هذا الإنسان، آمن بقضيته لحين مماته، في سجنه، ولم يحيىد عن ما أمن به نهائياً، ولم يكن هناك شيء اثمن واغلى من الحياة ؟ لا، ولكن عند المناضل التقدمي " الموصلي " المسمى يحيىى ق، نعم، وهب حياته بما آمن به. عن طيب خاطر لآخر عمره وهو في شيخوخته.
هو يحيىى الشيخ عبد الواحد ال زين العابدين" الموصلي، من عائلة معروفة في الموصل، ولد عام 1900م، وقيل إن ولادته قبل هذا التاريخ في 1894م، تخرج في دار المعلمين العثمانية في الموصل سنة 1919م، وعين فيها معلماً ثم مديراً لمدرسة القحطانية. ليس ذلك وحسب، بل كان صحفياً لامعاً، وكاتباً مسرحياً، جمع يحيىى ق بين الأدب والتمثيل والنثر الفني وكان مربيا فاضلا له باع طويل بالتدريس وتخريج وجبات كبيرة جدا من الطلاب المثقفين الواعين، ومناضل جسور له وقفات مشهورة ومشهودة كوقفته مع الملك فيصل الأول في الجامع النوري الكبير في الموصل والتي كان لها صدى واسعاً وبقيت لفترة طويلة تنقل وتروى بكل اعتزاز وإكبار، أن مواقفه هذه لم يكن مكانها في الموصل فقط ولكنها امتدت إلى أماكن أخرى من العراق مما جعل الناس يرددون عبارة (يحيىى ق يحكي وما يخاف).
لقد عمل سنيناً طويلة يكافح ويناضل ويربي ويعلم ويمثل ويخطب، وشارك في سنوات حياته المبكرة في النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني للعراق، وكان مولعاً بالقراءة، وعن طريق مطالعاته المتنوعة وبالأخص الصحف العراقية والشامية والمصرية التي كانت تصل العراق ذات التوجه التقدمي تعرف على بواكير الفكر الاشتراكي، الفكر الذي آمن به واعتنقه، ومن خلاله ارتبط بالحزب الشيوعي العراقي، ومن نشاطاته المتميزة في محلية لواء الموصل، انه كان حلقة الوصل بين ثوار الموصل والقائمين بثورة العشرين في بداية القرن الماضي حيث كان يقوم بنقل الرسائل ما بين الموصل والثوار في جنوب العراق. كما انه صاحب مدرسة متفردة وطريقة خاصة في مكافحته الأمية، فالمدارس المسائية ومنها المدارس القحطانية الابتدائية للبنين في الموصل الذي كان مديرها معروفاً بتخريج العديد من المتعلمين على يديه وطريقته مدونة ضمن كتاب مطبوع بعنوان (تعليم الأميين) الذي كان يوزعه مجاناً مع القرطاسية على الراغبين بالتعلم. لقد انقذ الكثيرين من ظلام الجهل. ونتيجة لمواقفه المشرفة في ثورة العشرين وتصديه الشجاع لكل المواقف المتخاذلة في الحكومات المتعاقبة فقد تعرض الى الاضطهاد والتعذيب والنفي من قبل الانظمة الحاكمة، وليحكم عليه اخيراً في " نقرة السلمان" سجيناً سياسياً، وهذا مما زاده صلابة وقوة وتصميما فكان يعمل على مساندة الأحزاب الوطنية ماديا ومدها بالمال عن طريق إقامة الحفلات وعرض المسرحيات التي يؤلفها ويشارك في تمثيلها ومن هذه الأحزاب (الحزب الوطني وحزب الاستقلال المؤسسين في الموصل) حيث كان المدير المسؤول لدار التمثيل العربي.
