اخر الاخبار

يعتبر حزب اليسار السويدي أهم الفائزين في الانتخابات الأخيرة. لقد استطاع الحزب، وفق النتائج النهائية الحصول على 8,4 في المائة، بزيادة قدرها 1,7 في المائة، منحته 30 مقعدا في البرلمان الجديد، بزيادة قدرها 6 مقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة. وبعيدا عن صعوبات تشكيل الحكومة الجديدة، ومحاولات حرمان الحزب من حقه الطبيعي في المشاركة فيها، سنحاول تسليط الضوء على الأسباب التي قادت الحزب إلى تحقيق هذا النجاح

قراءة صحيحة

ركز اليمين المحافظ والمتطرف على جعل الجريمة والهجرة مجدداً القضايا الانتخابية الرئيسية، واتسعت مخاوف الناخبين بشأن الخدمات العامة وتكاليف المعيشة.  وأدى اضعاف نظام الرعاية الاجتماعية في السويد، إلى تعزز هذا التركيز، فضلا عن ان يوم الانتخابات شهد ثلاثة انتخابات، فإلى جانب الانتخابات العامة، جرت أيضا انتخابات مجالس الأقاليم السويدية الـ 21، المسؤولة عن قطاعات الصحة والنقل العام والتنمية الإقليمية، كذلك انتخابات مجالس البلديات (290)، المعنية بالمدارس والخدمات الاجتماعية والرعاية والمرافق الترفيهية.  وأدى اعتماد سياسة معادية للمهاجرين إلى شحة في الممرضات والعاملين في مجال رعاية المسنين، وارتفاع مستمر في تكاليف الغذاء والسكن والطاقة.  وأصبحت السويد البلد الثالث في الاتحاد الأوربي من حيث ارتفاع البطالة، وخصوصا بين الشباب (23,3 في المائة).

اتخذ حزب اليسار نهجاً أكثر جذرية، إذ تحدث عن عقود من عدم المساواة وتدهور الخدمات العامة.  وطالب الحزب بتوفير رعاية أسنان شاملة، وكان له السبق على الحزب الاشتراكي، بالإضافة إلى المطالبة بفرض "ضريبة على أصحاب المليارات" للحصول على قرابة 4,5 مليار يورو، وتعزيز الرقابة على الأسعار، وتوفير غذاء أرخص، وزيادة الاستثمار العام، إلى جانب زيادة عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتحسين الرعاية الصحية الأولية، وإنهاء نظام الرعاية الاجتماعية القائم على الربح وخصخصة التعليم.

وطالب الحزب بتعزيز كبير للاستثمار العام، لتطوير البنى التحتية، ومن أجل مواجهة أزمة المناخ، بواسطة توسيع شبكة السكك الحديدية والنقل العام، وتجديد وبناء مساكن صديقة للبيئة، ودعم تحول الصناعة، وبالمزيد من الملكية العامة، والرقابة الديمقراطية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة. وبينما وعد حزب الخضر والحزب الاشتراكي أيضًا بموارد إضافية للمدارس والرعاية الصحية والمناخ والمناطق والبلديات، إلا أنهم كانوا أقل استعدادًا لتحدي آليات الخصخصة والسوق التي قوضت دولة الرفاه في السويد، بما في ذلك في ظل الحكومات السابقة التي قادها الحزب الاشتراكي.

وأمضى اليسار السنوات التي تلت انتخابات 2022 في الاستعداد لتشكيل الحكومة، ورغم النقاشات الحادة داخل الحزب، فإن المطالبة بحق الحزب الشرعي بالمشاركة المباشرة في الحكومة البديلة، كان أساسيا في استراتيجيته للتغيير. وكانت تجربة الحزب في دعم الحكومات من خارجها غير مشجعة، لأنها سهلت تماهي الحزب الاشتراكي مع السياسات اليمينية. ان مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة قد تمنحه تأثيراً أكبر في سياسات الرعاية الاجتماعية والضرائب والإسكان وسياسات المناخ.

العداء للحزب لم يجدِ نفعا

تعرض الحزب خلال الحملة الانتخابية إلى حملة تشويه وعداء مكشوف من وسائل الإعلام اليمينية، التي حذرت من "قدرة اليسار على تدمير الاقتصاد السويدي". وتعرض حزب اليسار تحديدًا لهجوم متواصل، شمل استهداف مرشحي الانتخابات بتهم، "معاداة السامية" و"التمجيد للإرهاب". لم تحقق حملات اليمين أهدافها، واستطاع الحزب تحقيق نتائج مهمة في المدن، والضواحي التي غالبية سكانها من أصول مهاجرة وكذلك بين الناخبين الجدد والشباب والنساء. هذه المجتمعات، التي تعاني أصلًا من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات، تأثرت سلبًا أيضًا باعتماد الحزب الاشتراكي سياسة يمينية فيما يتعلق بالهجرة.

جاءت هذه المكاسب بفضل حملة شعبية غير مسبوقة شنها اليسار، شملت طرق أبواب نصف مليون منزل وإجراء مكالمات هاتفية مع نصف مليون ناخب آخر. كان التحول أكثر وضوحًا في المناطق التي كان اليسار فيها أكثر تنظيمًا، مثل أكبر ثلاث مدن في السويد: ستوكهولم، وغوتنبرغ، ومالمو.

لكن على حزب اليسار أن يثبت قدرته على العمل بالقرب من السلطة دون أن يصبح تابعًا لمركزها، مع تطوير استجابة مقنعة لسياسات انعدام الأمن. لقد أمضى حزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف عقودًا في الانتقال من هامش الحياة السياسية إلى مركزها، حاملًا معه سياساته العدوانية. ومهمة اليسار ليست مجرد إقصاء الفاشيين الجدد من الحكومة، بل تغيير الظروف المادية والسياسية التي سمحت لهم بالوصول إلى اليها.