اخر الاخبار

يعلن سعيد خطيبي براءته من البوح السردي قبل أن يبدأ، وذلك بمقولة موجهة ومبرئة ومشوقة لتصطاد القارئ)  نحن نروي حكايات تؤنسنا، لأننا نجهل أنفسنا – يمينة مشاكرة)، ثم يبدأ السرد على لسان طبيبة العيون المتهمة بقتل زوجها. والنص هو سيرة وهمية بل مزيفة لكن الكاتب أتقن ذلك حتى بتسمية الأشخاص , فالبطلة اسمها عقيلة، و لهذا الاسم دلالات عدة، منها: أن تكون صيغة مبالغة من العقل وهذا يتسق مع مهنتها طبيبة ذات عقل، ومنها أن تكون معقولة، من المعنى الأصل حيث كانت العرب تعقل ساقها في الحروب كي لا تنهزم، وتم الترحيل الدلالي لتصبح المرأة عقيلة فلان، أي لها من يحميها ويحكمها في آن واحد. الزوج طبيب شرعي ( نحن في العراق نسميه الطب العدلي)  اسمه مخلوف، ومخلوف اسم مفعول من خلف يخلف مخلوف، فهناك سلف سبقه وجعله خلفاً له، ثم تنساب صفات مخلوف في إدانة له ولسلفه. ترتبط عقيلة باسمها المتعدد الدلالات بعلاقة عشق مع ( ثامر) ومن وجهة السرد التي تغالب مجرى النهر السوي وتنحرف به إلى غاية سعيد خطيبي، نصل إلى عقيلة طبيبة العيون التي تهب العميان نظرا ضد مجرى النهر، نرى عقيلة عشيقة لثامر الذي سيصبح قواداً مثمراً؛ لنقع جميعا في فخ الزيف اللغوي المنمق بالإغراء والجذب. في حوار تلفزيوني للكاتب يقول: إنه اختار مدينته ( بوسعادة) مسرحا للأحداث لأنها في الهامش وليست كالعاصمة، فلا سعيد له من اسمه نصيب ولا بوسعادة، بحسب ما سرده لنا هو بنفسه، لذلك صار يغالب وجه النهر!!.

  قرنيات التعمية

لعل نسقاً مخاتلا يكمن في مهنتي عقيلة ومخلوف، فالرواية كلها بدأت بجريمة قتل، والمقتول الوحيد الذي لم تقلع قرنيته (عقيلة) هو زوجها ( مخلوف) المتهمة بقتله؛ لنصل لمجرى نهر جديد خلقه الكاتب سعيد خطيبي، وجريان ماء هذا النهر يتم بقرنيات التعمية، لكي يتغلب الكاتب ويغالب مجرى النهر السوي!.

لا يوجد راوٍ عليم بل هناك راوٍ (عميل)، أو رواة عملاء للمؤلف الذي قام بتذويت نفسه على كل شخصياته ليخرج لنا بسيرة مخاتلة عن نهر ناصع الحقيقة؛ وهذه هي ميزة السرد الإعلامي، لأن هذه الرواية إعلامية بامتياز؛ حتى أنها شدت القارئ بجريمة قتل ثم حملته برحلة سردية انتهت إلى غرض تجاري، والأدب التجاري يموت بجائزته، والكاتب تجنب مواجهة أحد لأنه كان يعمل محققا أطلق العنان للسانيات الأرشيفية لتنساب في الحوارات المنولوجية المقحمة حد الملل؛ لكنها حوارات نابت عن الروائي بذاكرة مغايرة خالف بها الروائي مجرى الحقيقة ليهرب مجرى النهر.

يتكئ المؤلف على أن الثورة تأكل أبناءها، بل يقوم بوأد أجمل فرحة  تمثلت بخروج الجزائريين في الحر اللاهب ليحتفلوا بفوز منتخبهم على ألمانيا في كأس العالم، وهو فوز يستحق الاحتفال لو أعيد ألف مرة، لكن الكاتب يصفهم بالسكارى ولم تكن هناك ( عشرية سوداء) لأن الجزائر فازت على المانيا في كاس العالم ستة 1982. من (الثورة تأكل أبناءها)، ومن استياء ( عقيلة ) لأنها أنجبت، ومن ثامر العشيق القواد، ومن مخلوف الذي مات محتفظا بقرنيته كي لا يمنح من يأتي بعده فرصة أن يرى ما يراه، نصل إلى أن الكاتب وزع للقراء قرنيات مخاتلة لكي تراه هاربا من مجرى النهر لا مغالبا به، بل نصل إلى العقدة العلائية،  أعني عقدة أبي العلاء المعري:

هذا جناه أبي عليّ 

وما جنيت على أحد.

لقد قام بتذويت النهر أو بصورة أدق شاطئ النهر الذي تحط الرواية رحالها عنده ليقطف (خطيبي) ما أراد من روايته السيرية المنمنقة، وأقول: المنمقة لأن العربي لا يكتب سيرته بصدق، وها هو خطيبي يكتب سيرة مخاتلة لمدينته بوسعادة، وإذا ذهبنا باتجاه الرواية التاريخية، لنا أن نبارك للروائي فوزه لأن التاريخ عندي هو وجهة نظر لا أكثر، ولعل رؤية الكاتب اتسقت وتوافقت مع رؤية ( البوكر) وهو الأمر الذي حدث مع أحمد سعداوي في (فرانكشتاين).