اخر الاخبار

في السنوات الأولى التي أعقبت قيام ثورة 14 تموز 1958 شهد العراق انفتاحاً ثقافياً غير مسبوق، إذ تحررت الحياة الفكرية من القيود التي فرضها النظام الملكي، وظهرت مجلات ومنابر ثقافية جديدة حاولت أن تؤسس لخطاب فكري حديث يربط الثقافة العراقية بتيارات المعرفة العالمية. وفي هذا السياق صدرت في بغداد مجلة فكرية حملت عنوان "المثقف" ـ صدر العدد الأول منها في تشرين الأول 1958ـ لتصبح خلال سنوات قليلة إحدى المنابر المهمة التي عبّرت عن نزعة التحديث الثقافي في المجتمع العراقي. إلى جانب مجلة الحزب "الثقافة الجديدة" التي عادت إلى الصدور، ممثلة للفكر التقدمي العلمي، بعد أن كانت متوقفة بقرار منع حكومي متعسف عام 1954 ضمن حملة لتقييد حرية الرأي. صدر منها أربعة أعداد فقط.

أتاحت الأجواء التي أشاعتها الثورة في عامها الأول، مناخاً من الحرية، وفّر فرصاً لصدور عدد من الصحف والمجلات الأسبوعية بنهج تقدمي حر ومستقل، كما اتسعت مديات هذا المناخ نحو مدن العراق في الشمال والجنوب، إذ شهدت تلك المدن، ومنها الكردية صدور عدد من الصحف بذات النهج في تعزيز الخطوات الوطنية، وإشاعة الثقافة الحرّة، ونشر الوعي بهذه الاتجاهات.

كانت مجلة "المثقف" من بين أهم المجلات الفكرية التي صدرت آنذاك عن جمعية خريجي الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وهي جمعية ضمت عدداً من المثقفين العراقيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في الجامعات الأمريكية وعادوا إلى الوطن حاملين معهم أفكاراً جديدة في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والآداب الحديثة. وقد تولى رئاسة تحرير المجلة الدكتور الطبيب مهدي مرتضى، بينما ضمّت هيئة تحريرها أسماء ثقافية معروفة في ذلك الوقت مثل علي الشوك ورحيم عجينة وعصام القاضي، وخالد السلام، ومحمد محمود.

يمثل هؤلاء امتداداً للنخب الثقافية العراقية التي تشكلت منذ العقد الثاني من القرن الماضي، المتأثرة بالأفكار الجديدة، فغدوا على خصومة مع المجتمع التقليدي والدولة، ايماناً منهم بالمشروع التحرري للحداثة.

     منذ أعدادها الأولى أعلنت المجلة عن توجهها الفكري الواضح القائم على الدفاع عن الفكر العلمي والعقلانية الحديثة، والانفتاح على التجارب الثقافية العالمية. لم تكن “المثقف” مجلة أدبية حسب، بل مجلة فكرية عامة تعنى بالفلسفة والعلوم الإنسانية والنقد الأدبي والترجمة، وتسعى إلى تقديم صورة جديدة للمثقف العراقي بوصفه فاعلاً في مشروع التحديث الاجتماعي. يكفي أن أستعرض أهم عناوين موضوعات العدد الأول منها، ليتبين للقارئ طبيعة منهج المجلة وتوجهاتها الفكرية. فقد اهتمت بترجمة نصوص من الفكر الغربي الحديث، وعرضت قضايا الفلسفة والعلوم الاجتماعية المعاصرة، كما تابعت التحولات التي كانت تشهدها الثقافة العربية والعالمية. وفي الوقت نفسه كانت المجلة تنتمي إلى التيار التقدمي اليساري الذي كان فاعلاً في الحياة الثقافية العراقية آنذاك، ولذلك دافعت عن قيم العدالة الاجتماعية وحرية الفكر وحق الشعوب في التقدم.

تضمن العدد الأول قصائد للشعراء عبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف وحسن البياتي، ومقالات في السياسة والاقتصاد لصفاء الحافظ، وإبراهيم علاوي، وحافظ التكمه جي، وحسين العلاق، ونوري الكاظم. ورحيم عجينة. وقصة قصيرة ليحيى جواد، وأخرى ترجمها حسين العامل عن القص الجيكي، ومقالة علمية في الفيزياء ترجمها عبد الجار عوض. وأخرى في السينما، وترجمة عن جوليو كوري لخالد السلام. وكتب الشوك عن أثر الموسيقى العربية في الموسيقى الغربية. 

