اخر الاخبار

يوفر اقتصاد التوصيل الرقمي فرص عمل لشريحة من الشباب في ظل محدودية فرص التوظيف، لكن العاملين في هذا القطاع يواجهون تحديات تتعلق بتدني الدخل الفعلي، وارتفاع تكاليف التشغيل، وغياب العقود الواضحة والضمانات الاجتماعية. وبينما يتحمل العامل نفقات المركبة ومخاطر الحوادث والتوقف عن العمل، تبرز تساؤلات بشأن مسؤولية الشركات والجهات المعنية عن حماية حقوقه، ومدى قدرة التشريعات الحالية على مواكبة أنماط العمل التي فرضتها المنصات الرقمية.

دخل لا يناسب المخاطر وساعات العمل

يقول علي كاظم، عامل توصيل يعمل في بغداد، إن العمل في هذا القطاع لا يوفر بالضرورة دخلاً يتناسب مع ساعات العمل والأعباء التي يتحملها، موضحاً أن راتبه الشهري يبلغ نحو 500 ألف دينار، في وقت تشترط فيه الشركات امتلاك دراجة نارية أو سيارة من دون توفير وسيلة نقل للعاملين.

ويضيف علي لـ"طريق الشعب" أن امتلاك المركبة لا يعني أن الأجر سيذهب بالكامل إلى العامل، إذ يتحمل نفقات الوقود والصيانة والإطارات، فضلاً عن استهلاك المركبة مع الاستخدام اليومي، ما يجعل المبلغ المتبقي من راتبه أقل بعد احتساب هذه التكاليف. كما أن الأعطال أو الحوادث قد تعطل عمله وتزيد أعباءه المالية.

ويشير إلى أن بعض الشركات تتعامل مع العاملين بأسلوب سيئ، في ظل ضعف الضمانات التي تحمي حقوقهم، مبيناً أن العامل يواجه ضغوطاً مرتبطة بإنجاز الطلبات والالتزام بمتطلبات العمل، من دون أن تقابلها بالضرورة ظروف عمل مستقرة أو حماية كافية.

ويؤكد أن هذه الممارسات تزيد من صعوبة العمل، خصوصاً عندما لا يمتلك العامل خيارات واضحة للاعتراض على القرارات أو المطالبة بحقوقه.

ويؤى علي أن تحسين أوضاع العاملين في قطاع التوصيل يتطلب مراجعة الأجور، وتنظيم العلاقة بين الشركات والعاملين بعقود واضحة، وتوفير ضمانات للحماية من إصابات العمل، إلى جانب وضع آليات للشكاوى تضمن التعامل العادل مع العاملين وتحفظ حقوقهم.

مشكلات قانونية وحقوقية

من جهته، يقول رئيس نقابة التوصيل في العراق، مرتضى إسماعيل، إن عمال التوصيل يواجهون مشكلات قانونية وحقوقية متعددة، أبرزها غياب العقود الرسمية الواضحة التي تنظم علاقتهم بالشركات، رغم المسؤوليات الكبيرة التي يتحملونها والمخاطر التي يتعرضون لها يومياً أثناء العمل في الشوارع.

ويضيف إسماعيل لـ"طريق الشعب" أن عامل التوصيل يقضي ساعات طويلة في الشارع، معرضاً للحرارة والبرد والأمطار والحوادث المرورية والازدحامات، فيما قد تنشأ خلافات بينه وبين الشركة التي يعمل معها من دون أن يمتلك عقداً واضحاً يمكن الاستناد إليه لحماية حقوقه. كما أن مرض العامل أو تعطل دراجته أو تعرضه لحادث قد يؤدي إلى توقف دخله بالكامل، ما يضعه أمام صعوبات معيشية، ولا سيما أنه يتحمل نفقات أسرته وإيجار منزله ومصروفاته اليومية.

ويؤكد أن من الحقوق الأساسية التي ينبغي ضمانها للعامل تحديد الأجر بوضوح، وتنظيم ساعات العمل بما يتناسب مع طبيعة المهنة، وتوفير ضمانات في حالات الإصابة، إلى جانب إتاحة آلية عادلة لتقديم الشكاوى ومعالجة الخلافات.

 ويشدد على أن عامل التوصيل ليس مجرد شخص ينفذ الطلبات، بل إنسان له أسرة والتزامات، ومن حقه العمل بكرامة وأمان.

وفي ما يتعلق بالأجور وساعات العمل والحوادث، يوضح إسماعيل أن أوضاع عمال التوصيل في العراق ليست متشابهة، إذ تختلف حقوقهم بحسب طبيعة علاقتهم القانونية بالشركات، وما إذا كانوا مشمولين بالحماية القانونية والاجتماعية، أو يعملون بصفة متعاقدين أو مستقلين، الأمر الذي ينعكس على مستوى الضمانات المتاحة لهم.

ويشير إلى أن الأجور تمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه العاملين في هذا القطاع، إذ يضطر كثير منهم إلى العمل لساعات طويلة من أجل تحقيق دخل يكفي لتغطية احتياجاتهم اليومية. لكن الإيرادات التي يحصل عليها العامل من الطلبات لا تمثل بالضرورة ربحه الصافي، إذ ينبغي احتساب تكاليف الوقود والصيانة والإنترنت، فضلاً عن استهلاك الدراجة وتراجع قيمتها مع مرور الوقت. لذلك، فإن تقييم دخل العامل لا يمكن أن يعتمد على المبالغ التي يحصل عليها يومياً من دون النظر إلى النفقات التي يتحملها لتأمين عمله.

