اخر الاخبار

ينحى الشاعر (حسن عاتي الطائي) منحى شعريا مغايرا للسائد في بعض اشتغالاته حيث يعمد الى تكريس الخاص في مجرى الكتابة عبر نص يمكن ان نطلق عليه (سير ذاتي) بمعنى دمج جانب من السيرة الذاتيه للشاعر او عائلته في البناء الفني للكتابة والى الدرجة التي تغنيه لاحقا عن ان يسترجع ما استثمره شعريا في كتابة اخرى كالسيرة الذاتية مثلا فلا حاجة لذلك بعد ان افرغ شحنتها الشعورية في نصوصه السابقة.

صورة الأب متخيلا او واقعا هي الهاجس الذي غذى مجموعة شعرية بكاملها عبر نص رحّله الشاعر عنوانا عاما لبقية النصوص ولذا فأن هذا النص/ المجموعة يصلح ان يكون عيّنة للقراءة النقدية على افتراض انه الجملة الكبرى او العتبة الواسعة التي يمر من خلالها كل الاشتغال الشعري للشاعر.

لتجربة (حسن عاتي) أكثر من أفق يستحق الدراسة ولعل الأفق التاريخي او الزمني هو الأبرز لاستغوار تجربة شعرية امتدت منذ سبعينات القرن الماضي وبتتابع منتظم ابداعا واصدرارا ومواكبةً للمشهد الأدبي في مجمل تحولاته التاريخية والابداعية.

ولعلنا نقف هنا على مفصل من مفاصل هذه التجربة، وثيقة نصيّة لها بعدها الخاص ونقصد البعد الوجداني الذي يغذي كل التعبيرات الشعرية، منذ افتتاح النص، صورة الاب، يعلن الشاعر أن (عاتي).. (لم يكن مجرد اسم) فالاسماء غالبا ما تكون تقليدية تُطلق للتفريق بين الاشياء لا لملامسة جوهرها العميق او المختلف الذي (ألقت عليه السنوات غبارا كثيفا، فتوارى الى الظل).. تمر يد الشاعر لتفرك الصدأ عن وجه الصورة وتزيل الغبار معلنة سطوع الملامح وهذا ما يفعله الشعر غالبا، يمنح الاشياء توهجها، فرصة ظهور حقيقي او مناسبة مميزة للاعلان عن نفسها بدهشة خاصة:

كان كيانا فارها قائما بذاته

ومزرعة دائمة الشدو/ تحنو/ عليه/ الانهار

لنتأمل دلالة الفعل (كان) في سياق الإستحضار وليس الاستذكار فحسب، ثمة فرق دلالي واضح:

كان (عاتي) غيمة صادقة الوعد

تزرع فاكتها في كل مكان

فهو لم يكن (ريحا مستبدة) كما يوحي الاسم في قواميس التداول اليومي اوما درجت عليه تعبيراتنا بالقول،، ريح عاتية،، مثلا ولعل جملة (كان سلاحه الرضا) باذخة الدلالة في التفريق بين الاستبداد الذي يوحي به الاسم وحقيقة المسمى!.. لا عنت ولا عتوّ بل هو الهاديء الذي يوزع هدايا رضاه وسماحة روحه على بشر متعبين ينتظرونه عند باب.

القصيدة الأم التي ترشحت ان تكون علامة على الديوان كله تختزل الكثير مما اراد الشاعر توثيقه وتتبعه عبر تحولات صورة الاب او استحضارها شعريا وهوما اطلقنا عليه نوعا من شعر السيرة في بداية الورقة:

كان (عاتي) أرق من اسمه/ المثير للالتباس/ على خلاف ما يوحي به

نجد ان اللغة الشعرية هنا تتنازل قليلا عن شحنتها البلاغية والرمزية لصالح لغة مباشرة تتوخى التوثيق او التسجيل بعيدا عن الاشارات الدلالية المحتملة او ما ندعوها احيانا بالشفرات اللغوية، هنا لغة كشف وأرخنة لصورة لا نريد ان تغيب او تتراجع خلف ضباب الزمن.. (عاتي) هو الأب والقصيدة والمغزى.