في مثل هذه الايام من شهر آذار -ارس من سنة 2017 ارسلت لي الاخت سينا سامر المخرجة السينمائية رسالة تطلب فيها مني صورة للمربي المعلم والمناضل اليساري الاستاذ يحيى قاف الشيخ عبد الواحد.وقد تنبهتُ الى انني لم انشر عنه مقالة قائمة بذاتها مع انني كنت أتابعه منذ كتابتي لرسالتي للماجستير سنة 1975 والتي قدمتها الى كلية الاداب –جامعة الموصل قبل نصف قرن بعنوان:" ولاية الموصل:دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 ". كما انني ومن اجل استكمال بعض ملامح تاريخ الموصل المعاصر خلال السنوات الاخيرة من عهد الحكم العثماني رحت أقابل ولده الراحل المحامي سعد في بغداد، سنة 1974. كان يحيى قاف عضوا في الجمعية السرية في الموصل سنة 1914 بهدف الكفاح المسلح ضد الحكام الاتراك الاتحاديين وكان يحمل اسما مستعارا هو (قحطان) وكان الى جانبه ثابت عبد النور (حسان) ورؤوف الغلامي (نادب الحق) ومكي الشربتي (طارق) ورؤوف الشهواني (المغيرة).
عرفته رجلا قصير القامة، أصلع وبدين، وملابسه بسيطة وقديمة، وخلال حركة الموصل في 8 آذار 1959 برز اسمه كقائد شيوعي وعرف الناس في الموصل بذلك.ومما يمكن ذكره ايضا انني كثيرا ما كنت اتحدث مع الاستاذ مثري العاني عن ما لديه عن الاستاذ يحيى قاف وكان مهتما بحيى قاف ومجهوداته في الكتابة للمسرح وفعلا اصدر الرجل كتابا عنه..كما سبق ان نشر عنه مقالة في مجلة (الثقافة).
كان يحيى قاف معلما، كان مولعا بالقراءة، وقد حفظ القرآن الكريم وتعلم الحساب في الكُتاب شأنه شأن مجايليه، وكان تقدميا اطلع على بواكير الكتابات عن الاشتراكية وكان يجهر بمبادئه التقدمية مع انه من اسرة دينية وكان والده شيخا متديناً معروفا بتقواه وكان يعمل في الزراعة، لذلك عانى الكثير من العنت والاضطهاد من قبل السلطة الهاشمية الحاكمة وانتهى به الامر في سجن الحلة ومن قبل ذلك في نقرة السلمان حيث توفي في سجن الحلة يوم 17 نيسان 1966 وكان قد حكم عليه في المجلس العرفي العسكري لمشاركته في احداث الموصل 1959 بالسجن (15) سنة.وخلال سجنه كان مريضا وعاجزا عن قضاء ابسط احتياجاته ولم يأل السجناء جهدا في مساعدته وتخفيف وطأة معاناته.
عمل مديرا للمدرسة القحطانية في الموصل كما عمل مديرا لمدرسة الفري في النجف الاشرف. وقد زرع في نفوس تلاميذه الحس الوطني والشعور الطبقي وكان هو نفسه قد شارك في كل الانتفاضات التي شهدها العراق ابتداء من ثورة 1920 والتي ابتدأت في تلعفر 1920 وانتهاءا بثورة 14 تموز 1958.
وعندما زار الملك فيصل الاول ملك العراق الاسبق 1921-1933 في العشرينات التقى بعدد من رجالات الحركة الوطنية الذين عملوا من اجل صيرورة الموصل جزءا من العراق، ورفض مطالبة تركيا بها ووقف امام الملك فيصل ليتحدث بصراحة وشجاعة مرددا:"أنا يحيى قاف أقول وما أخاف ".
كتب الاستاذ عبد القادر العيداني وكان يعرفه وزامله في السجن مقالا جميلا عنه منشورا في موقع (الناس) الالكترونية قبل سنوات، وقال ان الاستاذ يحيى قاف ناصر العناصر الوطنية عندما رشحت لانتخابات النيابية في الخمسينات وتعرض للاضطهاد بسبب افكاره اليسارية فترك الموصل وسكن النجف الاشرف سنة 1923، وعين معلما في مدرسة الغري ثم مديرا لها، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عاد الى الموصل وعين مديرا للمدرسة القحطانية، واعتقل سنة 1948 اثناء وثبة كانون الثاني، ومعارضته لمعاهدة بورتسموث بين العراق وبريطانيا.كان الرجل ينشر افكاره التقدمية اينما حل وإرتحل، وقد ثقف نفسه بنفسه، وكان يقرأ ما يصل اليه من الكتب والصحف والمجلات وكان ينشر ما يؤمن به بين تلاميذه وزملاءه وكثيرا ما تعرض للاضطهاد والعنف والعنت، وكان يكتب لبعض المجلات ومنها مجلتي (المجلة) و(العصر الحديث)، وكانت صلته مستمرة بالحزب الشيوعي والحركة الوطنية وانصرف بعد ذلك لكتابة المسرحيات التي اخذ بعضها طريقه للعرض على مسارح مدارس الموصل.
بعد وفاته – يقول الاستاذ عبد القادر العيداني - نعته جريدة "طريق الشعب" تحت عنوان: (استشهاد المربي الكبير يحيى قاف في سجن الحلة) ان هذا المربي والمناضل يعد أمثولة للرجال الصادقين، وسمّته بطل المعلمين ومعلم الابطال.
تحية للموصل التي انجبت هذا الرجل الشجاع، الذي عرف بمواقفه الوطنية المشهودة له، ومهاجمته الحكام الطغاة بعبارات لاتزال مضرب الامثال.
ـــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل