اخر الاخبار

عرفناه ناقدا ماهرا في طرح (الأسئلة المريبة) التي تربك المتربعين على قمة هرم الانصياع الاجتماعي، وتثير غضب المنتفعين من تسلطهم. كما لو انها تدك جبروت الثوابت المفتعلة، عبر الزيف والخداع، لزيادة حشود أتباعهم، من البسطاء المغلوب على أمرهم. ولمسناه بارعا في صياغة (الأجوبة ذوات النهايات المفتوحة) لأية معضلةٍ، وذلك بالغور في تبيان أسبابها، واحتمالات تحولاتها، وكل ما يشير الى من تسببوا بحدوثها، وانتاج الخراب الاجتماعي والثقافي.  وها نحن نفخر بصداقتنا ومعايشتنا له، فقد كان وديعا متواضعا، ومقتدرا على كسب ودَّ الجميع (أساتذةً/ طلابا/ اصدقاء/ زملاءً/ جمهورا/ قراءً) كما أنه لم يخرج يوما، عن هدوئه وبساطته ودماثة خلقه في تعامله مع الناس. ولم تغادر الابتسامةُ وجهَهُ أبدا، ومازلنا نتذكره جيدا خلال محاضراته أو الجلسات  الخاصة، كيف كانت أحاديثه تتوهج بإيحاءاتٍ واخزةٍ، تثير الضحك والحزنَ معا، ومنتجة معرفيا خلال عملية الاتصال والتلقي.

في رسالته للرّوائيَّيْنِ (غونتر غراس) الألماني، و(كينز ابرو أوي) الياباني، في 7/ 12/ 2003. يقول: (سيِّدَيَّ الكريمين: يلزمني الآن تجاوز اختزال ذاتي، ذلك الذي دفعته ثمنا لأخطاء غيري)1. وهنا يجري مقاربة بين احتلال أمريكا لألمانيا واليابان، واحتلالها للعراق، حيث دفع هو (اختزال ذاته) وهول معاناته من ذلك، ثمنا لأخطاء (غيره) الذين تغوّلت أخطاؤهم في اللامعقول، حتى أفضت الى تقزيم الذات المبدعة، وتكبير الذات الخاوية التي عَمّقَتْ مأساة بلاده. وتأخذ بنا مخيلته الى مراجعة سفر الأسى العراقي منذ بداياته، حتى وصوله الى ما هو عليه الآن، فيقول: (بدأ خيط الدم يسيلُ منذ عام 1958 وحتى عام 2003، ولاتزالُ تجري امتدادا له، قطراتٌ متقطِّعَةٌ. وكلّما تقَدَّمَ خيط الدَّمِ هذا في الزَمنِ المبتدئ بعام 1958، نحو الأعلى، حفَرَ عميقا حتى صارَ في الأربعِ والعشرينَ عاما الأخيرة مجرى مُتَدَفِّقا!)2. ابن الحلفايةِ وغصنها المورق معرفةً، يرى أن خيط الدم هذا، هو الحدُّ الفاصلُ بين (النمو الطبيعي) لحركة المجتمع قبل (الثورة) وبين (النمو الاصطناعي) بعدها. حيث كانت في مدينته حياة بسيطة متحضّرة باسمة، غير أنها الآن يراها حياةً معقّدةً متخلّفةً حزينة. ان هذا الخبير اللغويّ، والمفكر الموسوعي، والمنقب المعرفي البصير، والذي هو مبعث فخر للثقافة عموما، صحيح أن اسمه (مالك) لكنه لا يملك ثروةً ولا عيشا يليق به وبغزارة منجزه. غير أنه يملك محبة الناس الذين عرفوه وعلى اختلاف توجهاتهم، ويملك إرثا ثقافيا متفردا، وغنيا عن التعريف عراقيا وعربيا. ويكفيه فخرا أن أسمه (مالك المطلبي) الذي كان بيننا دائما، وزادنا فخرا بألقِ حضوره الجسدي، وهو يواصل نشاطه الإبداعي، غير أنه مازال بيننا حاضرا بمنجزه المعرفي الذي ينهل منه طلابه وزملاؤه ومريدوه.

ــــــــــــــــــــ

1- كتاب (حفريات في اللاوعي المهمل- ذاكرة الكتابة) مالك المطلبي/ منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق/ بغداد 2024/ ط1/ ص43.

2- المصدر نفسه أعلاه/ ص39.