لم أكد أصدق أن اصدقائي في العراق استطاعوا أخيراً ان يوجهوا لي دعوة بعد سقوط النظام، وإلى مهرجان المربد عام 2010، نصحني كثيرون: لا تذهب، العراق غير آمن.
قلت: أنا ذاهب لأموت هناك إن كنت سأرى العراق وأصدقائي فيه.
ذهبت وكأنني سائر في نومي، دخلت قاعة المهرجان في البصرة، ولأن قلبي دليلي رحت أنظر إلى جمهور الحاضرين، لأنني على ثقة أن وجوهاً عرفتها ستكون في انتظاري، وعلى الفور لمحت مالك المطلبي واقفاً وسط صف من المقاعد في وسط القاعة، وكأنه ينتظرني، وعلى طريقته الدرامية صاح من بعيد:
بيان الصفدي!
شققت طريقي نحوه بصعوبة وقلبي يسبق ذراعي قبل أن نتعانق طويلاً، كان قد مر ثمانية وعشرون عاماً لم نلتقِ فيها.
أول ما دار بيننا من حديث سؤالي له عن قول سمعت أنه قاله مبتهجاً بدخول الجيش الأمريكي لطرد صدام، هل صحيح أنه قاله؟ قال لي: صحيح، بيان أنت عشت بيننا وتعرف، هل كان بالإمكان إسقاط النظام بلا قوة دولة كبرى!
ودارت بيننا أحاديث اتفقنا فيها واختلفنا، تحت مظلة صداقة لا تبلى مع الزمن.
عرفت مالك المطلبي خلال عملي في دار ثقافة الأطفال، فكان الصديق والمعلم والأديب الموسوعي، لكن قبل وبعد ذلك سيد اللطف والظرف، مقالبه لا تنتهي مع الجميع، فالحياة عنده مسرح كبير، مسرح كوميديا غالباً.
لكن الأعمق أننا كنا أصدقاء، وقد ضمني إلى مجموعته الدائمة: محمد شمسي وموسى كريدي وغالب المطلبي وغازي العبادي، ومقهى البرلمان ملتقانا الدائم، أما في أيام الجمع فملتقانا في البرلمان مع جولة في مكتبات شارع المتنبي، أما ظهيرتنا فتكون مع السمك المسكوف على أبي نواس، رحلاتنا إلى الراشدية كان يضاف إليها أصدقاء جدد كسعيد جبار فرحان وعبد الرزاق المطلبي.
مالك لغوي وإعلامي ومؤلف درامي وكاتب أطفال وشاعر وإداري محنَّك، لكنه قبل كل شيء واحد من ظرفاء العراق، فكنا نعيش طرائفه كبرنامج يومي.
كان مالك رئيس تحرير، ونائب مديرة دائرة ثقافة الطفل، وكل من زامله يعرف ما فيه من نبل وعلم وموهبة ونزاهة اليد والقلب واللسان، وهو الذي جعلني أكتب المقدمة الغنائية لمسلسل (عمر بن أبي ربيعة) ولتواضع الكبار فيه قبِل أن نشترك معاً في تأليف كتاب لغوي هو (معجم طوائف المعاني).
خلال وجودي في مربد البصرة، وفي بغداد حصلت انفجارات عديدة كنا ننجو منها.
كان العراق ينزف، وكنت أنزف معه، وكان العراق يطل علي بوجهه المضرَّج المملوء بالتاريخ والكلمات والأسوار والماء والنخل والقياثر والأساطير وربات الجمال، لكنني كنت راضياً عن رحلتي التي جمعتني بأعز الأصدقاء.
في مكتبتي الآن ما زلت أحتفظ بهديته إلي، مجموعته الشعرية (جبال الثلاثاء) وقد ظل من قلة تهاتفني أو تكاتبني بين حين وآخر، وظل يلعب مع الحياة حتى لعب أخيراً لعبته الأخيرة والمريرة..مع الموت.
وهو من القلة التي أشعر أن برحيلها سقط جزء مني معها.