منذ عقود وكتابة هذه الرسالة تستمر بخطاها وتجديد توكيدها على منجز مسرح عراقي سواء منه ولادته ومرحلة جذوره ارتباطا بولادة المدينة في حضارة سومر ومن ثمّ ولادة خطابه الدرامي ارتباطا بنيويا بخصائص مرحلة مهد التراث الإنساني وروائع علامات خطاب تمدنه ومنظومته الحضارية أم زمن ولادته المعاصرة حيث استعادة وجود الدولة العراقية الحديثة ومعاني ذلك بنيويا فكريا وانعكاساته في جماليات الناس وتعبيرهم المسرحي حصراً..
وهي رسالة تصر على تجسيد حقيقة وجودية للمجتمع العراقي وبيئته الرافضة لما فُرِض عليه من ظلاميات وعنفها القمعي الذي يوغل في مراكمة تقييد الحراك التنويري ووضع الأغلال والأصفاد بمعاصم الحياة ومحاولات استعادة الحرية.. وكلنا يدرك أن العراق وأهله منذ أكثر من عقدين قد تم إفشاء ظواهره التي تستمر في محاولاتها قمع حرية التعبير الجمالي المسرحي وممارسة خطاب يصادر الآخر [التنويري] أو يشوه منجزه بمختلف الوسائل الدونية للتجهيل والتخلف وأمراضهما..
لقد كان المسرح العراقي منذ ولادته الجديدة منصة لإثراء الحياة بقيم التنوير وجماليات الأنسنة وسلامة تطلعاتها وسط بيئة من الاستقرار وخطى التنمية والتقدم وتبني العقل العلمي واحترام الإنسان وحقوقه وحرياته ثابتا وجوديا في عصرنا.. وحين بدأ بانتخاب أعمال مسرحية غير عراقية وترجمها أو وضعها على منصته منتصف القرن التاسع عشر كانت الاختيارات مدروسة لتجيب عن أسئلة الحياة بتلك المرحلة وتباشير أولى ملامح اللقاء الحضاري مع العصر ومحيطه الأوسع بخاصة منه ترسخ العَلمانية عالميا.
وما أن بدأت نصوص منجزه، عراقي الهوى والهوية؛ حتى خطَّ نهجه في معالجة مضامين اجتماعية قيمية كما في المسرحية الأخلاقية ونموذجها الأول 1892، لطيف وخوشابا.. مع ظهور بذور الوعي الطبقي في تشخيص تناقضات قيمية بين ممثلي الطبقات الكادحة الفقيرة وتلك التي تعتاش على ما تثري به وتتحكم بوساطته بالمجتمع ومؤسساته..
ولم يتخلَّ المسرح العراقي عن استنهاض الهوية القومية وتاريخ البطولات بصورة غنية ألهبت الوعي الوطني وارتباطاته التاريخية والوجودية المعاصرة مثلما تلمست طريقا نوعيا عميق الغور في قراءة الوضع الإنساني للمجتمع العراقي بظهور مدارس مسرحية مثل اللامعقول بما سبق ظهوره بمناطق معينة كاشتغالات العاني والقصب في العام 1949 وما تلاه في مرحلة التأسيس الثانية ليتعمق نضج المسيرة الإبداعية المسرحية بين خمسينات مسرحنا ويتحول إلى منصة وطنية لانطلاق مهام تعبوية فكرياي سياسيا واجتماعيا ويتحول إلى بؤرة انطلاق تظاهرات كبيرة بمحمولات الحركتين الوطنية والثقافية.
وفي الستينات والسبعينات عمق الحراك المجتمعي وتبنى قيم التنوير والعَلمنة ومسيرة التقدم والتطور في البنيتين التحتية والفوقية فكانت صورة جديدة، (المفتاح، الخرابة والمطرقة والشريعة) لتكون علامات خالدة.
وفي الحركة اللولبية للتطور وجدنا أغلب علامات تجسيد الأعمال المسرحية تقع بمنطقة وراء ما توصل إليه المسرح العراقي أي متراجعة عما حققه من منجزات باقية بمخرجات تأثيرها لكن بحدود جد ضيقة وسط بيئة تتعامل مع منظومة للخرافة وأضاليل خطابها المرضي الساعي لإدامة أسر العقل الجمعي وراء أسوار التخلف والجهل بما هو أسوأ من ذاك الذي مر به العراق وأهله لأكثر من أربعة قرون من عهد ظلامي أقطاعي وشبه اقطاعي مرحلة احتلال [العصمللي] للبلاد واسترقاقه العباد.