وترك ارثاً تقدمياً طيباً عظيماً. و اصدر كتابا عن " محو الامية لدي كبار السن " في سنة 1947م، والف مسرحيات: فتح مصر، فتح القادسية، فتح الشام، وقد اصدر الاديب الراحل مثري العاني كتاباً عنه وعن جهده في الكتابة للمسرح كما سبق وان نشر عنه مقالة في مجلة " الثقافة " البغدادية التقدمية لصاحبها ورئيس تحريرها صلاح خالص وزوجته المصرية د. سعاد محمد خضر.
جمع يحيىى ق بين الأدب والتمثيل والنثر الفني وكان مربيا فاضلا له باع طويل بالتدريس وتخريج وجبات كبيرة جدا من الطلاب المثقفين الواعين، ومناضل جسور له وقفات مشهورة ومشهودة كوقفته مع الملك فيصل الأول في الجامع النوري الكبير في الموصل والتي كان لها صدى واسعاً وبقيت لفترة طويلة تنقل وتروي بكل اعتزاز وإكبار، أن مواقفه هذه لم يكن مكانها في الموصل فقط ولكنها امتدت إلى أماكن أخرى من العراق مما جعل الناس يرددون عبارة (يحيىى ق يحكي وما يخاف).
"يحيىى ق" رائد من الرواد الأوائل في أكثر من مجال ومبدع فهو من الرواد الأوائل في مجال التربية والتعليم فقد خدم في هذا المجال أكثر من أربعين عاماً كان فيها مثالا للمربي الفاضل الحريص على إشاعة العلم والمعرفة. كما انه أحد الرواد المبرزين في مجال تعليم الكبار ومحو الأمية ويكاد يكون الوحيد في مدينة الموصل الذي لم يتوقف عن خدمة آلاف الأميين ورفع غائلة الأمية عنهم وتعليمهم القراءة والكتابة وله كتاب مطبوع وطريقة خاصة تسمى طريقة (يحيىى ق) فقد كان يوزع مستلزمات الدراسة مجانا ومن حسابه الخاص.
يقول فرات احمد: " لقد قمت مع الكاتب المبدع الراحل طلال حسن بنشر تحقيق صحفي مطول عن طريقته في مكافحة الأمية، نشر في جريدة (الفكر الجديد) تم على أثره استدعاؤنا إلى مديرية الأمن في الموصل والتحقيق معنا عن سبب نشر هذا التحقيق والدافع لذلك حيث ترافق نشره مع قيام الدولة في حينه بحملة محو الأمية. حيث أعلمنا المحقق أن عمله هذا يعني أفضل مما تقوم به الحكومة وهو غير مقبول أصلا خاصة وأن أكثر من علامة استفهام كانت موضوعة علينا جميعا. أما في مجال المسرح فهو رائد مبرز ومتفرد له باع طويل ومساهمات لا حصر لها في التأليف والتمثيل وكتابة النصوص الغنائية وإلقاء القصائد الشعرية أثناء عرض المسرحيات وكما كان معهودا في حينه. أن اتحاد الأدباء و وزارة الثقافة والجامعات ومراكز البحوث والدراسات مدعوة جميعا لتسليط الأضواء على إبداعات هذا المناضل الصلب والأديب الرائد والمربي الفاضل وطبع كتبه والتعريف به.
عانى يحيىى ق الكثير من العنت والاضطهاد من قبل السلطة الهاشمية الحاكمة وانتهى به الامر في سجن الحلة ومن قبل ذلك في نقرة السلمان حيث توفي في سجن الحلة يوم 17 نيسان –ابريل سنة 1966 عن عمر ناهز ال 72 سنة وكان قد حكم عليه المجلس العرفي العسكري لمشاركته في احداث الموصل التي سميت " ثورة الشواف " 1959 بالسجن (15 ) سنة. وخلال سجنه كان مريضا وعاجزا قضاء ابسط احتياجاته ولم يأل السجناء جهدا في مساعدته وتخفيف وطأة معاناته.
يقول رحيم الحلي: تحدث لي الأستاذ حامد الحمداني عن صداقتهما الحميمة وعن الايام الجميلة التي جمعته بالشهيد يحيىى قاف، والاستاذ الحمداني كاتب ومؤرخ سياسي يحمل قنديلاً كبيرا ً، سلط الاضواء على تلك الحقبة التي مضى عليها قرابة نصف قرن من الزمان.
