اخر الاخبار

"لا تستطيع أمريكا أن تفعل شيئاّ من أجلكم، وليس هناك أيضاّ ما يمكنكم فعله من أجل الشعب الأمريكي".  هكذا اختتم نائب الرئيس جاي دي فانس هجومّا غير مسبوق في حدّته ضد الأوروبيين، في خطاب ألقاه خلال مؤتمر ميونيخ السنوي للأمن في فبراير/شباط 2025، بعد أيام قليلة من بداية ولاية رئاسية ثانية لدونالد ترامب. وهو ما كان بمثابة تمهيد لنبرة العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة في المرحلة الحالية، وربما في المستقبل أيضّا.

بعد مرور عام، لم تؤدِ المشكلات التي واجهتها الولايات المتحدة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، نتيجة الحرب مع إيران ورفض الدول الاوروبية تقديم دعمها للبحرية الأمريكية لاستعادة السيطرة على المضيق، إلى تخفيف موقفها، بل زادت من توترها مع حلفائها.

هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأوربيين بشدة، فوصفهم بالجبناء وأنهم سوف يدفعون ثمن عدم دعمهم، وهدد بأن بلاده ستتذكر موقفهم. كما عاد إلى انتقاد حلف الناتو واعتبره ضعيفاّ ولوّح بإمكانية الانسحاب منه أو عدم الالتزام بالدفاع عن أعضائه، أو على الاقل عدم تطبيق المادة الخامسة منه، المتعلقة بآلية الدفاع الجماعي في حال تعرض أحد الأعضاء لهجوم (والتي استفادت منها أمريكا بعد هجمات سبتمبر/ايلول 2001 في نيويورك).

منذ زمن بعيد، كانت واشنطن تتهم الأوروبيين بأنهم " ركاب مجانيون" داخل التحالف، ويتركون للولايات المتحدة عبْء تمويله وتسليحه وقيادته. لكن أزمة الثقة بين الحلفاء تعود إلى يناير/كانون الثاني الماضي، عندما أعاد الرئيس الامريكي طرح تهديداته بضم غرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك. وأمام الرفض الأوربي، طلب من الناتو التعامل مع القضية، لكن ذلك لم يسفر عن نتيجة، مما أثار غضبه.

 وفي هذا المناخ المتوتر، أبلغ البنتاغون شركاءه بسحب مئتي ضابط أمريكي من هياكل الناتو، في خطوة رمزية. وفي أوائل أبريل/نيسان الماضي، ومع عجز الحلفاء عن تأمين مضيق هرمز، اشار الرئيس الأمريكي إلى احتمال سحب جزء من القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا (حوالي 80 ألف جندي منهم، 30 ألفا في المانيا).

في المقابل أكد الاوروبيون أنهم لم يُستشاروا في قرار الحرب وأنها كانت خطوة غير مبررة دوليا، ولم تحصل على موافقة الامم المتحدة، وأوقفت مساراّ تفاوضياّ قائماّ، واعتمدت على دعم إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، ولم تُحسن تقدير رد الفعل الايراني، وأدت في النهاية إلى فوضى عالمية أكثر من تحقيق أهدافها.

رغم ذلك، يرى الأمين العام للناتو أن الحلف لا يزال قوياّ، خاصة مع زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي. وفي ظل هذه الأزمة، بدأت عدة دول بقيادة فرنسا وبريطانيا، التفكير في إنشاء تعاون دولي لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بشكل مستقل، وهو ما يشير إلى محاولة بناء دور أوربي أكبر في السياسة الدولية. ومع ذلك من غير المرجح أن تنسحب الولايات المتحدة من الناتو، بسبب مصالحها العسكرية والاقتصادية الكبيرة. لكن هناك نقاشا حول تقاسم الأعباء داخل الحلف قد يدفع أوروبا إلى لعب دور أكبر، رغم أن فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد لا تزال صعبة التحقيق.

بشكل عام، تكشف هذه الأزمة عن تزايد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وعن احتمال تغير شكل التحالفات الدولية في المستقبل.