اليوم، التاسع من نيسان، تحل ذكرى انهيار الدكتاتورية وتدشين غزو بلادنا واحتلالها من قبل أمريكا وحلفائها. كان يوما تخلص فيه الشعب من حكم جائر ظالم، لكنه كان أيضا يوم ايذان بواقع احتلال بلدنا.
لقد انهى ذلك الحدث الهام في تاريخ العراق المعاصر، حقبة سوداء من العسف والقمع والتعذيب والاعدام والتهجير وتحويل العراق الى سجن كبير، حقبة وزع النظام المقبور فيها جرائمه على المواطنين من مختلف أطياف الشعب، وارتبطت بحروب مدمرة وحصار اقتصادي مرهق، وتدهور للبنى التحتية والخدمات الأساسية.
وكان حزبنا على قناعة تامة بان لا مخرج من ازمة البلاد الشاملة، التي كانت تطحن شعبنا، وتسد أيّ افق امامه للانعتاق والتحرر، من دون تحقيق التغيير والخلاص من طغمة الحكم ونظامها القمعي الجائر. وكان يرى أيضا ان نظام ما قبل نيسان ٢٠٠٣ استنفذ كل مبررات وجوده، وان استمراره يشكل كارثة حقيقية. لذا تبنى المشروع الوطني الديمقراطي للخلاص، المستند الى كفاح شعبنا وقواه واحزابه الوطنية والديمقراطية، والى الدعم الدولي النزيه والعادل.
لقد رفض حزبنا الشيوعي خيار الحرب والاحتلال، لقناعته بانهما لن يجلبا الاستقرار والديمقراطية الحقيقية، ولما يحملان من مخاطر جدية على صعيد الحاضر، كما بالنسبة للمستقبل، وهو ما شهدناه لاحقاً ونشهده.
ورغم رفض الحزب للحرب، فانه لم يكفّ لحظة واحدة عن ادراك أهمية حصول التغيير والخلاص من النظام القمعي الاستبدادي، وإقامة العراق الديمقراطي الفيدرالي. وذلك ما جسده شعاره "لا للحرب.. لا للدكتاتورية".
بعد 9 نيسان ٢٠٠٣ برزت امام بلادنا طائفة من المهام المتداخلة، يكمن جوهرها في تأمين شروط انهاء الاحتلال، ووضع بلادنا على طريق التطور الوطني الديمقراطي.
وإذ تتوجب الإشارة الى ان مرحلة ما بعد ٢٠٠٣ شهدت تحولات مهمة، منها إقرار دستور دائم للبلاد، على ما فيه من ثغرات ونواقص، الا انها شهدت عدم الاستقرار والأمان، وتمدد جماعات إرهابية، وبروز تكتلات متطرفة، ومظاهره طائفية مقيتة، واشتداد هشاشة الوحدة الوطنية. فيما تعمقت مظاهر الفساد وتعددت، واستفحلت التدخلات الخارجية، وتجلى الضعف في مؤسسات الدولة، كما نشأت مراكز قوى متعددة، مسلحة وغير مسلحة، وضاعت فرص حقيقية للاعمار والتنمية. وحال هذا وغيره دون ترسيخ نظام ديمقراطي مستقر وفعال.
واليوم وبعد ٢٣ سنة، ما زال بلدنا يواجه قضايا جوهرية تتعلق بالدولة ومسارها وهويتها وخياراتها، وبامكانية تجاوز ما قامت عليه المنظومة الحاكمة من نهج محاصصاتي، والانتقال من دولة المكونات الى دولة المواطنة، وبناء نظام سياسي معبر عن إرادة المواطنين بعيدا عن املاءات الخارج، وقادر على توفير عناصر السيادة والقرار الوطني العراقي المستقل، وبدء السير على طريق التنمية، وتوفير قدر معقول من العدالة الاجتماعية.
وهذه وغيرها من المهام، ما زالت قائمة وشاخصة امام شعبنا بغالبيته الساحقة، وامام القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية، وهي المطالبة بالارتقاء بعملها وتحشيد القوى والطاقات في جبهة شعبية واسعة، تعمل على النهوض بالطاقات جماهيريا وسياسيا، لفرض التغيير المستحق والمنشود.
ونحن إذْ نستعيد تلك الأيام ومسار تطور الاحداث في بلدنا وراهن الحال فيها وفي المنطقة، نشير الى ان الدرس الأرأس مما حصل، هو ان التغيير الحقيقي والمستدام والمتماهي مع المصلحة الوطنية، لا يتحقق بإرادة خارجية، بل عبر مسار وطني فاعل، وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة واحترام إرادة الشعب.