وسأترككم في السطور التالية مع ما كتبه الأستاذ جاسم المطير المناضل والاديب في ذكرياته عن سجن نقرة السلمان وفي رسالة جاءته تقول:
أود أعلامك ان يحيىى قاف قد وصل الى سجن الحلة وهو بصحة غير جيدة إذ أن طريق السفر اتعبه خاصة في المسافة بين سجن السلمان ومدينة السماوة حيث الطريق الوعرة واهتزازات السيارة غير المريحة أصلاً وكذلك العواصف الترابية المتواصلة في تلك المنطقة.
قال لي أن السفرة غير مريحة وقد صادفتهم عاصفة قوية جداً لم تنفع معها كل محاولة للتخلص من ترابها فصارت الاجسام والاغراض والافرشة وسيارة الشرطة جميعها مغطاة بالاتربة الكثيفة ولا يسعني سوى القول: يا لبؤس حال السجناء.. الى متى سيبقون على هذه الحال يا ترى..؟
هنا أود أن أذكر لك حالة آلمتني كثيراً..
وصل يحيى قاف الى السجن صباحاً وظل حتى الظهيرة بلا مكان..
مع الاسف الشديد ان بعض السجناء رفضوا قبول وجود هذا المناضل في قاعاتهم وذلك بسبب كبر سنه وشيخوخته وأمراضه التي تستلزم عناية متواصلة لمساعدته وخدمته من قبل السجين الذي كان يجاوره..
كان السجناء يتقاعسون وبعضهم يتهرب من مساعدته لأنه كان، كما تعلم أنت، يستقبل كثيراً من الضيوف من السجناء بل هو مركز تجمع السجناء من أبناء مدينة الموصل والكثير من ادباء السجن.. وانه من هذه الناحية يحتاج الى مكان واسع لاستقبال ضيوفه.. وهذا يعني ان المجاورين له سوف لا يجدون الراحة في مجاورته ما دام هو قريباً منهم..
للعلم أقول لك ان سجن الحلة قائم على نفس نظام بناء سجن نقرة السلمان من حيث التشابه في القواويش. ليس في السجن غرفة منفردة حتى يستقل بها هذا الرجل. وعندما سمعت عن الموقف المحرج بينه وبين السجناء قررت التنازل عن مكاني له في القاعة رقم 3 في السجن الجديد.
كان مكاني في موقع مريح، لأنه في زاوية، وعلى الرغم من محاولات عدنان عبد الصاحب والمسؤولين في القاعة المذكورة أخذت فراشي الى الساحة وطلبت نقل يحيى قاف اليها بدلا مني، فعلا تم ذلك حيث اخلي مكان عند مدخل باب القاعة وهو نفس المكان الذي انتقل اليه صالح الشايجي وهو مناضل من اهل الزبير مارس النقد الادبي كما عرف بانه نهم لقراءة الكتب اثناء وجوده في سجن السلمان وقد نذر نفسه ووقته لمساعدة يحيى قاف. يقدم له اصعب مطالب شيخ عاجز عن الحركة وعن السمع وعن البصر التام فكان صالح الشايجي مثالا نادرا يعتز به السجناء.
أخي العزيز جاسم:
أنت قبل غيرك تعرف أي عمل عظيم وجبار يقدمه هذا الشاب صالح الشايجي الذي لا يمكن تصور شهامته..
في يوم إعلان سقوط طائرة عبد السلام عارف وموته كان يحيى قاف نائماً، وقال لي يونس مجيد، أبن مدينته الموصل: تعال نجلس الى جانب فراش يحيى قاف الى حين استيقاظه من نومه ونخبره عن الحدث الذي هز العراق كله
ذهبت معه وجلسنا معا الى جانبه.
استيقظ من نومه وتحدث اليه يونس باللهجة المصلاوية ملاطفاً إياه.
