اخر الاخبار

يا هذا! أين أنت عن عراقي أصبح غريباً في زمنٍ يشتعل فيه الشرق الأوسط ناراً بعد نار؟! وأين أنت عن رجلٍ وُلد على ضفاف دجلة والفرات، فإذا به اليوم يقيم في خيام القلق، ويبيت على وسادة الخوف، ويصحو على أخبار الحرب التي لا يعرف لها وجهاً ولا نهاية؟! يا هذا! العراقي اليوم كغريبٍ طالت غربته في وطنه، وقصر نصيبه من الأمان في داره، فهو إن نظر حوله رأى الخرائط تتحرك كأنها سيوف، ورأى الأخبار تتقاطر كأنها سهام، ورأى الأسماء تتبدل والدماء ثابتة لا تتبدل. إن اقتربتَ منه وجدته صامتاً كأن الصمت آخر ما بقي له من الكرامة، وإن خاطبته نطق بكلماتٍ متقطعة كأنها شظايا ذاكرة. وإن سألته عن الحرب قال: "أي حرب تقصد؟" فالحروب عنده كثرت حتى صارت كالسنين، لا تُعد ولا تُحصى.

يا هذا! العراقي ليس غريباً لأنه بعيد عن أرضه، بل لأنه قريب منها أكثر مما ينبغي. فالأرض التي كان ينبغي أن تكون حضناً، صارت امتحاناً. والسماء التي كانت تمطر رحمة، صارت تمطر أخباراً سوداء. يا هذا! الغريب من غادر وطنه قسراً، ولكن أشد غربةً من بقي في وطنٍ لا يعرفه. والعراقي اليوم يرى الشرق الأوسط كله كمرآةٍ مكسورة: في كل قطعةٍ حرب، وفي كل زاويةٍ جبهة، وفي كل خبرٍ خوفٌ جديد. إن جلس في مجلسٍ سمع أسماء المدن تتكرر: غزة، بيروت، دمشق، صنعاء… فتتحرك في ذاكرته بغداد والبصرة والموصل، كأن المدن العربية كلها تتحدث لغة واحدة هي لغة الألم.

 يا هذا! العراقي إن أصبح،  أصبح حائر الفكر.  وإن أمسى، أمسى مثقلاً بالأخبار. إن فتح هاتفه وجد الحرب تسبقه، وإن أغلقه وجد القلق يلاحقه. هو لا يقاتل في الجبهة، لكنه يعيش في قلب الجبهة. ولا يحمل السلاح، لكنه يحمل الخوف في صدره كأنه سلاح موجه إليه. يا هذا! العراقي يعرف الحرب أكثر مما يعرف السلام. فالحرب عنده ليست حدثاً طارئاً، بل سيرة عمر. والمحنة ليست حادثة عابرة، بل تاريخٌ يسكن في العظام. إن ضحك، ضحك كأن الضحك استراحة قصيرة من التعب، وإن حزن،  حزن كأن الحزن وطنٌ آخر يسكنه. يا هذا! الغريب من لا يجد من يسمع شكواه، وأغرب الغرباء من صار صوته جزءاً من الضجيج. العراقي يتكلم، لكن العالم لا يسمعه إلا حين ترتفع النيران. وإذا خمدت النيران عاد إلى الظل، كأنه صفحةٌ طويت قبل أن تُقرأ.

 يا هذا! الغريب من إذا حذر لم يُصدق، وإذا بكى لم يُفهم. والعراقي حذر كثيراً من نار الحروب التي تحيط بالمنطقة، لكن النار حين اشتعلت قيل له: اصبر، فهذه حرب الآخرين". وأي آخرين يا هذا؟! أليست هذه الأرض أرض الجميع؟ أليست هذه السماء سماء الجميع؟ أليس الدخان حين يرتفع يختلط بعضه ببعض حتى لا يُعرف مصدره؟! يا هذا! العراقي كمن عاش طويلاً في بيتٍ تهدم سقفه مراراً. كلما أصلحه، جاءت عاصفة أخرى. وكلما ظن أن الليل انتهى، جاء فجرٌ بلون الرماد. هو يعرف معنى الحرب حتى وإن لم تُطلق رصاصة واحدة في مدينته. يكفيه أن يرى وجوه الناس تتبدل، وأن يسمع الأسواق تتحدث بصوتٍ خافت، وأن يشعر بأن المستقبل صار كلمةً ثقيلة على اللسان. يا هذا! الغريب من إذا طلب الطمأنينة لم يجدها، والعراقي اليوم يطلب الطمأنينة كما يطلب الماء في الصحراء. إن سألتَه عن الغد قال: الغد؟! دعنا نعبر هذا اليوم أولاً". فاليوم عنده بحرٌ من الاحتمالات: قد يمر هادئاً، وقد ينقلب فجأة إلى موجة خوف. يا هذا! الغريب من لا يستطيع أن يخطط لحياته، والعراقي صار يعيش كأن الزمن نفسه حرب. لا يعرف إن كان عليه أن يبني بيتاً، أم ينتظر حرباً جديدة تهدمه. ولا يعرف إن كان عليه أن يحلم، أم يختصر أحلامه حتى لا تتكسر. يا هذا! الغريب من إذا تكلم عن السلام قيل له إنه حالم، وإذا تكلم عن الحرب قيل له إنه متشائم. والعراقي يعيش بين هاتين التهمتين: إن تفاءل اتهموه بالسذاجة، وإن تشاءم اتهموه بالمبالغة.

