اخر الاخبار

حين يكتب ريسان الخزعلي عن الشعر الشعبي العراقي، فهو لا يكتب من موقع الناقد الزائر العابر، بل من موقع (التفاعل مع الظاهرة ومن داخلها منذ سنين) على حد تعبيره في افتتاحية كتابه. وهذا الفارق الجوهري بين النقد الذي يقف على الهامش وذاك الذي ينغمس في عمق التجربة، هو ما يمنح كتابه "أطياف الوعي" مشروعيته الخاصة، ويجعله إضافة نوعية إلى ما كتبة عن الشعر الشعبي، لاسيما، ورغم مرور عقود على تجربة الشعر الشعبي الحديث، لا توجد دراسات تحيط بهذه الظاهرة فنياً وجمالياً ورمزياً.

يفتتح الخزعلي كتابه بتشخيص جريء لواقع النقد الأدبي العراقي إزاء الشعر الشعبي، واصفًا حياد هذا النقد بأنه لم يكن قصورًا بريئًا، بل خيارًا لم يستند إلى رؤية واقعية. فالدراسات القليلة التي كُتبت عن الشعر الشعبي العراقي الحديث، بحسب تشخيصه، لم تكتمل، ووقفت على هامش الظاهرة وطاردتها من بعيد، متحاشية الاصطدام بمركزها، ولم تفلح إلا في رسم حدود ضيقة عن المستوى الفكري والثقافي وحدود التجربة واللون للشاعر، بعيدًا عن انعكاساتها الفنية الحقيقية في القصيدة الحديثة، مقارنةً بالتحولات الشعرية الكبرى التي عرفها الشعر العراقي عمومًا..

هذا التشخيص ليس مجرد مقدمة نظرية، بل هو المبرر الذي يقوم عليه مشروع الخزعلي النقدي بأكمله؛ مشروع تراكم على مدى سنوات طويلة حتى أصبحت حصيلته مخطوطة كبيرة الحجم، اضطر الخزعلي إلى تقسيمها على أجزاء. فقد أسمى مجمل هذا المشروع بعنوان (الشعر الشعبي العراقي: حدود التجربة واللون - دراسة في الجوانب الإبداعية للقصيدة الشعبية الحديثة)، وصدرت منه أربعة أجزاء تناولت تجارب رائدة: "بستان الرازقي" عن مظفر النواب، و"تقاسيم العشك والجرح" عن شاكر السماوي، و"كرستال القصيدة الشعبية الحديثة" عن أبي سرحان، و"مناجل أور الفضية" عن كاظم الركابي.

أما الجزء الخامس واللاحق - لا الأخير، كما يوضح - والذي كان بعنوان "خطوات على النار"، وتناول تجارب علي الشباني وعزيز السماوي وطارق ياسين، فقد آل إلى مصير مختلف تمامًا، وضاعت المادة بلا أمل في العثور عليها، دون أن يحتفظ المؤلف بنسخة منها. من رحم هذا الفقدان، وليس تعويضًا عنه، يولد كتاب "أطياف الوعي"، الذي يجمع فيه الخزعلي بعض ما تناثر من أوراق خارج المخطوطتين الضائعتين، محاولًا أن يستعيد، ولو جزئيًا، خصوصية شاعر واحد من بين شعراء ذلك الجيل: طارق ياسين. هذا البعد الاستعادي يمنح الكتاب طابعًا وجدانيًا إلى جانب طابعه النقدي.

يرسم الخزعلي لطارق ياسين صورة الشاعر المجدد الذي "لم يتسنَّ له أن يكمل مشروعه الإبداعي"، إذ كان الرحيل المبكر هو المصير الذي لم يُمهله عام 1975. ويصف الخزعلي طارق ياسين بأنه أديب متعدد المواهب من جيل الرواد المجددين في الشعر الشعبي العراقي الحديث؛ فبالإضافة إلى الشعر الشعبي، كتب الشعر بالفصحى، والقصة القصيرة، والرواية، والدراسات النقدية حول الشعر الشعبي. وله إلمام بالموسيقى، والكثير من المطالعات الجادة في الفكر والفلسفة.

لكن هذا الثراء المعرفي، بحسب قراءة الخزعلي، لم يكن نعمة خالصة؛ فهواجسه الوجودية، وحذره من التعارضات الحياتية، وتقلبات الواقع السياسي الذي كان يرصده بعين أخرى ووعي آخر، جعلته يتعامل مع ذاته والآخر بطريقة يبدو فيها التوجس واضحًا، وكان سريًا في تعامله مع الكتابة والنشر والأضواء والحضور الاجتماعي والثقافي. ويذهب الخزعلي إلى أن هذه الريبة التي لازمت خطواته ومجساته وعلاقاته وإنصاته لكل ما يحصل من تحولات في المجتمع، هي ما تسبب في تعثر مشروعه الأدبي بصورة عامة، وفي أن يظهر إلى الوجود بما يتناسب مع أهميته الثقافية، فاكتفى بالقليل من التركات الإبداعية.

