ارتبط تأريخ الثقافة العراقية الرصينة بالفكر اليساري، ومن يتتبع هذا التأريخ منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 يجد أن أولى الحلقات الثقافية والأدبية التي تشكلت في البلد كانت وطنية يسارية وديمقراطية، هذه الحلقات هي من أخرجت البلد من أوضاع التخلف والأمية والجهل التي كانت تهيمن على المجتمع. كان معظم العراقيين، في القرون الماضية وحتى بداية القرن العشرين، وخاصة المسلمين منهم لا يقرأون ولا يكتبون رغم أنهم الأغلبية في المجتمع لأن هناك رأي سائد يروج له الجهلة والمغرضون بتحرم التعليم بحجة أن التعليم مفسدة للدين والأخلاق وهذا ما حرم أغلبية الشعب من فرص التعليم والاطلاع على ما يجري في العالم، كان هذا الرأي البائس نافذ منذ القرن التاسع عشر لكن من حاول أن يخفف من غلو هذه الثقافة المتداولة، دون امكانية الغائها، هم المدنيون الديمقراطيون. لقد تطوع محمد جعفر أبو التمن وعلي البزركان للذهاب الى أحد رجال الدين الكبار وشرحا له حال التعليم والثقافة والأمية في المجتمع وطلبا منه التصدي لهذا الوضع المزري والجهل المتفشي انصافا لهذه الشريحة العريضة فأصدر بيانا ذكر فيه (يجوز التعليم شرط أن لا يكون هذا التعليم مفسدة للدين والأخلاق) هذا البيان شجع المدنيون الديمقراطيون أن يفتحوا أول مدرسة لأبناء الشيعة (المدرسة الجعفرية للاتحاد والترقي) عام 1908 في منطقة صبابيغ الآل في بغداد، وقد ساعد اعلان الدستور العثماني (المشروطية) على فتح نافذة للثقافة والتعليم في العراق الذي كان تحت الحكم العثماني. من العوامل التي ساهمت على انتشار الثقافة في العراق هو دخول الأفكار الماركسية الاشتراكية التي جاء بها حسين الرحال بعد عودته من المانيا واطلاعه على مبادىء الفكر الماركسي هناك واقترابه من الحركات اليسارية ومنظمة الاسبارتكوسيين ونشاطهم السياسي في المانيا، قام عند عودته عام 1920بنقل هذه الأفكار الى أصدقائه ومقربيه ومنهم القاص والروائي محمود أحمد السيد وعبد الفتاح ابراهيم وانور شاؤول وعباس شبر وغيرهم واقترحوا أن يكون لقاءهم في جامع الحيدرخانة وأسسوا فيما بعد جماعة الحيدر خانة ساعدهم في هذا الأمر الشيخ أحمد السيد امام جامع الحيدرخانة ووالد الأديب محمود أحمد السيد، كما قاموا باصدار أول صحيفة في عام 1924 بعنوان "الصحيفة" التي كانت تنقل نشاطات هذه الجماعة وطبيعة فكرهم، كما أنهم بدأوا يتصدرون المظاهرات والاحتجاجات التي تطالب بالسيادة والعدالة الاجتماعية ومعهم الشعراء جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ومحمد مهدي البصير وآخرون، وفي عام 1932 أسسوا جماعة الأهالي وأصدروا صحيفة سميت "الأهالي". كما بدأت الأحزاب السياسية تتشكل في بداية العشرينيات ومنها الحزب الوطني العراقي الذي أسسه محمد جعفر ابو التمن وفتح مكاتب لهذا الحزب في كل المحافظات العراقية وكان يوسف سلمان يوسف (فهد) مسؤولا عن مكتب الحزب الوطني في الناصرية، وتشكلت أحزاب وطنية أخرى وكلها كانت تنادي بالوطنية والسيادة والعدالة الاجتماعية والتخلص من الاحتلال البريطاني، وتأسس الحزب الشيوعي العراق عام 1934 ونشطت الصحافة الوطنية