اخر الاخبار

‏"ملحمة جلجامش" واحدة من أهم الملاحم التاريخية التي وصلتنا من الحضارات القديمة في العراق، 
تجري أحداثها سنة 2650 ق.م عندما كان جلجامش ملكا على مدينة " أوروك"، وهي أول مركز حضاري في العالم كما عرفتها الانسكلوبيديا الفرنسية>
جلجامش تشكل أول عمل أدبي متكامل أنتجه الإنسان على وجه الأرض، وقد اعتبرها النقاد أفضل ما أنتج من أدب العصر القديم، حتى غدت من المفاخر الأثرية والحضارية لشعب العراق.
 وهذه الملحمة التي ترجمها لنا  أستاذ اللغة المسمارية  الراحل طه باقر، قد تمت ترجمتها إلى لغات عدة ومنها اللغة الفرنسية.
وقد بذل الفنان العراقي المغترب د. سعدي يونس بحري جهودا حثيثة لدراسة الملحمة مسرحيا، وخرج بنتائج مرموقة حيث توصل، ومنذ اكثر من اربعة عقود، إلى امكانية تقديم " جلجامش " كعرض مسرحي ذو الممثل الواحد! وقام بوضع الخطة الاخراجية، وقام باعدادها وطبعها و تمثيلها بثلاث لغات العربية و الفرنسية والانكليزية.
يقدم هذا العرض المسرحي الجميل في عدة مدن فرنسية واوربية، وفي مهرجانات مسرحية عالمية كأفنيون في فرنسا ومهرجان قرطاج المسرحي في تونس. 
ويقول بحري في هذا الصدد انه يتمنى ان يعرض مسرحيته كل يوم وفي اكثر من مكان لكي يطلع العالم على حقيقة العراق التنويرية منذ الاف السنين!
ان نشاطه هذا يمثل منبرا ثقافيا عراقيا متنقلا في أمكنة مختلفة من اجل إيصال صورة العراق البهية الزاهية، عراق التآخي والجمال والمعرفة والحضارة!
في مدينة باريس وضمن مهرجان باريس للأقنعة قدم (مسرح ماندابا) مسرحية گلگامش مؤخراً. وكان الفنان بحري يقدم معظم أعماله الاخرى في هذا المسرح مثل " يوميات مجنون لغوغول، و " الف ليلة وليلة" و حكايات من العالم.
يبدأ العرض بالجملة الشعرية:
آه يا بلدي
غني حياة الذي
راى كل شيء
ويأتينا صوت الممثل سعدي يونس من خلف الكواليس:
هو الذي رأى المنبع، اساس البلاد
هو الذي عرف كل شيء
جلجامش مكتمل الحكمة، الذي فهم كل شيء!
يلقي بحري هذه الجمل باللغة العربية ثم يردفها بلغات اخرى وبنطق سليم وجميل، الفرنسية والإنجليزية، والألمانية. وهو هنا يحاول أن يؤكد على عالمية النص، ولهذا استخدم اللغات المختلفة في مدخل العرض. 
وفي عودة الى العرض نشير إلى وسط المسرح، الذي يفصله عن الخلفية نصف جدار مقابل الجمهور، وقد رسم عليه حيوان اسطوري ابتدعه اسلافنا، اهل وادي الرافدين، ونجد نموذجا منه على جدران باب عشتار المشهور، و هو مكون من اجزاء لعدة حيوانات، منها لسان الثعبان و رقبة الزرافة و مخالب الاسد بالاضافة لمخالب النسر.
يسار المسرح فهناك ما يشبه الدكة وقد توزعت عليها أقنعة ودفوف وملابس واكسسوارات  يحتاجها الممثل في تغيير مظهره بين مشهد واخر!
لا توجد موسيقى تصورية ولا مؤثرات خارجية ! بل كل شيء نراه ونحسه امامنا، فالعزف على الناي والدفوف أجاده بحري- الممثل والعازف، واذا أراد ان يصور لنا جلجامش وهو يصارع امواج البحر، فقد نجح بإيصال ذلك من خلال دف ملأه بحصى صغير وبحركة متقنة ظهرت أصوات قطعت انفاسنا ونحن نستمع لهدير البحر وأمواجه العاتية.
وكان بحري مقنعا حين تحول من شخصية جلجامش إلى شخصيات الملحمة الأخرى ليجسد لنا " انكيدو" رفيق جلجامش و" خمبابا" وصاحبة الحانة وغيرها من الشخصيات التي كانت بحدود 14 شخصية!
اختلفت الشخصيات المجسدة بنبرة الصوت وبالملابس والاكسسوارات ليختتمها بجلوسه على دكة وسط المسرح وليغني مع الجمهور، الذي تحول إلى كورال جميل، وباللغتين العربية والفرنسية:
"آه يا بلدي / آه يا أرضي/ غنِّ لجلجامش/ لمن رأى/ لمن تحدى/ وحوشا و جبالا/ لمن تقدم/ لمن عبرَ سهولا و بحارا/ لمن أحبّ الحياة/ عشق الخلود/ وأنشد الخيالا/  آه يا بلدي / آه يا أرضي/ غنِّ لجلجامش".
ـــــــــــــــــ
هوامش المحرر:
- د. سعدي يونس بحري/ مسرحي عراقي يقيم في باريس منذ سنوات.
- طه رشيد/ صحفي عراقي وناقد مسرحي عراقي يقيم في باريس.
- مسرحية "كلكامش" سبق وان قام باخراجها الفنان المسرحي الراحل سامي عبد الحميد ثلاث مرات وبصيغ اخراجية مختلفة.