كما أسهمت المجلة في دورها في تحديث الخطاب الثقافي بإدخال عدد من المفاهيم الحديثة إلى النقاش الثقافي العراقي. فقد فتحت صفحاتها لموضوعات مثل العلمانية الثقافية، الفكر العلمي، نقد التراث، دور المثقف في المجتمع، وقضايا الأدب الحديث. كما نشرت دراسات نقدية وترجمات لأعمال أدبية وفكرية من اللغات الأجنبية، الأمر الذي أسهم في تعريف القارئ العراقي بتيارات الفكر العالمي.

كان وجود أسماء مثل: علي الشوك، وخالد السلام، وجليل كمال الدين، وآخرون في هيئة التحرير مؤشراً على هذا التوجه. فالشوك، المعروف لاحقاً بكتاباته في الرواية والفن والموسيقى والأدب والفلسفة، كان يمثل نموذج المثقف الموسوعي الذي يجمع بين الأدب والرياضيات والفلسفة. وقد انعكست هذه الروح على المجلة التي حاولت أن تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات. فضلاً عن بقية زملائه في هيئة التحرير، الذين كان لهم الدور الطليعي في تأسيس المشروع.

تحولت "المثقف" بوصفها فضاءً للحوار الثقافي خلال سنوات صدورها إلى منبر في تبادل الآراء والأفكار بين الاتجاهات الفكرية المختلفة داخل الوسط الثقافي العراقي. فقد نشرت مقالات نقدية ونقاشات فكرية حول قضايا الأدب والفلسفة والسياسة الثقافية، وكانت بذلك جزءاً من الحركة الثقافية النشطة التي شهدتها بغداد في تلك السنوات، إلى جانب مجلات وصحف أخرى مثل "الثقافة الجديدة" و"الأديب العراقي" التي صدرت عن اتحاد الأدباء في العراق.

   كانت المجلة تسعى إلى تقديم نموذج للمثقف الذي يتجاوز الانغلاق الأيديولوجي، المؤمن بالمعرفة الإنسانية بوصفها مشروعاً كونياً مفتوحاً. لهذا حرصت على الجمع بين النزعة العلمية والانفتاح الأدبي، فظهرت فيها مقالات في الفيزياء والفلسفة جنباً إلى جنب مع نصوص أدبية وترجمات شعرية.

   بيد أن الريح السوداء التي اجتاحت العراق إثر الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 أجهزت على هذا المشروع الثقافي الذي لم يدم طويلاً. ومعها تعرّضت المؤسسات الثقافية إلى حملة عدائية وحشية، أُغلقت فيها العديد من الصحف والمجلات. واقتيد أغلب منتسبيها إلى الاعتقال والسجن بأحكام جائرة، بل جرى أبشع من ذلك في تصفية رموز الثقافة والصحافة العراقية. أمثال: عبد الرحيم شريف، عبد الجبار وهبي، عدنان البراك، إبراهيم الحكاك، وغيرهم المئات من أساتذة الكليات والمعاهد والمدرسين والمعلمين الذي فصلوا عن وظائفهم وزجّ بهم في السجون والمعتقلات، بأحكام جائرة، (جريمتهم) الوحيدة هي انتماؤهم إلى اليسار والفكر التقدمي.

في هذا السياق توقفت مجلة “المثقف” عن الصدور، شأنها شأن عدد من المنابر الفكرية التي كانت تمثل صوت الحداثة الثقافية في تلك المرحلة.

 بيد أنها على الرغم من قصر عمرها، فإنها تمثل وثيقة مهمة لفهم مرحلة التحول الثقافي في العراق بين 1958 و1963. فقد كانت جزءاً من مشروع أوسع سعى إلى نقل الثقافة العراقية من فضائها التقليدي الساكن، إلى أفق الفكر العلمي الحديث، وإلى ربطها بالحركة الفكرية العالمية.

  لذلك يمكن النظر إلى المجلة اليوم بوصفها تجربة مبكرة في إعادة تعريف دور المثقف العراقي، ليس بوصفه حافظاً للتراث فقط، بل بوصفه وسيطاً بين المجتمع المحلي والمعرفة الإنسانية الحديثة. ضمن هذا السياق أدعو الباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والفكري والإعلامي إلى دراسة هذه التجربة الرائدة، ولا سيما أنها لم تأخذ فرصتها التي تستحق في البحث العلمي الرصين.