أهتم كعادته بالراديو فكان يحرك مؤشره بينما وضع اللاقطة في أذنه. بعد انتهاء تلاوة القرآن الكريم سمع يحيى قاف خبر موت عبد السلام عارف، فسأل يونس مجيد عن صحة الخبر فأكده له..
في تلك اللحظة بدأت ملامح يحيى قاف يشوبها حزن عميق، فهمس يونس في أذني بأنه يتذكر موت أحد أولاده في حادث حريق حدث في الموصل كلما طرقت اسماعه حادثة موت أحد من الناس..
لم يكن صالح الشايجي موجوداً حين طلب يحيى قاف مصاحبته للذهاب الى المرافق الصحية فذهب معه يونس مجيد وبقيت في مكاني منتظراً عودتهما..
لم تمض سوى دقائق معدودات حتى عاد يونس ليخبرني أن يحيى قاف سقط على الأرض متشنجاً وقد حمله الشباب بسرعة الى الادارة ومنها الى المستشفى..
كانت مدينة الحلة كما العراق كله منشغلاً بموت عبد السلام عارف وبالبحث عن بديله في الرئاسة..
فجاء خبر محزن في المساء: مات يحيى قاف بالسكتة الدماغية..
حزن الجميع حزناً شديداً.. كان صالح الشايجي أكثرنا حزنا وألما ً..
بقيت جثته في مستشفى الحلة ليومين حتى وصول عائلته لاستلامها. رحمه الله وتعازينا لكم ولكل محبيه في سجن نقرة السلمان..
قدمنا تعازينا الحارة لصالح الشايجي الأبن الوفي والمثال الحقيقي للاخلاص في هذا الزمان..
ولا بد من التذكير بأن يحيى قاف كما اخبرني يونس مجيد هو من مواليد الموصل عام 1988 يلقبه أهالي الموصل بالمعلم الأول لأنه مارس مهنة التعليم قبل الحرب العالمية الأولى. كما عمل صحفياً وكاتباً بمجلة الغري الصادرة بالنجف. أبتكر طريقة خاصة لمكافحة الأمية لدى الكبار. وقد طبق سجناء السلمان طريقته التي أثمرت في تعليم عشرات الاميين من السجناء..
من مواقفه المشهورة أنه أعلن عدم موافقته على استفتاء تنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق. وقد أعلن موقفه في اجتماع عام حضره الملك نفسه. وعندما لامه بعض اصدقائه وحذروه من مغبة صراحته، قال عن نفسه: يحيى قاف يقول الحق وما يخاف..
أعتقل في شباط 1963 وأرسل الى سجن نقرة السلمان..
تحية وسلاما لك يا ابا سعد يا يحيى قاف وسلاما لكل من وفى، وسلاماً واجلالاً لصالح الشايجي هذا الوفي الطيب النبيل
الأستاذ محمد علي الشبيبي في ذكريات الزمن القاسي تحدث عن هذا الرجل الشجـاع، والشبيبي فعالية ثقافية وسياسية كبيرة، عاش السجن في نقرة السلمان وكان شاباً يافعاً، ولازال يواصل طريق الاباء في نصرة الفقراء، كتب عن يحيى قاف نفس الرواية التي ذكرها الأستاذ جاسم المطير لانهما كانا في نفس السجن وفي نفس الفترة تقريباً.
سلاما ليحيى قاف يوم ولد ويوم رحل شهيداً صريعاً في سجن الحلة وهو يواجه المرض و في عقده الثامن من عمره الجليل الذي كان سفراً خالداً من التضحية والغيرة على الوطن وفقراءه وعلى حزبهم الشيوعي.
ايها الشجاع والمربي يحيى قاف: يؤلمني انك مت في مدينة الحلة مظلوماً، تمنيت لو كنت كبيراً لأزورك وأخدمك مثل ولد وفى لوالده.
ــــــــــــــــــ
*ناقد ادبي من الموصل