اخر الاخبار

يمثل الشاعر كاظم غيلان أحد الأصوات الحداثية الإبداعية في مسيرة الشعر الشعبي العراقي؛ إذ يمتلك قدرة استثنائية على الموازنة بين أصالة المفردة الشعبية والرؤية  الفنية المعاصرة للصورة الشعرية. في قصيدته "شاميه"، لا يقف غيلان عند حدود الوصف الظاهري للمرأة أو المكان، بل يقدم نصاً مكثفاً ينتمي الى الصوره الخاطفة المشحونة بالدلالات، يتتابع فيه سيل من الصور المفاجئة، فكل بيت يسعى إلى تجاوز سابقه في قوة الخيال، حتى تبلغ المبالغة ذروتها في الخاتمة. ومن أبرز مزاياه أن المبالغة لا تبدو مصطنعة، لأنها نابعة من منطق القصيدة الداخلي؛ فمنذ السطر الأول تتحول المرأة إلى مركز يستقطب الضوء والقمر والريح.

تقوم هذه القصيدة على بناء صورة مركزة للجمال، وتمزج بين اللهجة الشعبية والخيال الشعري المكثف، وتعتمد على المبالغة الفنية، والانزياح، والصور الحسية، والإيقاع الداخلي أكثر من اعتمادها على السرد

الصورة الشعرية عند كاظم غيلان في "شاميه" ليست مجرد زخرفة لفظية، بل هي صورة تفاعلية تعتمد على تفكيك الواقع وإعادة بنائه وفق منطق الدهشة.

إن كثافة الصورة الشعرية هي العمود الفقري الذي يرتكز عليه نص "شاميه". والتكثيف هنا لا يعني مجرد الاختصار، بل هو حشد أكبر قدر من الشحنات الحسية، في أضيق مساحة لفظية ممكنة، مع تطهير النص من الترهل الإنشائي والشرح الزائد، لتتحول كل جملة إلى ومضة سريعة ومبهرة.

وتنبع جمالية الصورة هنا من طواعية المفردة الشعبية تحديداً، فرغم أن كلمات مثل (بايك، أتدوهن، فزن فد فزة، تعثر) هي كلمات يومية بسيطة جداً، فإن تركيبها داخل الصورة حوّلها من لغة تخاطب عادية إلى "أيقونات بصرية". أي أن الشاعر لم يستعن بمصطلحات فخمة، بل أخذ الطين اليومي العراقي وصنع منه لوحة كونية.

وتكمن قوة القصيدة في أنها لا تعتمد على وصف الجمال الجسدي مباشرة، بل تبني الجمال من خلال أثره في الأشياء والناس. وهذا يجعلها أقرب إلى القصائد الحديثة التي تستبدل الوصف الخارجي بصناعة شبكة من الصور والرموز. كما أن تصاعد الصور من الضوء والقمر إلى الباب والريح، ثم إلى الكون كله، يمنح النص وحدة عضوية وإيقاعًا دراميًا متناميًا

يبدأ النص بصدمة بصرية خاطفة، حيث تخرج هذه "الشاميه" من "باب الله"، ذلك الفضاء المفتوح على البراءة والرزق والنقاء، لتخطف الأبصار برشاقتها وسرعتها التي تشبه ومضة البرق:

"خطفت من باب الله

ولاذت بيهه الگمره

طشت ضي وطردت ظلمه"

إن مرور "الشاميه" ليس عابراً، بل هو زلزال ناعم يصيب الجماد بالذهول التام؛ فالقمر ليس وحده من ارتبك، بل إن الباب الذي خطفت من أمامه يُصاب بالدوار والدهشة العميقة ("أتدوهن")، فيتحرر من جموده الهندسي والأمني، مخلّعاً عتبته ومسقطاً مزلاجه وقفله:

"حته الباب الخطفت منه

أتدوهن يمكن

شال العتبه .. وذب الرزه"

وفي ذروة التلاحم الحركي والحسي، يرسم غيلان لوحة راقصة مفعمة بـ "مراسلة الحواس"؛ فالمرأة وهي تتمايل ذات اليمين وذات الشمال، لا تحرك جسدها فحسب، بل تجر الدنيا بأسرها وراءها لتتمايل مع طلتها. وهنا تتداخل الحواس في تمازج عبقري، حيث تتحول الريح الكونية الكبرى إلى كائن يجدل ويظفر نفسه بعطر هذه المرأة وشذاها، في مشهد يجمع بين اللمس والشم والحركة الإيقاعية العذبة.

"مالت يمنه.. ومالت يسره

تتمايل دنيه أبطلتهه

وتظفر ريح الله أبريحته"

في آخر بيت بالقصيدة تبرز مبالغة شعرية تستلهم الموروث الشعبي، حيث تُقال عبارة “اسم الله” دفعًا للحسد أو خوفًا على شخص عزيز. ويوظفها الشاعر ليبلغ أقصى درجات التصوير؛ فالجمال هنا يُخيَّل إليه أنه يستحق عناية الكون كله إذا تعثر.

إنه نص شعري مكثف يقطر شعراً، يعيد صياغة مفهوم الجمال البكر بلغة الطين والماء، ليظل شاهداً على قدرة الشعر الشعبي على ملامسة المطلق بأبسط المفردات وأعمقها تأثيراً.