اخر الاخبار

أشعر بحزن شديد لرحيل الصديق الشاعر العراقي البصري مهدي عبود السوداني، الذي لم ينقطع تواصله معي رغم الظروف الصعبة التي مررنا بها. وبرحيله يفقد الوسط الثقافي واحداً من الأصوات الشعرية الأصيلة التي عاشت بين الناس وكتبت عنهم بصدق ومحبة. كان شاعراً معطاءً وإنساناً عاطفياً يألفه الجميع، كما عرفه معاصروه، قريباً من أصدقائه، حريصاً على إعلاء شأن مدينته والاحتفاء بمن حوله من المبدعين، مشيداً بهم ومؤكداً حضورهم الثقافي والإنساني.

وُلد مهدي عبود السوداني في البصرة، في محلة الجمهورية، في بيئة شعبية غنية بالأغاني والأهازيج ومفردات الحياة اليومية. هناك تشكّلت لغته الأولى، واستمدّ صوره من النهر والنخيل والوجوه البسيطة التي ستظلّ حاضرة في قصائده طوال حياته. وقد عرفه أغلب شعراء ومثقفي مدينته، وعاصر أسماء بارزة في الشعر الشعبي، من بينهم ذياب كزار، وفالح الطائي، وفوزي السعد، وعبد الهادي الشاوي، وعطا عودة الشهد، وصابر خضير، وعلي الكعبي، وعلي العضب، وكامل السعد، وعطا اخميس، وغيرهم من الشعراء الذين أسهموا في تشكيل المشهد الشعري في البصرة.

منذ أواخر الستينيات، بدأ حضوره يتبلور في الوسط الشعري، وكان جزءاً من الحراك الثقافي الشعبي الذي ازدهر في تلك الفترة. انجذب إلى الشعر مبكراً، وكتب نصوصه الأولى بروح قريبة من الناس، متأثراً بالأغنية الشعبية وبأجواء الجنوب، لكنه استطاع أن يكوّن صوته الخاص، القائم على البساطة والصدق والتعبير المباشر عن التجربة الإنسانية.

لم يكن مهدي عبود السوداني شاعراً نخبوياً منعزلاً، بل ظلّ قريباً من الناس، يكتب بلغتهم ويعبّر عن أحزانهم وأحلامهم. لذلك لاقت نصوصه قبولاً واسعاً، لأنها بدت صادقة وغير متكلّفة، تنبع من تجربة معيشة لا من تصورات ذهنية بعيدة عن الواقع. كان يؤمن بأن الشعر ينبغي أن يكون واضحاً وقريباً من القلب، لا متورطاً في الزخرفة اللفظية أو التعقيد المصطنع.

عرف بغزارته في الشعر الغنائي، وتعامل مع عدد كبير من الملحنين والمطربين، فغُنيت له نصوص عديدة تركت أثرها في ذاكرة الأغنية العراقية. من بين هذه الأعمال نص (بين جرفين العيون اغرگت والروجه رمش) الذي غناه الفنان سامي كمال، ونص (كلما تغيب الشمس اظهرلك اهلالين) بصوت الفنان فاضل عواد، وقصيدة الصفصاف التي غناها الفنان سعدون جابر، إلى جانب نصوص أخرى غنائية وشعرية. كما كتب في سبعينيات القرن الماضي قصيدة الحرية، وعدداً من النصوص التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية.

ومن أبرز أعماله المتأخرة مجموعته الشعرية رباعيات سودانية، التي حاول فيها أن يختزل تجربته الطويلة في نصوص قصيرة مكثفة، قريبة من القارئ، تعكس همومه وتطلعاته. جاءت هذه الرباعيات بلغة بسيطة، بعيدة عن التعقيد، مركّزة على الشعور المباشر والحضور الآني، كما في قوله:

اختلطت الاوراق والليل انچلب

الرؤيا ضاعت حيل واليفرزّ تعب

ياشعبنا ايعينك الله ابمحنتك

عالجرالك ما صبر مثلك شعب

وفي نص آخر يعكس مرارة الواقع:

ما انصفت ياوكتي وياي

باطل يوكتي وياي باطل

طول العمر الهط ابدنياي

ويه القهر والعوز اماطل

ويكشف في رباعياته العاطفية جانباً إنسانياً رقيقاً:

ليش السلام الحلو

ايلوگ بس للحلو

وشفتين ثغرچ عسل

وشفايفي الهن دلو

لقد ظلّ مهدي عبود السوداني وفياً لأسلوبه القائم على البساطة والصدق، مبتعداً عن التراكيب اللفظية المصطنعة، ومركزاً على التجربة الحية التي يعيشها الإنسان. كان يرى أن الشعر ينبغي أن يلامس القلب قبل أن يدهش العقل، وأن يكون قريباً من الناس، لا متعالياً عليهم.

برحيله، يخسر الشعر الشعبي العراقي واحداً من أصواته التي ظلّت وفية لبيئتها الأولى، ولغتها اليومية، وإنسانها البسيط. لقد عاش مهدي عبود السوداني بين أهله وناس مدينته، وكتب عنهم، وظلّ اسمه مرتبطاً بالبصرة وذاكرتها الشعرية والغنائية. وهكذا يغادر الشاعر تاركاً وراءه نصوصاً تشبهه: بسيطة، صادقة، ومشبعة بمحبة الناس والحياة.