اخر الاخبار

ليس ثمة غرابة في اقتران الثقافة بالحزب الشيوعي العراقي، لأنه جزءاً من منظومة التفكير العالمية التي تتخذ من هذا التوجه أساساً في بنيتها الأساسية، بدءاً من نتاج الماركسية بوصفها مرجعاً أولياً للمباديء الشيوعية. وعندما تحدث (ماركس) قبل قرنين من الزمان عن أهمية الوعي فردياً كان أو جمعياً، تحدث عن ذلك الوعي التراكمي الذي ينتج عن طريق طريق الحتميات التاريخية التي تؤدي في ما بعد الى تبدلات اجتماعية يتم من خلالها تغيير الواقع بعد فهمه. ومن هنا كان القادة الشيوعيون في كل رقعة من المعمورة يدينون الى الثقافة وقد تمترسوا بها وتحصنوا بدرعها ومبادئها بخلاف أغلب القوى السياسية التي تتخذ من طرائق عنفية مختلفة لا تمت للثقافة بصلة سبباً لوجودها. وعند تفكيك هذا الرأي نجده واضحاً لدى القادة الشيوعيون من خطاب ثقافي ما زال ماثلاً في حياتنا الثقافية، في ضوء ما أنتجه (لينين، وغرامشي، وسارتر) وحتى طروحات ستالين في كتابه (الماركسية واللغة) وهو يحلل هذه العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر الماركسي انطلاقاً من البناء الإجتماعي.

وفي خضم هذا كله ينطلق الحزب الشيوعي العراقي لإستلهام المباديء نفسها القائمة على الثقافة من خلال التنظيم الحزبي وأهمية الثقافة في ترصينه أو من خلال بنية ثقافية عامة إنغمس الشيوعيون العراقيون فيها بقوة وأصبحوا من أعمدتها من خلال فعلهم الفرداني أو وجودهم داخل المنظمات والمؤسسات الثقافية في الإتحادات والنقابات وصياغة أعراف العمل الثقافي وتطويره والبحث في جوهر العلاقة القائمة بين النتاج الثقافي وبنيته الإجتماعية لكي يكون مؤثراً، حتى تم تسميته ب (حزب المثقفين) تسمية تجاوزت النخب الثقافية الى الجماهير الواسعة وظلت هذه الصفة الإيجابية ملازمة للشيوعيين حتى الوقت الحاضر في ضوء مراجعتهم الثقافة العامة من دون خلق فروقات نوعية إستناداً الى مقولة (ماركس) "علينا قراءة الكتاب الجيد وغير الجيد" من خلال البحث والتمييز بين ما يخدم الفكر بفعل هذه المقاربة. ولعل أول الأعراف والتوجيهات الشيوعية العراقية هي القراءة والتفاعل معها من خلال استحضار الفكر الماركسي والتماهي معه والتحايث مع منطلقات الثقافة العامة. ولهذا قدم الحزب الشيوعي العراقي الشيء الكثير على مستوى الأجناس الإبداعية عامة من دوت أدنى تراجع في أي منها، إذ بدأ من الصحافة اليومية في جريدته الرسمية التي أصبحت مدرسة فكرية للمشتغلين فيها وللقراء أيضاً وتقديم الكيف النوعي في كتابها أو في خطابها الذي تتضمنه صفحاتها واهتمامها بثقافة الأطراف التي لا تهمل نتاجاً يمكن أن يكون رافداً من روافد الثقافة العراقية على مستوى الشعر والقصة والمقال النقدي وغيرها من أجناس الكتابة والفنون تشكيلية والمسرحية، وبعد استقرار التجربة الشيوعية العراقية على الرغم من ملاحقة السلطة لها على الدوام، إلا أنها ظلت مؤثرة ومنتجة بشكل يتجاوز مؤسسات الدولة في مراحل مختلفة. حيث نتج عن ذلك اصدار مجلة فكرية (الثقافة الجديدة) التي اتخذت من الثقافة عنواناً لها لبث الأفكار التقدمية من خلال الدراسات والبحوث التي تعد أساساً لبنى الدولة، ولم تقتصر على النتاج الأدبي الإبداعي وتسويقه، بل حفرت عميقاً في مقولات الوعي الفعلي والممكن وبما تنتجه الذاكرة الثقافية والجماعة المفسرة لهذا النتاج وأفق تشكله أيضاً.

ولعل عقد السبعينات (ربيع الثقافة العراقية) والعربية أيضاً قد رسخ بعض التقاليد الثقافية على مستوى المؤسسات الثقافية ولدى الأفراد أيضاً بفعل بقعة الضوء وفسحة الحرية والعمل العلني مع الناس ودخول قنوات ثقافية أُختيرت برامجها ومنتسبيها بعناية كبيرة لكي تكون مؤثرة، إذ كانت برامج الإذاعة والتلفزة تبث تلك الأفكار التي ضايقت السلطة أنذاك وحاولت محاصرتها. وعلى الرغم من كل ماحدث ظل الحزب الشيوعي الشعلة المضيئة في الثقافة العراقية وظل منتجاً في بنيته الأساسية (التنظيمية) علنية أو سرية أو على صعيد الأفراد الذين إنصهروا في المشهد الثقافي مهما إبتعدوا أو إقتربوا من الجسد الحزبي، بيد أن ذاكرتهم الثقافية تستلهم وتجسد الذاكرة الجمعية. ومن الأعراف الثقافية التي أسسها الحزب الشيوعي العراقي والتي جعلت من حزب السلطة أن يتماثل مع تجربته هو المعرض السنوي للفن التشكيلي العراقي الذي اقترح ظهوره بداية السبعينات من القرن الماضي وأصبح علامة فارقة في جسد الثقافة العراقية ونتج عنه تكريس عدد كبير من الأسماء والتجارب التي أصبحت العمود الفقري للتشكيل العراقي بمختلف تنوعاته وأنساقه الفاعلة. واستمر هذا الفعل الجمالي حتى في انتقال الحزب الى الكفاح المسلح أو في المهجر وظل مواظباً على انتاج الثقافة وتصديرها على الرغم من القطيعة القسرية مع جمهوره في الداخل العراقي.

     وبعد عودة الحياة الحزبية والعمل العلني داخل أوساط الجماهير بعد 2003 عاد الحزب منذ اليوم الأول لتوزيع الصحيفة الرسمية (طريق الشعب) في مقراته وبين الناس في الشوارع والساحات وواظب على تطوير مفردات الثقافة وتوسيع أدواتها في (الصحف والإذاعة والتلفزة) والمواظبة على اصدار مجلة (الثقافة الجديدة) وتطوير أبوابها بما يخدم التطلعات الجديدة ومعطيات الواقع وفرضياته، والدأب أيضاً على اقامة المعرض الشامل للفن التشكيلي في كل آذار من كل عام والعمل على احتضان كل الطاقات المبدعة مهما إختلفت الأجيال أو تداخلت الأساليب والرؤى والتقنيات وأصبح علامة لا بد من الإشارة إليها أو الحديث عنها. ولذلك فأن الفضاء الثقافي هو الأهم في تاريخ الحزب الشيوعي ومسيرته الراهنة وظل مقترناً بالتسمية القديمة من خلال الفاعلية الثقافية التي تتعدى الأجناس المعروفة الى حقول الأدب الشعبي والسينما ورعاية تلك الطاقات التي يمكن أن تكون دماءً جديدة في المشهد الثقافي العراقي.