اخر الاخبار

تشكل الدراسات والتجارب التي تخترق البديهيات والمفاهيم المتعارف عليها بل والتي اصبحت مستهلكة في حقول الفن والإبداع الى جانب تعدد وتميز اساليبها ومفاهيمها الجديدة؛ نوعا من المغامرة التي يخوض فيها مبدعها اغوارا ليست بالسهلة واليسيرة انما يصاحبها نوعا من الجدل العميق الذي يحتاج الى تأويلات تقرب تلك المفاهيم الى المتلقي كفرد او مجموعة المتلقين كمجتمع. انطلاقا من ذلك جاءت طروحات الفنان العراقي والرسام الرائد محمود صبري في ابتداعه اشتغالات نظرية الكم المتعارف عليها فيزيائيا في الفن والتي اطلق عليها "واقعية الكم". ويشير محمود صبري الى تعريفه الدقيق لهذه النظرية الجديدة ولاسيما في حقل الفن التشكيلي بأنها تطبيق للنظرية العلمية في حقل الفن، وأنها شكل جديد من الفن يصور المستوى الجديد من الواقع الموضوعي الذي كشف عنه العلم والتكنولوجيا الحديثة، وهو الواقع الذري. فواقعية الكم عند صبري فن يستبدل النظرة والفكر الغيبي والسحري بآخر علمي، او هي فن مجتمع يطلب من الفنان خيالا متحررا من الغيبية والسحر.

لقد جاءت "واقعية الكم" في الفن كما اشتغل عليها محمود صبري بأنها تتجاوز الواقعية التقليدية، انها موقف متحول ما بين الفن من جهة والتكنولوجيا وتحولاتها المتسارعة من جهة اخرى. فهي تنقل الوظيفة الفنية من مستوى المظهر الى مستوى الجوهر كما يشير صبري. لقد نجح الفنان محمود صبري في تأطير تلك الافكار المتقدمة نحو الفن بإطار علمي وتقني وجمالي ووظيفي للفن عن طريق واقعية الكم. فالواقعية التقليدية كما يراها هي العلاقة ما بين الميتافيزيقية والميكانيكية، انها موقف يتعامل مع الطبيعة كمحتوى فكري او نظام من التكوينات الذهنية، والأفكار والرموز، والإشارات والعلامات، والظواهر والألوان وغيرها. لقد اثرت تلك النظرية المهمة التي جاء بها محمود صبري في حركة الفن الحديث والمعاصر باستلهام الفنان ومحاكاة الطبيعة بظواهرها وصفاتها المظهرية والتركيبية، وتجسيد ذلك  في العمل الفني الجديد القائم على تلك العلاقة الجدلية المهمة التي طرحها صبري وهي جدلية الميتافيزيقية- الميكانيكية (التقنية، الأسلوبية والتعبيرية). من خلال تلك المفاهيم الجادة التي جاء بها محمود صبري في اشتغالاته في حقل الفن التشكيلي ونجاح نتاجاته الجمالية في تحقيق الواقع الكمي الذي وضعه على وفق تتابع علمي وفكري وتقني، يأتي د. صلاح القصب ليخوض غمار هذه التجربة المهمة وبجرأة واضحة في ميدان الاخراج المسرحي المعاصر، ليضع النظرية من جديد في حقل التجريب واستنباط النتائج التي يراها مهمة جدا في انشاء واقعية الكم الجديدة في المسرح.  فقد استطاع ان يجد علاقة ما بين الواقع والطبيعة وما بين السمات الفيزيائية البصرية كاللون والصوت والضوء من جهة والفكر من جهة اخرى كتعبير جمالي يجسده في العمل المسرحي المعاصر جماليا وتعبيريا.

