورة المرحلة المصيرية الراهنة تفرض تحركاً وطنياً عاجلاً لا يكتفي بتشخيص الخطر، بل ويُحمّل القوى الماسكة بالسلطة والقرار المسؤولية المباشرة والكاملة عن إيصال البلاد إلى هذا المأزق الوطني الخطير بفعل نهجها المدمر، ويشدد الضغط عليها للاستجابة الى الإرادة الشعبية المتطلعة الى التغيير. فليس مقبولاً أن يبقى العراق رهينة الشلل، فيما تتعاظم الأخطار من حوله ومن داخله.
إنّ هذه اللحظة لا تحتمل تأجيل التحرك، ولا الهروب إلى الأمام، ولا المزيد من المناورات وإعادة تدوير الأزمة، بل تفرض الشروع في استحقاقات وطنية تمليها المصلحة الوطنية العليا، بوصفها الحد الأدنى الضروري لحماية العراق وشعبه وسيادته وتوفير الحياة الكريمة الآمنة له.
لذا فإن الحزب الشيوعي يطرح في هذا النداء العاجل الاستحقاقات الآتية بوصفها أولويات وطنية عاجلة لا بد من الشروع بها فوراً:
أولاً: صون سيادة العراق وأمنه ومصالحه
لا حماية للعراق، ولا صون لسيادته الوطنية، وتامين مصالح شعبه، من دون استعادة الدولة كامل سلطتها على القرار الأمني والعسكري، وإنهاء كل أشكال تعدد مراكز القوة والسلاح خارج مؤسساتها.
وتتمثل الأولوية العاجلة في الشروع بمسار وطني سياسي– أمني جدي وواضح، لحصر السلاح بيد الدولة، وحل التشكيلات المسلحة خارج الأطر الدستورية ، ودمج منتسبيها ضمن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية للدولة، في إطار عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس قانونية ومهنية صارمة، وعقيدة وطنية تقوم على مبدأ المواطنة بعيداً عن الولاءات الفرعية.
كذلك التوجه الى التطبيق الصارم لقانون الأحزاب، بما يمنع مشاركة أي حزب يمتلك اذرعا مسلحة. والعمل على إنهاء أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي العراقية وفق جدول زمني واضح، بما يصون السيادة الوطنية ويمنع تحويل العراق إلى ساحة صراع أو منطلقاً للعدوان على أية دولة.
ثانياً: وقف التدهور الاقتصادي
إن مواجهة الأخطار المحدقة بالعراق جراء تعطل جزء مهم من الصادرات النفطية، وما ترتب عليها من ضغط على المالية العامة، لا تنفصل عن مواجهة الهشاشة الاقتصادية العميقة والأزمة المعيشية المتفاقمة التي أنتجتها السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة والاقتصاد الريعي والفساد والنهب.
وعليه، فإن الأولوية العاجلة تتمثل في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتوجيه كلفه العالية نحو الحاجات الأساسية والقطاعات الحيوية الإنتاجية والخدمات العامة، واعتماد إجراءات مالية عادلة لا تُحمّل الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل كلفة الأزمة. إضافة الى اعتماد نظام ضريبي تصاعدي عادل، يوسع قاعدة الإيرادات غير النفطية، ويضمن مساهمة أكبر من أصحاب الدخول العالية والشركات الكبرى، بما يعزز إعادة توزيع الدخل. كما يتوجب تطوير بدائل لتصدير النفط وتقليل الارتهان للمخاطر الجيوسياسية، بما في ذلك إنشاء وتطوير خطوط بديلة للتصدير. والإسراع في تشريع قانون النفط والغاز بما يضمن إدارة شفافة وعادلة للثروة الوطنية بين المركز والإقليم والمحافظات.
كما تشمل هذه الأولوية إطلاق برنامج وطني صارم لاستعادة الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد وتتبع مساراتها داخلياً وخارجياً، وضبط المنافذ الحدودية ومنع التهريب وتعظيم الإيرادات الكمركية.
ثالثاً: كسر الانسداد السياسي – نحو تشكيل حكومة وطنية انتقالية
إن حماية العراق من المخاطر المتعاظمة تستوجب كسر حالة الانسداد السياسي، وتأمين بيئة سياسية انتقالية فاعلة.
ولذا فإن الأولوية العاجلة تتمثل في التوجه نحو تشكيل حكومة وطنية انتقالية، ذات مهام واضحة ومحددة وضمن سقف زمني معلن، حكومة تنهي نهج المحاصصة وتقاسم السلطة والغنائم، وتتصدى بحزم للفساد، وتتولى تنفيذ برنامج إنقاذ وطني يركز على معالجة الملفات العاجلة في الأمن والاقتصاد والخدمات، ويمهد لإصلاحات بنيوية أعمق، والعمل في الوقت نفسه على تهيئة البيئة السياسية والقانونية لإجراء انتخابات مبكرة نزيهة تضمن تكافؤ الفرص وأوسع مشاركة شعبية.
كما يتوجب تفعيل المؤسسات الرقابية والقضائية وضمان استقلالها الكامل عن التأثيرات السياسية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان على أسس دستورية شفافة بعيدة عن الصفقات والمحاصصات.
وقد بات ملحا أيضا العمل على إطلاق حوار سياسي جاد وواسع، تتبناه أطراف تحظى بمقبولية لدى مختلف القوى الوطنية والديمقراطية، لتهيئة البيئة والوصول الى تفاهمات تدعم انجاز مهام الحكومة الوطنية الانتقالية.
* * *
إن على القوى السياسية الماسكة بالسلطة، التي تتحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد، الكف عن إدارة الدولة بعقلية المناورة والتقاسم والإنكار، والاستجابة الفورية لهذه الاستحقاقات الوطنية العاجلة بدل الاستمرار في النهج الذي أوصل العراق إلى هذا المأزق الخطير.
ونحن نتوجه إلى جماهير شعبنا، وإلى القوى الوطنية والديمقراطية، وإلى النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية والاحتجاجية، وإلى كل فئات الشعب المتضررة من الأزمات والحروب، من عمال وفلاحين وكسبة وعاطلين عن العمل، وإلى المثقفين والأكاديميين والطلبة والنساء والشباب، من أجل توسيع الفضاء الوطني الضاغط، وتنظيم أوسع أشكال الفعل السلمي والجماهيري لفرض هذه الاستحقاقات الوطنية العاجلة على القوى الحاكمة، دفاعاً عن العراق وشعبه وسيادته الوطنية.
إن الحزب الشيوعي العراقي، إذ يطلق هذا النداء الوطني العاجل، يؤكد مجدداً أنه سيعمل بلا تردد، مع كل القوى الحية في المجتمع، وسينفتح على الحوار واللقاء مع مختلف القوى والجهات المعنية، من موقعه المستقل والمعارض لنهج الحكم الحالي، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية، والضغط لفرض استحقاقات إنقاذ عاجلة، دفاعاً عن الشعب، وعن سيادة العراق، وعن حق العراقيين في الخلاص من منظومة المحاصصة والفساد والطائفية السياسية والسلاح المنفلت، وبناء الدولة على أساس المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
المجد للشعب
والسيادة للعراق
ولا خلاص إلاّ بمسار إنقاذ وطني يفرضه العراقيون
اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي العراقي
٢٢ نيسان 2026