اخر الاخبار

أعادت القيود المفروضة على الاحتجاجات في بغداد، والمشاهد المتداولة عن تفريق متظاهرين في بابل بالقوة المفرطة، واقتحام دائرة هيئة البحث العلمي التابعة لوزارة التعليم العالي، فتح النقاش بشأن طريقة تعامل المنظومة الحاكمة مع الحراك الشعبي، وحدود استخدام القوة الأمنية، ومدى التزام مؤسسات الدولة بالحق الدستوري في التظاهر السلمي.

ولم يكنْ الجدل بشأن تعامل السلطات العراقية مع الاحتجاجات وليد الأحداث الأخيرة في بغداد وبابل، إذ يعود إلى عقد ونصف العقد من التظاهرات التي وضعت العلاقة بين الدولة والمحتجين أمام اختبارات متكررة، بدءاً من الكيفية التي جرت فيها الاستجابة لمطالب المتظاهرين المتعلقة بالإصلاحات الجذرية لسياسات المحاصصة وفرص العمل ومكافحة الفساد، وصولاً إلى المطالب السياسية والاعتراض على أداء المؤسسات الحكومية.

مشاهد من بابل وبغداد

وفي الاحتجاجات الأخيرة، أعادت المشاهد المتداولة من بغداد وبابل طرح أسئلة بشأن اختلاف أساليب التعامل الأمني بين المحافظات، وحدود الإجراءات المتخذة لتنظيم التظاهرات، والجهة التي تتحمل مسؤولية القرارات الميدانية.

ففي حين يركز جانب من النقاش على ضرورة حماية النظام العام ومنع الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، تبرز في المقابل تساؤلات عن مشروعية تقييد حركة المحتجين أو تفريقهم بالقوة عندما تكون تحركاتهم سلمية، وعن مدى خضوع تلك الإجراءات لمعايير قانونية واضحة لا تتغير تبعاً لاختلاف الظروف السياسية أو تقديرات المسؤولين المحليين.

التصعيد قد يمتد الى محافظات أخرى

في هذا الصدد، قال الخبير الأمني سيف رعد إن التعامل مع الاحتجاجات في العراق ينبغي أن ينطلق من كون التظاهر السلمي حقاً دستورياً مكفولاً بموجب المادة 38 من الدستور، مشيراً إلى أن ما شهدته محافظة بابل من تعامل أمني مع المحتجين يختلف عن المشاهد التي رافقت احتجاجات في بغداد ومحافظات أخرى.

وقال رعد لـ"طريق الشعب"، أن التجارب الاحتجاجية الأخيرة في العراق أظهرت اختلافاً في أساليب التعامل الأمني بين محافظة وأخرى، لافتاً إلى أن المشاهد التي رافقت الاحتجاجات في بغداد أظهرت، بحسب تقييمه، مستوى عالياً من الانضباط والتعاون بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية، فضلاً عن وجود تنسيق لإيصال المطالب، في مقابل مشاهد من محافظة بابل وصفها بأنها تعكس اتجاهاً مختلفاً في إدارة الاحتجاجات والتعامل مع المشاركين فيها.

وأشار إلى أن المقاطع المصورة المتداولة من بابل أظهرت، حالات من التعسف في استخدام القوة تجاه المتظاهرين، معتبراً أن هذا الأسلوب لا يساعد على احتواء الاحتجاجات، انما يمكن أن يدفع نحو مزيد من التصعيد، ولا سيما عندما يشعر المحتجون بأن مطالبهم لا تقابل بالاستماع والحوار، وإنما بإجراءات أمنية مشددة.

ولفت إلى أنّ اختلاف تقديرات القيادات المحلية بشأن دوافع الاحتجاجات أو احتمال استثمارها سياسياً لا ينبغي أن يكون أساساً لتحديد ما إذا كان حق التظاهر يُحترم أو يُقيّد،.

واجب القوات الامنية

وفي ما يتعلق بمسؤولية الأجهزة الأمنية، أوضح رعد أن واجبها لا يقتصر على حماية المتظاهرين وتأمين تحركاتهم، ويشمل أيضاً الحفاظ على أمن المواطنين الآخرين ومنع تعطيل حياتهم ومصالحهم.

وأضاف أن مشاهد ملاحقة متظاهرين في الشوارع الفرعية باستخدام العجلات الأمنية ومحاولات دعسهم وغيرها، كما ورد في المقاطع التي أشار إليها، من شأنها أن تثير غضب عائلات المحتجين وقطاعات أخرى من المجتمع، وتزيد من حدة الاحتقان بدلاً من احتواء الموقف، الأمر الذي يستدعي مراجعة أساليب التعامل الميداني وتجنب الإجراءات التي قد تدفع نحو مواجهة أوسع.

العنف والقمع سلوك دولة

من جانبه، انتقد الخبير الأمني كاظم الجحيشي أساليب التعامل مع الاحتجاجات في العراق، معتبراً أن الممارسات التي تظهر خلال التظاهرات تثير تساؤلات بشأن مدى انعكاس برامج التدريب على حقوق الإنسان التي تنظمها المؤسسات الأمنية على سلوك القوات في الميدان، ومدى الالتزام بالضوابط القانونية التي تحكم التعامل مع المحتجين.

وقال الجحيشي لـ"طريق الشعب"، إن استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين مرفوض، مستنداً إلى المادة 38 من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، مبيناً أن الحفاظ على النظام العام لا يعني إلغاء الحق في التظاهر، بل يقتضي وضع ضوابط تضمن ممارسة هذا الحق من دون الاعتداء على حقوق الآخرين أو الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية تملك صلاحية التدخل عند تحول الاحتجاج إلى أعمال تخريب أو اعتداء على المواطنين والممتلكات، موضحاً أن إلحاق الضرر بالمؤسسات الحكومية والمصارف والسيارات والممتلكات الخاصة يختلف عن التظاهر السلمي وإيصال المطالب، ويستدعي اتخاذ إجراءات قانونية مناسبة بحق المتورطين، على أن تكون هذه الإجراءات متناسبة مع طبيعة المخالفة.

وشدد على أن كثيراً من الاحتجاجات لا تشهد، بحسب ما أشار إليه، سلوكاً تخريبياً يبرر التعامل معها بالقوة، ومع ذلك يواجه المشاركون فيها التضييق أو تقييد حركتهم.

واستشهد بما جرى في ساحة التحرير في بغداد، قائلاً إن المتظاهرين واجهوا تضييقاً تدريجياً وحصراً في مساحة محددة، بدلاً من إتاحة المجال لهم لممارسة حقهم الدستوري وإيصال رسائلهم ومطالبهم.

وفي تفسيره لطبيعة القرارات التي تقف وراء أساليب التعامل مع المحتجين، رأى الجحيشي أن ما يجري لا يمكن اختزاله في تصرفات فردية لعناصر أمنية، إذ يرتبط، وفق تقديره، بتوجيهات تصدر عن مستويات قيادية عليا.

وأوضح أن قوات مكافحة الشغب لا تتحرك من تلقاء نفسها، وإنما تعمل وفق تعليمات تصدر عن مسؤوليها المباشرين، الذين يتلقون بدورهم توجيهات من مستويات أعلى، معتبراً أن تحديد أسلوب التعامل مع التظاهرات يرتبط في نهاية المطاف بقرار الدولة والجهات المسؤولة عن إدارة الملف الأمني.

وانتقد الجحيشي، في هذا السياق، طريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات الأخيرة، قائلاً إن الاستجابة الحكومية اقتصرت، بحسب وصفه، على إرسال مبعوث لتسلّم مطالب المتظاهرين، من دون أن يتبع ذلك مسار واضح لمعالجة المطالب، قبل تفريق المحتجين.

واعتبر أن الاكتفاء باستلام المطالب لا يمثل معالجة كافية للاحتجاجات ما لم يقترن بحوار جاد وإجراءات واضحة بشأن القضايا التي دفعت المواطنين إلى الخروج.

وشدد على أن التعامل الأمني يجب أن يظل ضمن الحدود التي يرسمها القانون، وأن يميز بين الاحتجاج السلمي والأفعال التي تستوجب المساءلة القانونية.

وختم الجحيشي بالتأكيد على ضرورة تغيير خطط التعامل مع التظاهرات وتطوير أداء المؤسسات الأمنية، بما ينسجم مع متطلبات حماية الحقوق والحريات، داعياً الحكومة والأجهزة الأمنية إلى اعتماد أساليب أكثر انضباطاً ورقياً في إدارة الاحتجاجات، وعدم اللجوء إلى القمع والتعسف باستخدام القوة.