انها تعالق ثلاثي كما يراه القصب عبر ثلاث قوى (العقل والحس والحدس). كما ان حضور العقل بوصفه صراعاً ذهنياً متوقداً ولاسيما عند المخرج المسرحي المبدع لا يلغي وجود الحس  والحدس والتي تكون قوى واعية ومستعدة لالتقاط الواقع بجزيئاته المختلفة وطبيعة مكوناتها البصرية والمظهرية. لقد جعل صلاح القصب تحويل المشهد المسرحي الى صورة، وان يجعل كل تعالقات

الظاهر والباطن تأويلات فيزيائية تحول العنصر البصري الطبيعي الى عناصر تجسد المعنى وتشكل حركة ديناميكية واضحة عن طريق حركة الممثل وطبيعة علاقته بالسينوغرافيا المعاصرة اليوم التي باتت تعتمد الرقميات وبرامجياتها المتحولة سريعا فضلا عن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي،  لقد استطاع ان يحول المشهد المسرحي اليوم الى لوحة تنطق بلغة جديدة وتبرز عناصرها البصرية من خلال قوة اللون والضوء والصوت والحركة فسيولوجيا مع تناسب ذلك بالزمن وتأثيراته سيكولوجيا فضلا عن التعالق ما بين الفسيولوجيا والسايكولوجيا من اجل التأثير على الجمهور.

يؤكد صلاح القصب على حضور وتمظهر الذات في واقعية الكم في الفضاء المسرحي المعاصر من خلال التفاعل ما بين الذات المبدعة والموضوع، فواقعية الكم واشتغالاته في الحقل المسرحي تؤكد حضور الذات وعلاقاتها مع المكان والزمان والعناصر الفيزيائية المختلفة، فأنها تدرب الانسان في متعة الموقف العلمي الديالكتيكي اي الجدلي او انها تحول الجدل العلمي – المادي الى نمط للحياة ومن ثم اعمام ذلك التطبيق او التجسيد ليكون واضحا ومشكلا ومجسدا في الحقل المسرحي كما يتطابق ذلك مع رأي محمود صبري. لقد استطاع صلاح القصب من خلال دراسته العميقة لما قدمه صبري من تصورات نظرية ومادية وتقنية ان يطور هذه النظرية في الحقل المسرحي المعاصر وكانت نقطة انطلاقه من خلال مسرحياته المهمة وهنا يقول القصب ((ان حركة التاريخ وتردد موجاته الدياليكتيكية قد ركزت على هذه المدركات في مسرحية (ماكبث) اذ كانت الدخول الاعمق فيزيائيا من تجربة (عزلة في الكريستال) والتي اعتمدت في بنائها الترددي البصري على هندسة العمارة وتردداتها البصرية في قوة الكتلة وخطوطها ومصادرها كطاقة وتكوين فكانت هذه التجربة رهينة العبور بهذا الحقل الفيزيائي في الرؤيا وقوة الموجة وتردداتها سواء اكانت من تلك المعادلات التي ترى في لمعان المظاهر حركة في اكتشاف المعادلات واشتغالاتها او تلك الفراغات التحتانية والتي لها اعماق غير مرئية ولها قوة وجاذبية)). من خلال ما تقدم فقد قدم المخرج المسرحي والأكاديمي المبدع  د. صلاح القصب في طرحه المهم هذا ودراسته الموسومة (فيزياء الكم واشتغال معادلاتها الفيزيابصرية في الحقل المسرحي) والذي عرض فيه تلك المفاهيم المهمة لواقعية الكم واشتغالاتها في الفن انطلاقا من طروحات محمود صبري في الفن التشكيلي، مع تطرقه الى دراسات فيزياء الكم في حقل اشتغالها العلمي والفيزيائي، يقدم تلك الرؤى والحقائق العلمية التي استطاع ان يستفيد من معطياتها في منجزاته الابداعية في الحقل المسرحي المعاصر الذي يشكل خطورة ومغامرة صعبة من حيث التوظيف والتجسيد واستعمالات التقنيات المعاصرة ودخول الذكاء الاصطناعي بتقنياته المختلفة. انها دراسة جديرة بالقراءة لمبدع ومفكر كبير وفنان عرف عنه اشتغالات خارجة عن النمط بأسلوب متميز لا يقبل الشك.