إن رسالتي تؤكد على التمسك بقمم المنجز المشرقة الخالدة وما طرحته من منظومة جمالية سامية عبرت عن العراق هوية اجتماعية بوجهيها الوطني والإنساني لتُبقي على صوت المسرح صادحا مؤكدا وجوده الأنجع سلامة ونزاهة تجاه الجمال بوصفه التعبير الإنساني الأصدق وسط كل محاولات إعتام فضائنا ومنصات الإبداع فيه؛ سواء التي خربت وتخرب منصات العرض المسرحي بكل تنوعاتها حتى بتنا تقريبا بلا منصات أو مباني للمسرح الحقيقي وحوصرنا بمواضع جد ضيقة كي يجري قطع الصلة بين المسرح وبيئته المجتمعية الأوسع.. وسواء تلك الأخرى الدعية في أضاليل ما تقدمه على أنه مسرح وهو ليس سوى أصوات نشاز وسط موسيقا مسرحنا العريق بدءا بجلجامش الخلود وليس انتهاء بمفتاح التنوير والبناء والتقدم..
إننا نمر اليوم تحديدا بظروف معقدة من احتدام الصراع بين قوى إقليمية تتسم بالتشدد والتطرف واستخدامها خطاب العنف في قمع حركة التنوير والتقدم والتنمية المؤمنة بالإنسان والشعوب وحقوقها بلا منقصة وهو الأمر الذي جرّ المنطقة والعالم إلى حرب نشهدها بكل ما تعنيه من مخرجات الخراب مقابل صوت السلام والانتصار للشعوب كما حدث عقب الحربين الكونيتين السابقتين ومن ثمّ استعادة البشرية لمنجزها في البناء والتنمية والتقدم حتى وصلنا أحدث منجزات العصر في التكنولوجيا والذكاء الصناعي، ولكن وسط تلك البيئة المعقدة وما يتفاقم من الصراعات فيها؛ تؤكد هذه الرسالة المسرحية على:
1. وسط الظلام والعنف وخطاب الخرافة والتخلف الذي يتسيَّد؛ نحتفل نحن مسرحيي العراق وشعبه بمنجز مسرحيينا ممن تمسك ويتمسك بقيمه الجمالية الأبهى ونحتفي بنجاحات مقرونة بفعل التحدي وعزيمة إرادة صلبة لاستعادة المسرح وأدواره الجمالية والمجتمعية الأوسع والأعمق. ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ الحراك المجتمعي الأوسع ليس مقيدا بظاهرة التعبير السلبي ومقاطعة ما يسود من منظومة بل في اشتعال أضواء حركة تنويرية أدركت أنها لم تعد تمتلك ما تخسره في تبني معركتها من أجل استعادة الحياة وأنشطتها الإنسانية ومنها الجمالية المسرحية بتوقيتها الآتي مع بروز منجزات ربما لم تشكل تراكما إيجابيا كبيرا إلا أنها وقائع مضيئة ستتحد وتشكل التغيير النوعي الآتي..
2. ولأن المسرح والمسرحية يبقيان ميدان الفعل الأبهى في (بناء الإنسان الجديد) وفي الاحتفال به فرديا وجمعيا أيضا بالمعنى الذي يحمل رسالتي الحضارة والتمدين فإنَّ أنوار العقل العلمي ستسطع مزيحة دياجير الظلمة والتخلف. وستُزاح قوى الخرافة طقوسها من وجودنا تلك التي تواصل بدجلها وعنفها الإصرار على إدامة إغلاق دور المسرح، هروبا من أية فرصة للقاء المسرح وجمهوره العريض ومنعا لولادة المتفرج؛ الذي يعنيه الارتقاء إلى مستوى التمدن والتحضر الذي يؤكد أن المسرح ليس إطلالة نزهة وتزجية وقت عابرة بل حاجة روحية بنيوية مكينة تزيح عنه غبار زمنه وأحماله لتحل طاقة بنَّاءة للعطاء والأنسنة والقيم السامية الفاعلة خيراً وهو البديل لمنطق الخرافة ومواخير دجلها وأباطيل أضاليلها.
3. إن انتصار الثورة الشعبية العراقية، واستعادة مبدأ المبادرة وطنيا إنسانيا، سيكون انتصاراً للمسرح العراقي، وانتشاراً بهياً لرسائله المركبة التي تجمع ملامح مهد التراث الإنساني في منجزها الحضاري مع طاقات التجدد العراقي الحديث في زمن العمل المثابر لتأسيس دولة عراقية غابت أو غُيّبت عن المشهد بتخريبها مؤسسيا لنستعيد الطابع المدني القائم على علمنة النهج ودمقرطة الحياة والتقدم بهما إلى حيث الإنسان المبدع الخلاق..
4. إنَّ العمل على استعادة الحريات العامة وجوهرها حرية الإبداع بوقف مجازر التصفية والاغتيال وعقبات الإقصاء والاستلاب الكأداء يمثل مفردة منهجية من مفردات خطاب مسرحنا اليوم مثلما عبر عن ثيماته غب الحرب الكونية الثانية وأشعل كفاحا وطنيا بالتعاضد مع قوى الفعل الوطنية الأخرى..