يا هذا! الغريب من إذا تذكر الماضي بكى، وإذا فكر في المستقبل خاف. والمحنة عند العراقي ليست في الحرب وحدها، بل في انتظار الحرب. فالانتظار أشد تعباً من الحدث نفسه. لأن القلب يبقى معلقاً بين احتمالين: أملٍ صغير، وخوفٍ كبير. يا هذا! الغريب من إذا نظر إلى أطفاله خاف عليهم من الزمن. والعراقي ينظر إلى أطفاله كمن ينظر إلى سؤالٍ بلا جواب. أي مستقبل ينتظرهم؟ وأي شرقٍ أوسط سيكبرون فيه؟ شرق الحروب أم شرق السلام المؤجل؟ يا هذا! الغريب من إذا نام لم يسترح، وإذا استيقظ لم يطمئن. والعراقي ينام على أخبار الحرب، ويستيقظ على أخبار الحرب، كأن الليل والنهار عنده وجهان لقلقٍ واحد. يا هذا! لقد صار العراقي خبيراً في قراءة الإشارات: ارتفاع أسعار النفط، تصريحات القادة، تحركات الجيوش، سقوط الصواريخ. كل خبرٍ عنده احتمال، وكل احتمالٍ عنده خوف. يا هذا! الغريب من لا يملك القدرة على تغيير مصيره، لكن المصير يطرق بابه كل يوم. والعراقي يقف بين القوى الكبرى كإنسانٍ صغير بين جبالٍ متحركة. كلما تحركت الجبال اهتزت الأرض تحت قدميه.

يا هذا! الغريب من إذا دعا إلى السلام قيل له إن السياسة أعقد من ذلك. لكن العراقي يعرف أن الدم أبسط من السياسة. فالدم حين يسيل لا يسأل عن التحالفات، ولا يقرأ الخرائط، ولا يفرق بين العواصم. يا هذا! العراقي في هذه الحرب كمن ينظر إلى التاريخ وهو يعيد نفسه. كأن الشرق الأوسط كتابٌ قديم، كلما حاول الناس إغلاقه، فتحته حربٌ جديدة. يا هذا! يا رحمتا للعراقي! طال صبره من غير جزاء، وطال خوفه من غير سببٍ ارتكبه، وطال انتظاره لسلامٍ لا يأتي. يا هذا! إن العراقي ليس غريباً لأنه ضعيف، بل لأنه قويٌ أكثر مما ينبغي. فلو كان ضعيفاً لانكسر منذ زمن، ولو كان قليل الصبر لترك هذه الأرض منذ زمن. لكنه بقي، كما تبقى النخلة في العاصفة، تنحني قليلاً ثم تعود واقفة.

 يا هذا! الغريب في الجملة من لا يجد مكاناً آمناً في هذا العالم. والعراقي اليوم يبحث عن مكانٍ صغير من الطمأنينة في بحرٍ من الحروب. فإن وجد لحظة هدوء قال: الحمد لله". وإن سمع خبراً سيئاً قال: اللهم سلم". وهكذا يمضي يومه بين دعاءٍ وخبر، وبين خوفٍ وأمل. يا هذا! إن محنة العراقي ليست قصة فردٍ واحد، بل قصة شعبٍ كامل يعيش على حافة التاريخ. شعبٍ تعلّم أن الأمل لا يموت، حتى وإن تأخر. وتعلم أن السلام قد يغيب، لكنه لا يختفي إلى الأبد. ولعل الشرق الأوسط، يا هذا، سيكتشف يوماً أن هذه الأرض تعبت من الحروب، وأن الإنسان فيها يستحق حياةً أبسط من كل هذه النيران. فإذا جاء ذلك اليوم، عرف العالم أن العراقي لم يكن غريباً، بل كان شاهداً صبوراً على زمنٍ مضطرب. والله أعلم بما تخبئ الأيام. ورحم الله أبا حيان التوحيدي.