اخر الاخبار

قيل في الأثر "ما يتبقي غير الأصيل" . بمعنى ان الرصين النافع هو ميراث أزلي للإنسانية ، فما بالك بآثار أصيلة ورصينة ، موجهة كلها لتكون فعلاً انسانياً مبدعاً! ولأجل ان نلُمَّ بآثار الرائدة لطفية الدليمي ، علينا ان نتذكر اسهاماتها في القصة والرواية والترجمة فضلاً عن المسرحيات والمقالات وادب المدن والرحلات ؛ التي تقع بين الانطباع النقدي والتحليل الاجتماعي. لنودع الخزين الثقافي هذا بأن نتذكر تميزها الابداعي.

ـ في القصص / كتبت الرائدة لطفية الدليمي أكثر من عشر مجموعات قصصية . تميزتْ بفعل تقني وقيمي يتماهى مع قصصية الشعر وايقاع الموسيقى وتقنيات الصوفية الحديثة ، باسلوب الدوران في المعنى حول بؤرة أساسية ؛ هي القيمة الانسانية العميقة بالألم المفعمة بالأمل. واللغة فيها ـ لكل مجاميعها تقريبا ـ لغة مخاتلة ، تجس المطلق برهافة امرأة بارعة الملمس ، بارعة التدبر والتفكر لاسيما "ممر إلى أحزان الرجال ـ بغداد ، 1970"  "البشارة" - بغداد، 1975.، "التمثال" بغداد ـ 1981و"موسيقى صوفية"  بغداد. و"مالم يقله الرواة" ـ الاردن  1999.

ـ في الرواية / في رواياتها استثمرت طاقة التراث العربي والبغدادي على الأخص ، فضلاً عن ملابسات الفكر الرافديني القديم والحديث ، خاصة في تلاقح الأثر العثماني بالإرث العراقي القديم، حيث صنعت من رواياتها عالماً انثويا حضارياً شجاعاً جريئاً لا يضاهى. تميز اسلوبها كونه يجمع بين ضفيرة الجملة الواحدة بالجمل السابقة واللاحقة ، ومنبع الفكر العميق لروحية الجمال الانساني مطلق البهاء وعياً وسلوكاً. ومن جنبة الصياغة اللغوية فهي تحتفظ بجمالها كلفظ يشبه الشعر، ويشبة الترتيب الفلسفي للآثار التراثية ؛ يفترق عنه بما فيه من قوى تأويلية مخمنة خارجة عن أي مقياس اشتراطي. واتسمت شخوصها ـ كلها تقريباً ـ بكونهم هلام بين البطل الاسطوري والبطل الذكي الواقعي ؛ لا سيما "خسوف برهان الكتبي" - 2001 رام الله . "سيدات زحل" 2009 – الأردن. "عُشّاق وفونوغراف وأزمنة" بغداد - 2016. "مشروع أوما" بغداد ـ 2021.

ـ في الترجمة / ترجمت أكثر من خمسة وعشرين كتاباً ؛ منها قصص عالمية ومنها روايات عالمية لم يسبقها أحدٌ بترجمتها، ومنها حوارات ومنها نقد ومنها نصوص مختارة ومنها تجارب كتاب عالميين. وفي هذه التراجم كلها تنحو نحو اختيارات منتقاة بدقة فائقة ، وفيها ميزة واحدة انها تمثل حاجة ثقافية عربية ملحة.

ـ في المقالة / تعددت المقالات ذات الطابع الفلسفي والاجتماعي ، لكن أكثرها اشتهارا كانت المقالات التي جمعتها في كتابها "في المغلق والمفتوح - مقالات جمالية" الذي صدر ببغداد. 1998. وامتاز الكتاب كونه تأسيساً للأدب المفتوح على القيم الجمالية بشكلها الكتابي ومضمونها الفكري. اتمت تنفيذه بلغة سماها الباحث محمود عبيد الطائي بـ (اللغة الطائرة) . اي التي تجمع بين المادي واللامادي بطريقة متضافرة ، تزيد من الشد في المعنى والمبنى. وقد امتازت أعمدتها الصحفية كلها بلغة الايجاز القريب من الايماء لا البوح المباشر مثل كبار الكُتّاب العالميين.

ـ في شوؤن أُخرى / اهتمت بأدب الرحلات وأدبية "النسوية" . وعشرات وحتى مئات المقالات في الشؤون الاجتماعية والفكرية والتجارب الذاتية. كما انها من أوائل من أسسن محافل خاصة للنشاطات النسوية الهادفة، خاصة ؛ انها أسست سنة1992مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد. وقد اهتمت بالدراما والمسرح ؛ حتى انها أنجزت أكثر من ثمانية أعمال مهمة في هذا الشأن ، كلها تخاطب الضمير الانساني بلغة شاعرية لإنسانية مجروحة بما على الأرض من امتهان بشري وظلم حضاري شبه أبدي. 

ـ لطفية الدليمي خزانة الادب والمعرفة ، وخلاصة انسانية للفعل الثقافي الفذ . انها كاتبة موسوعية حد ان نقارنها بجميع من خلدوا الجمال فكراً وتراثا وتنويرا. انها من نوع التنويريين الخالدين.