5. ضرورة تفعيل وتعزيز الجهود المنظمة لمسرحيينا باستعادة مكانة المركز العراقي للمسرح وإعادة صلاته عالميا وإقليميا.. ليكون فاعلاً الى جانب روابط تخصصية للممثل ولنقاد المسرح ولكل بُناة العملية المسرحية من الاشتغال الإبداعي الجمالي الفعلي الحقيقي وتسريع الاتجاه لعقد مؤتمرات بهذا الاتجاه من دون انتظار خيمة من خارج قوى الفعل المسرحي…
6. استعادة فعل الاحتفاليات ومهرجانات الإبداع ومناسباته، ليس فقط احتفاء وتكريما وعناية برائداتنا وروادنا وحركة التجديد عندهما.. وتقديم أوسمة وكرنفالات المسرح العراقي بما يُحيي أسماء زينب والرماح وصاموئيل والشبلي وجلال والعبودي والعاني وعبدالحميد وسواهم من مبدعي المسرح اليوم واقامة مؤتمرات نقدية بنيوية يمكنها أن تسلط الأضواء على حركة المسرح.
7. ويواصل المسرحيون العراقيون مطالبتهم وسعيهم نحو تحقيق المبادرة الفعلية بكتابة مشاريع قوانين تعالج أوضاع المسرحيين وعرضها على (سلطات التشريع) لسنِّها ودفعها إلى سلطات تنفيذية ينبغي أن تعود لتكون جميعها من الشعب لتطبيقها استجابة لإرادة التنوير والتغيير الأشمل والأعمق..
8. وفي هذا العيد الذي يتحدث فيه مسرحيو العالم أجمع بمختلف لغاتهم وخطاباتهم الجمالية والفلسفية الفكرية، ووسط تعقيدات الظرف الراهن، يتحدثون عن ضرورة حتمية واجبة بالتوجه نحو تأسيس صحافة ورقية وإلكترونية مسرحية ودوريات بحثية علمية متخصصة في الجامعات والمعاهد العلمية مع تعزيز أعمال التوثيق والنشر بسلاسل لمسرحياتنا التراثية القديمة التقليدية والحديثة باختلاف مناهجها ومدارسها فذلك وحده يكفل استكمال رسالة المسرح ويعمق مخرجاته ودوره البنيوي مجتمعيا..
9. إن مهمة المتخصصين في الجامعات والمعاهد العليا تتعالى صوتا وأثرا من أجل الانتهاء من مطلب إنشاء هيآت أكاديمية وطنية ومحلية مختصة فضلا عن العمل المشترك للدفع باتجاه تلك المؤسسات الإقليمية والعالمية بما يغني ويطور التحضير العلمي المعرفي أكاديميا.
10. السعي الحثيث والتمسك بإدامة المساعي الثابتة، من أجل توفير فرص العيش الكريم لمسرحيينا..
11. ومع تعاظم حجم المنجز المسرحي في المهجر والناشطات والناشطين فيه بات من واجبنا إعلاء أدوارنا في العناية بمسرحيينا في المهجر وتخصيص يوم للمسرح العراقي المهجري حيث يدعى إليه مسرحيونا للاحتفال في أروقة مسرحنا ببغداد وبقية محافظات الوطن البهية..
12. ولعل من الأهمية بمكان أن نحيل قراء رسالة هذا العام إلى أهمية العناية بمسرحنا بلغات الوطن وشعبه: العربية والكوردية والكلدانية الآشورية السريانية والتركمانية والأرمنية وتفعيل الجدية المناسبة بذلك وبجوهر خطاب مسرحي تنويري معرّف لدى جمهوره المتنوع.
إن رسالة هذا العام بكل ما يحيط به من اشتداد الظروف وطبيعة الصراعات وتحولها إلى منطقة اشتعال حرب كارثية في وقت تتوجه بالتحية لجميع مبدعاتنا ومبدعينا في مسرح عراقي أصيل متمسك بخطى التنوير ومسيرة تغيير عميقة شاملة ستتمكن حتما من أن تنشر منظومتها القيمية الأسمى في ظل نظام يتطلع الشعب إليه يوم يبني دولة علمانية ديموقراطية يهمها بالمقام الأول بناء الإنسان حيث أدوار الثقافة وخطابها وجوهر فعل مسرحي إبداعي يتقدم صفوف إبداع رسائل جمالية مضمونية بهية..
هنيئاً لمبدعات ومبدعي المسرح بيومهم العالمي بمختلف ربوع كوكبنا، هنيئا للجميع حركة فعلهم الموحدة التي تجسد حقيقة بنيوية للمسرح كونها صورة حضارية وهوية انسانية تخدم الإنسان والتمدن والتحضر والتوجه نحو مسيرة موحدة ومستقبل مشرق أفضل.