وتشكلت المنظمات النسوية التي تطالب بمساواة المرأة مع الرجل ورفع الظلم والجور والعبودية عنها، وقد وقف بعض رجال الدين ضد هذا النهج التحرري والانفتاح الثقافي والأدبي الذي شمل كل مفاصل الحياة العراقية وحجة هؤلاء الجاهزة أن هذا التحرر خروج عن قيم ومبادىء الاسلام الحنيف، وظهرت فئة أدبية وثقافية ملتزمة سياسيا وكثير منهم منتمي الى الحزب الشيوعي العراقي وجميعهم متسلحون بالأفكار اليسارية الاشتراكية والوطنية منهم ذو النون أيوب القاص والروائي وغائب طعمة فرمان ومحمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعبد الله كوران وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وجليل القيسي والعشرات والمئات من الأسماء الأدبية اللامعة التي ساهمت بتحديث الأدب والفكر والفن مما شكل قفزة نوعية في التلقي والوعي الاجتماعي والعلاقات الانسانية والتجديد في كل مفاصل المجتمع تركت أثرها ليس في الحياة العراقية فقط، بل في كل الوطن العربي والعالم وان حصل نكوصا عند البعض منهم كما فعل السياب حين أصدر كتابه (كنت شيوعيا) والذي أساء به الى الحزب الشيوعي لكنه عاد واعتذر، قبل وفاته، عن هذا الكتاب لأن ثقافته وأرضيته الفكرية ساهمت الماركسية ومبادىء الاشتراكية في فتح أفقه المعرفي وانضاج خياله حتى يتمكن من فحص الواقع العراقي وتفكيك بناه كي يستخلص منه أشعاره التي بقيت خالدة حتى يومنا هذا. الأديب الحقيقي يحتاج الى منظومة فكرية يستطيع بها أن يحدد موقعه وتشخيص ما يحصل في البلد لمعالجة الخلل والانطلاق بركب الحضارة، لذلك اختار معظم المثقفين والأدباء العراقيين الفكر الماركسي سواء انتموا الى الحزب الشيوعي أم لم ينتموا فهو من أنار الدرب لهم وجعل منهم فنارات مضيئة عالية في دروب الثقافة والأدب والانسانية وقد ضحى الكثير منهم وغامروا بحياتهم صونا للمبادىء والأفكار التي آمنوا بها والتأريخ شاهد على ما قدمه هؤلاء الأدباء والمثقفين من تضحيات وما تعرضوا له من ملاحقات وتعذيب وسجون وموت وغربة كي تبقى سيرهم ناصعة أمامنا، هؤلاء الشعراء والمفكرون والفنانون المبدعون، مظفر النواب وتأريخه النضالي الاسطوري، عريان السيد خلف، فاضل العزاوي، بلند الحيدري، عبد الله صخي، فاضل ثامر، ياسين النصير، هاشم الطعان، زهير الجزائري، الفريد سمعان، ناظم السماوي، عبد الجبار عبد الله، قتيبة الشيخ نوري، والمئات والآلاف من الذين وضعوا سيرهم المجيدة وارثهم الثقافي قناديلا لا يمكن أن ينساهم المجتمع ولا التأريخ. خلاصة القول أن الثقافة ارتبطت باليسار العراقي منذ أيامها الأولى وحتى يومنا هذا وان ظهر اسم أدبي أو ثقافي هنا أو هناك محسوب على التيار القومي أو التيار الديني فهو لا يشكل رقما أمام التيار الثقافي اليساري الجارف والكثير حتى من هؤلاء تغذى في فترة من حياته على هذه الثقافة اليسارية ولكنه تنصل عنها اتباعا لمصالحه الفردية أو الحزبية لكن الأساس حين تنقب في جذوره تجد تغذيته يسارية وكلما ابتعد عن هذا الأساس بدأ بالتأرجح وضياع البوصلة والانطفاء وكأنه لم يخلق يوما. المبدأية والعصامية الفكرية والمنطق العقلي المادي الرصين هي من تنتج الثقافة الأصيلة..