المقدمتان اللتان لا تنطلقان من ذائقة واحدة، هما من أكثر الفصول أهمية وعمقًا في الكتاب، ذلك الذي يخصصه الخزعلي لمقارنة مقدمتين كتبهما طارق ياسين لديوانيه: مقدمة "أيام الشمس" ومقدمة قصيدة "يا شط الحزن". ويلاحظ الخزعلي أن المقدمتين لا تقومان على مدركات تذوقية واحدة، بل إن الافتراق بينهما، لغةً وتشخيصًا، هو الأكثر تطابقًا بينهما بصورة مفارقة.

فالمقدمة الأولى، بحسب وصفه، جاءت طويلة، وفيها استطراد إنشائي عذب عن العلاقات الشخصية والصداقات والمدن والليل ورحلة القطار إلى الديوانية والحديث عن ذات الشاعر، وتفاصيل أخرى لا تمت بصلة مباشرة إلى الشعرية بذاتها، غير أنه بمهارة جمع كل هذه الخيوط لتكون استهلالًا يوصله إلى صلب التذوق الشعري، متخاطرًا مع صوت آخر وكأنه صوت لمجهول، متأرجحًا تارةً قرب مركز العمل الشعري وتارةً بعيدًا عنه. أما المقدمة الثانية، فكانت على النقيض: مقدمة شعرية نثرية قصيرة جدًا، كُشف فيها عن أعماق قصية تتزاحم على الظهور إيحاءً وحدسًا وبراعة لغوية وحالات رمزية وخيالية، فكانت "الوجه الآخر للمرآة الشعرية وليس الإطار الخارجي".

اللافت أن الخزعلي لا يكتفي برصد هذا الاختلاف، بل يقدم عليه تعليقًا نقديًا هادئًا، حين يصف إسقاط الذات وانعكاسها من خلال التقديم في الكثير من الفقرات بأنه يثير الاستغراب، لكونه غير مألوف عند تقديم أي عمل إبداعي، لكنه في الوقت نفسه يقر بأن هاتين المقدمتين، رغم اختلافهما، كشفتا عن وعي الشاعر ونمط تذوقه للشعر الشعبي العراقي الحديث.

يخصص الخزعلي حيزًا مهمًا من كتابه لمناقشة ظاهرة "المقاصير" - وهو المصطلح الذي كان يُطلق على قصائده في ذلك الوقت، أي قصائده القصيرة جدًا - رابطًا إياها بسياق أوسع، هو ظاهرة القصيدة القصيرة في الشعر العربي والعالمي.

واللافت هو أن الخزعلي لا يتعامل مع "المقاصير" كظاهرة معزولة عند طارق ياسين، بل يبني لها نسبًا: من قصيدة البيت الواحد عند أدونيس والتليسي، إلى الشعر العربي الحديث عمومًا، وصولًا إلى قصائد مظفر النواب "من قصائد ليست للنشر"، التي يعتبرها الخزعلي أول قصيدة قصيرة في الشعر الشعبي العراقي الحديث. هذا التأصيل التاريخي قوة منهجية حقيقية؛ فهو لا يمنح طارق ياسين فرادة مطلقة، بل يضعه في سياق تطوري، مما يرفع مصداقية الطرح.

يقترح الخزعلي منهجًا تحليليًا يقوم على خمسة أبعاد لدراسة "المقاصير"، فيما يشبه بنية تشريحية للنص القصير في الشكل الشعري. ويلاحظ أن مقاصير طارق ياسين تنصت كثيرًا إلى المحنة الوجودية بانبهار خاطف، متأملًا ساخرًا حذرًا تارةً، ومنفعلًا ضاجًا تارةً أخرى، وأن هذا الشكل القصير يفرض على الشاعر أن يجد جوابًا لأسئلة قصيرة راكضة، يبتكرها خياليًا، وأحيانًا من إيقاع واقعي يبدو عصيًا على التفسير الأوضح.

في اللغة الشعرية، يرى أن الأسئلة الحادة الخاطفة تنشّط العقل الشعري في الإجابة عنها، ولا مساحة فيها لتسلل الأطياف الرومانسية، منتجةً خطابًا عقليًا بالصورة الشعرية المحببة. ويشير إلى أن لهجة الشاعر في هذه المقاصير مدينية أساسًا - وليس في هذه المقاصير فحسب، وإنما في كل منجزه الشعري - بعيدة إلى حد ما عن مفردات اللهجة الريفية الجنوبية التي أصبحت طيّعة في الشعر الشعبي العراقي الحديث بعد أن نفضت غبار تقادمها، رغم ما تملكه هذه اللهجة الأخيرة من طاقة حسية عالية القدرة في التعبير والتوصيل. وهو ما يعده الخزعلي التفاتةً لم ينتبه إليها الشاعر، أثقلت بعض المقاصير بتشابكات مفردات أقرب إلى الفصحى منها إلى العامية الشعبية المدينية.

