اخر الاخبار

لا يمكن للعين أن تتجاوز مناطق الضوء العالي، حيث تتسع مساحة الرؤية، وحيث تحمل الكتابة شغف البحث عن المخفي، وعمّا تستدعيه من اسئلة، تجعل منها وعيا بالسيرة والتاريخ، وبفاعلية الحضور ازاء مهيمنات الغياب والقمع والاستبداد، وعلى النحو الذي يمنح تلك الكتابة طاقة أن تكون تاريخا موازيا.

هذا ما وجدته استهلالا للحديث عن صانعة الضوء لطفية الدليمي، التي جعلت من "سردياتها" تمثيلا لذلك الحضور، ولما يهجس به من وعي عال، ومن خيار لمعرفة ما اخفاه التاريخ العراقي، تاريخ العنف والانقلابات، والصراعات، وتاريخ الجسد المعطوب بالعزل والانتهاك والزمن الفاجع، حيث وجدت الانتجلنسيا العراقية نفسها إزاء خراب وطني، وتغريب اكثر قسوة، جعلها تعيش شغف البحث عن حريتها، وعن اسئلتها الوجودية العالقة بذاكرة مسكونة بأشباح السلطة والايديولوجيا..

رحيل لطفية الدليمي يضعنا ازاء استعادة ذاكرة ذلك الوجع الوطني، والعطب الثقافي، وهاجس المرأة التي تؤسس لخطابها السردي حضورا استثنائيا، يتجاوز عقدة الأنثى الى عقدة الوجود، ويقوض ذاكرة الاستلاب الى صخب المواجهة،  وعلى نحو جعل من رواياتها وقصصها، وكأنها مدونات للسيرة، وأن تاريخها الشخصي هو ذاته تاريخها السردي، على مستوى وعيها النقدي، وعلى مستوى حساسيتها إزاء اشكالية التجاوز، وأسئلة الكتابة الجديدة، في سياقها التجريبي أو في سياق تمثيلها للساردة التي تصنع من خطابها، أفقا، وشاهدا على تحولات زمانات عراقية عاصفة، اختلطت فيها المؤامرة بالخطيئة، والرومانسية بالايديولوجيا، والرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، فكانت فيها الدليمي حاضرة/ بوصفها الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى.

كتبت القصة والرواية والسيرة لتصنع منها وثائق المرأة التي تدرك أن الحرية ليست جسدا معزولا للأنثى، بقدر ما هي موقف من العالم، ولتجد في سردياتها رهانا على تمثيل الوجود، من خلال اعطاء القص طاقة الكشف عن "المقموع" في التاريخ العراقي المعاصر، تاريخ الانقلابات الفاشلة، والرجال المعذبين والمخصيين، ويوميات النساء الوحيدات والمنحوسات، حتى باتت الكتابة لديها وكأنها طقوس للقبض على الزمن، وعلى أن تصنع منها فردوسا، ومشروعا ثقافيا ظل مؤجلا، لا نرى من خلاله الّا رثاثة واقعنا الثقافي، واغتراب الانتلجسيا العراقية العاطلة، عن اسئلتها، وعن احلامها وعن امكنتها الحميمة.

اختارت الدليمي شخصياتها من عالم "نسائها الوحيدات" النساء اللائي يعشنّ العزلة بوصفها وعيا، ويُشبعن البحث السردي بوصفه بحثا عن الاكتمال، فالرجل في رواياتها ليس بطلا بالمعنى الاسطوري أو الميثولوجي، إنه بطل واقعي، مسكون بأسئلة  الوجود، وبالحب الذي يمنح علاقته بالأنثى حميمية التواصل، حيث يتحول الحب الى رهان، وحيث يتحول الجسد الايروسي الى كينونة غامرة بالكبرياء.

نساء الدليمي على الرغم من خيار الوحدة، والانحياز الى الذات المتعالية، فإنهنّ يعشن الوجود بوصفه تمردا على الضعف، وانحيازا للقوة بحمولاتها الرمزية والانسانية، فنجد روح "فرجينيا وولف" متدفقة في غرفتها السحرية، ونجد جرأة "درويس لسنغ" وهي تكتب عن سيرتها، وعن وعيها في مواجهة العنصرية والاستبداد والعنف والانتهاك، حيث خلق الشخصيات السردية التي ترفض الخضوع، وحيث الجرأة في رسم ملامحهنّ الدقيقة.

رحيل لطفية الدليمي خسارة كبيرة لرائدة من رائدات النضال الثقافي المدني، والريادة الصحفية، إذ كان حضورها عبر المنابر الاعلامية العراقية والعربية فاعلا، على مستوى اثارة الاسئلة التي تُعني بأهمية الكفاح الاجتماعي والسياسي من اجل الحقوق والحريات، وعلى مستوى الكشف عن فاعلية الهوية الأنثوية في التمثيل الجندري والثقافي، وفي اغناء السرديات بشخصيات يعرفن الطريق الى صناعة عالم اجمل..

شخصياتها في "عالم النساء الوحيدات" و"من يرث الفردوس" و"سيّدات زحل" و"عشّاق وفونوغراف وأزمنة" و" ضحكة اليورانيوم" و" بذور النار" وغيرها حملت معهن تلك السيرة التي ارادت أن تكتبها الدليمي، لتكون شهادتها على تمثيل وعيها لفكرة الحرية، عبر الرفض والموقف، وعبر تمزيق الجدب، وتجاوز عقدة الأنثى المستلبة، حدّ أن تلك الشخصيات كنّ يعشن الحب وكأنه جزء من هذا الوعي، ومن شغف الامتلاء بالحرية، وتمثيل الصراع من خلال البحث عن خيارات الذات وهي تضع نفسها إزاء سوداوية العالم..