اخر الاخبار

تُعدّ آلية تحديد غلة الدونم لمحصول الحنطة، التي تعتمدها وزارة الزراعة بالتنسيق مع وزارة التجارة، واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الفلاح العراقي في المواسم الزراعية الأخيرة، لاسيما مع اعتماد سقوف إنتاجية أقل بكثير من معدلات الإنتاج الحقيقية في العديد من المناطق الزراعية.

ومن أكبر المغالطات في هذا الملف أن الجهات المعنية تضع سقفاً محدداً لغلة الدونم، ثم تعود أثناء الحصاد أو بعد انتهائه لتشكيل لجان كشف وتقدير بغية “إنصاف” الفلاحين المنتجين. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لهذه اللجان أن تقدّر الغلة الحقيقية بعد حصاد المحصول واختفاء معالمه الميدانية؟

من الناحية العلمية والزراعية، فإن تقدير الغلة يجب أن يتم والمحصول لا يزال قائماً في الحقل، عبر اعتماد العينات العشوائية والدراسات الميدانية قبل الحصاد. أما اللجوء إلى لجان الكشف بعد انتهاء الحصاد، فإنه يثير العديد من الإشكالات الفنية والمنطقية.

فبمجرد دخول الحاصدات إلى الحقول، يختفي المؤشر البصري المباشر الذي يوضح كثافة السنابل وحجم الحبوب ومستوى الإنتاج الفعلي، لتصبح عملية التقدير لاحقاً قائمة على الاجتهادات الشخصية أو التقديرات الجزافية، وهي آلية قد لا تنصف الفلاحين الذين اعتمدوا تقنيات ري حديثة وبرامج تسميد متوازنة مكّنتهم من تحقيق إنتاجيات مرتفعة.

وتتفاقم المشكلة عندما يكون السقف المعتمد من قبل الجهات الرسمية أقل بكثير من الواقع الحقيقي للإنتاج. ففي الوقت الذي تُحدد فيه بعض التعليمات سقفاً بحدود (900) كيلوغرام للدونم في الأراضي المعتمدة على المرشات، و(700) كيلوغرام في الري السيحي، تصل إنتاجية بعض المناطق الصحراوية أو المشاريع المعتمدة على الري المحوري إلى ما بين طن ونصف وطنين للدونم الواحد.

وهنا يجد الفلاح نفسه أمام خيارين كلاهما مرّ؛ الأول الاصطدام بالروتين الإداري عبر انتظار لجان الكشف، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير تسليم المحصول ويعرّضه لمخاطر التلف أو الحرائق، والثاني اللجوء إلى بيع الفائض خارج المنافذ الرسمية وبأسعار أقل، وهو ما يفتح الباب أمام السوق السوداء ويضر بالأمن الغذائي الوطني الذي تسعى الدولة أساساً إلى حمايته.

إن الهدف المعلن من تحديد سقوف الغلة يتمثل في منع تسريب الحنطة المستوردة أو المهربة إلى المخازن الرسمية، إلا أن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تكون على حساب الفلاح الحقيقي والمنتج الفعلي.

واليوم، ومع التطور الكبير في التقنيات الزراعية، باتت هناك أدوات حديثة يمكن الاستفادة منها لتحقيق رقابة أكثر دقة وعدالة، من بينها تقنيات الاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية، التي تتيح تقدير إنتاجية كل رقعة زراعية وفق مؤشرات النمو الخضري، فضلاً عن إمكانية تفعيل دور المشرف الزراعي الميداني الذي يواكب مراحل نمو المحصول منذ الإنبات وحتى النضج الفسيولوجي، بما يوفر قاعدة بيانات دقيقة وواقعية عن مستويات الإنتاج.

إن حصر “الإنصاف” بلجان كشف تُشكّل بعد الحصاد يمثل إجراءً علاجياً متأخراً لا يعالج أصل المشكلة، بينما المطلوب فعلياً هو تحديث الخطة الزراعية وآليات التسويق بما يجعلها أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الطفرات الإنتاجية الناتجة عن تطور تقنيات الري والتسميد والإدارة الزراعية الحديثة.

فالفلاح الذي يحقق إنتاجية تتجاوز السقوف المحددة لا يحتاج إلى لجان كشف بقدر ما يحتاج إلى اعتراف رسمي بجهده وإنتاجه الحقيقي، وإلى إجراءات تسهيلية تضمن تسويق محصوله دون تعقيدات إدارية أو تأخير يفاقم خسائره.

ـــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري