اخر الاخبار

ليست حرب اميركا المفتوحة سوى العودة الى اوهام الامبراطوريات، والى استعادة المركزية التي توهمها ذات مرة الفيلسوف هيغل، حين جعل من "اوربا" رهانا على تعالي الأنموذج البروسي، حيث كان بسمارك يتخيل أن القوة وحدها هي من تصنع العالم..

دونالد ترامب ذات المخيال البسماركي يدفع العالم الى ما يشبه تلك الحرب، وكـأنه يعمد الى ربطها بمتخيله السردي عن النظام الدولي الجديد، حيث لا أسلحة له سوى الأسواق، والبنوك، ولا ضحايا له سوى الشعوب التي تأكل من اوهامها.

ما بين هذا وذاك، سيتم استعادة ما هو أيديولوجي في اطروحة فوكوياما عن "الانسان الأخير" وأطروحة هينتغتون عن "صدام الحضارات، وربما أطروحة بريجنسكي عن "رقعة الشطرنج" وعلى نحوٍ يجعل من هذه الاستعادات هي الأقرب الى الفرجة السياسية والاقتصادية والثقافية، والى تمثيل وهم البطولة، وربما الى الترويج عن إعلانات "واقعية سحرية" خلط مقاديرها ترامب ليبشّر بخيار "الأمركة" بدل "الأوربة" وتحت يافطة  صناعة أنموذج الانسان السوبرمان، الذي يشبه فرانكشتاين شيللي، بوصفه رمزا  لشراهة الرأسمالية والليبرالية الجديدة، وهي تصنع الحروب والعنف والكراهية عبر خوارزميات الاسلحة، وخوارزميات السوق، وخوارزميات "الغباء الاصطناعي" الذي يجعل من الحروب رهانا على صناعة مستقبل العالم..

إجراءات الحرب، وكراهية الآخر، والحديث عن ربط حرب الجغرافيا بحرب الاسواق، لا تكشف سوى عن واقع غامض، وعن سياسات عارية من المسؤولية الاخلاقية، ومن القوة المعرفية، حيث يتعرّى فيها الرأسمالي "الليبرالي" عن اوهامه، وغطرسته، ليعمد الى صناعة قوة فائقة تتجاوز منطق بناء "الدولة" الى بناء الامبراطورية، وتطرح أنموذجا للامبراطور التاجر، واللص والمجنون، الذي يحلم بحرق العالم على طريقة "نيرون" أو ربما تحويل العالم الى غابة تشبه غابة "ابيستن" حيث تخضع الاخلاق الى تأويل التاجر، والى اوهام بائع القاصرات، وهو ما بدت عليه وظيفة "الرئيس التاجر" الذي كان جزءا من ثقافة تلك الغابة، فهو لا يعرف أن يكون عاشقا، أو دبلوماسيا، ولا عارفا بقواعد الاشتباك في الحروب، وأن معرفته تظل محصورة بأسرار تلك الأسواق، والقدرة على التحكّم بأسعار الطاقة والصواريخ واليورانيوم والسيارات، وربما سيشمل ذلك أسعار الملابس الداخلية وطواقم الماكياج والمكسرات وغيرها..

لعنة الحرب التي اختارها ترامب، ليست بعيدة عن مدرسة الهيغليين الجدد، ولا عن السياسات التي وضعها معلمه الكبير هنري كيسنجر، فالكل يشتغل على مركزية القوة، وعلى سحر الطريقة الامبراطورية في معالجة مشاكل العالم، لكن ما يميز ترامب الليبرالي الجديد هو اعادة انتاج مشروع كراهية الآخر اليساري، والذهاب الى  بيع "صناديق الديمقراطية" على طريقة باعة الخردة، وتحويل السياسة الى ممارسة في اصطياد الرؤساء، أو شراء البعض منهم، وربما اختيار بعض آخر على وفق أنموذج "الجنرال بيونشيت" الذي يكره الثورات واليسار والاحلام الوطنية والشعراء والاغاني.

الغاية هي من كل هذا هي تكريس سلطة الامبراطور، بائع الرئاسات والخردوات، والديمقراطيات الزائفة، وصانع العقوبات الغرائبية والحروب العشوائية، ولاعب "الشطرنج" الذي يصمم رقعته على طريقة "لاعب القمار" الذي لا يهمه الحصان الأسود أو البيدق الأبيض، فعالم الخيول والبيادق لن يكون بريئا، وأن شطارة اللاعبين هي من يقود اللعبة العابرة لسرديات الايديولوجيا، والداخلة في منظومة الأسواق والبنوك، وفي خفايا القابضين على اسرارها، وبالاتجاه الذي يربط السياسة والحروب بسلسلة من الاحتكارات والإجراءات، ومن السياسات التي تتحول الى أدوات قهرية لفرض نظرية "البطل العالمي" بوصفها صياغة مخادعة للوهم الامبراطوري، ولفكرة "الانسان الايديولوجي الأخير" المسؤول عن المجاهرة بموت تاريخ الأحلام، والبدء بكتابة الانسان من خلال تاريخ الأسواق العالمية والشركات العابرة للقارات..

ما جرى، وما سيجري في هذا العالم، من الحروب الملعونة، ومن السياسات المجنونة لن يكون بعيدا عن ما يجري في الشرق الأوسط، ومن عدوان اميركي صهيوني مفتوح على ايران وعلى جنوب لبنان، وهي فضاءات مازال بعضها يتغذى بتاريخ الايديولوجيا، وبالمواقف الرافضة لمشروع المركزية التي جعلها الرئيس ترامب خيارا لسياسته الرئاسية في ترسيم حدود النظام العالمي  الجديد..