في البناء الشعري، يلاحظ أنه لا يوجد ما هو فائض في تسلسل الشطرات الشعرية، لا لكون القصائد قصيرة جدًا فحسب، بل لأن فكرة الشعر في المقاصير لا تحتمل الإطالة، فتماسك البناء يفضي بعضه إلى البعض الذي يليه بمفردات تسلسلية، واصفًا إياها بأنها "قصائد شعر صاف".

في الصورة الشعرية، يرى أن معظمها ذهني، وإن كانت هذه الذهنية تتبرعم أحيانًا بما هو حسي، لتشكيل لوحة فنية قد تختفي ألوانها في لحظة وتشع في لحظة أخرى، وأن هذا التعارض بين الذهني والحسي قد يشكّل ما هو غير مألوف في بعض المقاصير.

في الإيقاع، يوضح أن الإيقاع الذي يعنيه هو المتولد من موسيقى الشعر ذاتها، لا من نوبات تردد التفعيلات، وأن الشعر في المقاصير لا يتمسك بهذا الإيقاع في بعضها إذا تسللت النثرية إليها، ما يجعل القراءة الشعرية تتعثر أحيانًا. ويرى أن غياب الاستشهادات الشعرية المعززة بالتفعيلات أمر مقصود اضطراريًا، كون المقاصير قصيرة أساسًا.

يبرر الخزعلي في فصل لاحق ضرورة هذه "المقتربات التوضيحية" الطويلة قبل الدخول في نصوص المقاصير ذاتها، معتبرًا أن الكتابة عنها دون هذا التمهيد المعرفي ستكون دخولًا مباشرًا لا يوفر أسباب وجودها، وسيواجه قراءتها بعض النفور، لأنها غريبة، ذهنية، صادمة، فيها سطوة وعي مهيمن أعلى، إذ لا تماس فيها مع أي رومانسي. وهو تبرير يكشف عن وعي منهجي لدى المؤلف بأن نصوص طارق ياسين القصيرة تحتاج إلى مفتاح قرائي خاص لا تتيحه القراءة العابرة، خصوصًا بعد مرور نصف قرن على رحيل الشاعر وتحولات الظروف التي أوجدت نمطًا استهلاكيًا وتعاملاً سطحيًا مع الإبداع.

لا يعزل الخزعلي طارق ياسين عن سياقه الجيلي؛ فهو يضعه ضمن جيل شعراء الموجة التجديدية بعد التجربة النوّابية، ويرصد حضوره الشعري والثقافي منذ الستينيات، سواء على مستوى النشر في الصحافة، أو مشاركته في مهرجان الشعر الشعبي الأول في الناصرية عام 1969، أو من خلال المجاميع الشعرية المشتركة، وكذلك من خلال الأغنية التي حققت شهرة وانتشارًا واسعين، كأغنية "لا خبر".

ويشير إلى أن حضوره الاجتماعي كانت له علاقات نوعية محددة مع الوسط الأدبي والثقافي، تشتعل بالحوارات والنقاشات الثقافية والسياسية في المقاهي وجلسات الليل، وأن تمركز الشعراء الشعبيين التجديديين التقدميين ممن كانوا في بغداد الستينيات - ومنهم شاكر السماوي وكريم محمد وعزيز السماوي وعلي الشباني وحامد العبيدي ويعرب الزبيدي - قد توسع في السبعينيات بوجود شعراء شباب كان طارق ياسين واحدًا منهم، مشدودين جميعًا إلى التجديد والحداثة.

ما يميز "أطياف الوعي" في نهاية المطاف ليس فقط مادته المعرفية عن شاعر مغمور نسبيًا كطارق ياسين، بل الموقف النقدي الذي يكتب منه ريسان الخزعلي؛ موقف مَن يكتب "من داخل الظاهرة" لا من خارجها، ومَن يضع هوامشه وملاحظاته في كل فرصة سانحة منذ سنين طويلة. إنه كتاب يجمع بين وظيفتين: وظيفة الترميم، إذ يستعيد جزءًا مما ضاع من مشروع نقدي أكبر، ووظيفة التأسيس، إذ يقترح أدوات تحليلية (الشكل، اللغة، البناء، الصورة، الإيقاع) يمكن أن تصلح منهجًا لقراءة القصيدة الشعبية القصيرة عمومًا، لا في تجربة طارق ياسين وحدها.

وإذا كان الخزعلي يفتتح كتابه بالتحسر على حيود النقد الأدبي العراقي عن كشف أسرار ظاهرة الشعر الشعبي، فإن "أطياف الوعي" يأتي كمحاولة لسد جزء من هذا الفراغ.

مختارات من المقاصير:

الطير گل للسمه

انت ملكي… ملكي

وگبل ما ينتهي من الياء الاخيره

طار راسه بالسمه ابصجمه ضريره…

…………

انچان الشر ابگد الفاره ايهدم سد

اشگد ايهدم .. لو غده الشر ابگد السد..؟..

…..

دك ياشوك.. دك بينه

وانحرني نحر منجل

ذبني بكاع.. كاع ارمال

مامش ماي اريد اذبل

امس جان الفرح دايات

واليوم الحزن مشتل