ويلفت إسماعيل إلى أن ساعات العمل الطويلة ترتبط بطبيعة نظام الأجور وعدد الطلبات المنجزة، إذ يسعى العامل إلى البقاء متاحاً لأطول مدة ممكنة لزيادة دخله. وقد يدفعه هذا الضغط إلى الإسراع في القيادة أو مواصلة العمل رغم التعب والإرهاق، بما يزيد المخاطر التي يتعرض لها هو وبقية مستخدمي الطريق.

الحوادث المرورية

أما الحوادث المرورية، فيوضح أن وقوع حادث أثناء تنفيذ طلب يثير تساؤلات مهمة بشأن الجهة التي تتحمل تكاليف العلاج، وتعويض العامل عن أيام التوقف عن العمل، وتوفير الدعم له ولأسرته إذا تسببت الإصابة بعجز طويل الأمد. ويؤكد أن المسؤولية لا يمكن تحميلها للعامل في جميع الحوادث، كما لا يمكن افتراض أن كل حادث يوجب التعويض تلقائياً، بل ينبغي تحديد المسؤوليات والتغطية التأمينية والحقوق المستحقة وفقاً للقانون والعقد وطبيعة الحادث وظروف وقوعه.

ويشدد على ضرورة وجود عقود واضحة تحدد الأجور والعمولات وساعات العمل وفترات الراحة والتكاليف التشغيلية التي يتحملها العامل، فضلاً عن تنظيم الاستقطاعات المالية وإتاحة حق الاعتراض عليها، وتوضيح آليات إيقاف الحسابات والاعتراض على القرارات التي تتخذها الشركات بحق العاملين. كما يدعو إلى توفير تغطية للإصابات والحوادث المرتبطة بالعمل، وضمان التعويض عن العجز أو التوقف عن العمل وفقاً للضوابط القانونية والتأمينية.

وفي ما يخص دور نقابة التوصيل في العراق، يؤكد إسماعيل أن دور النقابة لا ينبغي أن يقتصر على إصدار الهويات أو تسجيل الأعضاء، بل يتجاوز ذلك إلى تمثيل العاملين والدفاع عن مصالحهم وتنظيم المهنة وتوفير قاعدة بيانات واضحة عن العاملين في القطاع، فضلاً عن صياغة مطالب مهنية محددة وفتح قنوات للتواصل والتفاوض مع الجهات الحكومية والشركات.

ويبين أن من المهام الأساسية للنقابة التفاوض من أجل عقود عمل أكثر وضوحاً وعدالة، تتضمن تنظيم الأجور والعمولات والاستقطاعات وساعات العمل وآليات الاعتراض على القرارات التي تمس العاملين، بما فيها إيقاف الحسابات. كما يشمل دورها السعي إلى توفير التأمين الصحي والتغطية الخاصة بالإصابات، من خلال اتفاقات واضحة مع الشركات والجهات المعنية والمراكز الطبية، على أن تستند هذه الاتفاقات إلى تمويل والتزامات فعلية، لا إلى وعود غير مضمونة.

ويضيف أن النقابة تسعى للعمل مع الجهات الحكومية من أجل تحديد المسار القانوني الذي يتيح شمول عمال التوصيل بالضمان الاجتماعي، وفقاً للتشريعات النافذة وطبيعة العلاقة بين العامل والشركة، مع توضيح آليات الاشتراك والجهة التي تتحمل دفع المساهمات. لكنه يشير إلى أن النقابة لا تستطيع فرض التأمين أو التقاعد على جميع الشركات من دون أساس قانوني أو اتفاق ملزم، ما يجعل تنظيم العاملين وتمثيلهم والتفاوض باسمهم والمطالبة بتشريعات تضمن حقوقهم من بين مسؤولياتها الأساسية.

كما يشمل عمل النقابة استقبال شكاوى العاملين وتوثيق التجاوزات ومتابعتها مع الجهات المعنية، بما يساعد على تحويل المشكلات الفردية إلى مطالب جماعية يمكن التفاوض بشأنها والعمل على معالجتها.

ويتابع إسماعيل مؤكداً أن عامل التوصيل ليس عاملاً من درجة ثانية، بل يمثل جزءاً من الاقتصاد ويسهم في تلبية احتياجات المواطنين وتسهيل حياتهم اليومية، ومن حقه الحصول على الحماية القانونية والصحية والاجتماعية والتقاعدية.

ويقول إن المطلوب هو تحقيق توازن بين مصالح الشركات وحقوق العاملين ومتطلبات السلامة العامة، من خلال عقود واضحة وتأمين مناسب وضمان اجتماعي ورقابة فاعلة.

ويطرح تساؤلاً يلخص جانباً من معاناة هذه الفئة: «عامل الدلفري يتحمل مخاطر الشارع حتى يوصل طلبك لباب بيتك، لكن إذا رجع هو مصاباً أو تعطلت دراجته، فمن يضمن حقه وحق عائلته؟».

تنظيم اقتصاد المنصات الرقمية

يذكر أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن اقتصاد التوصيل الرقمي يمثل فرصة عمل مهمة للشباب، في ظل محدودية فرص التوظيف في القطاع الخاص، لكنه يوفر في كثير من الحالات دخلاً متذبذباً يرتبط بعدد الطلبات المنجزة وساعات العمل، ما يجعل استقرار العاملين فيه مرهوناً بحجم الطلب وتكاليف التشغيل.

ويضيف السعدي لـ"طريق الشعب" أن تقييم دخل عامل التوصيل لا ينبغي أن يستند إلى الإيرادات اليومية وحدها، بل إلى صافي المبلغ الذي يحصل عليه بعد خصم تكاليف الوقود والصيانة والإطارات واستهلاك الدراجة النارية والاتصالات، مشيراً إلى أن زيادة ساعات العمل لا تعني بالضرورة ارتفاع الدخل الصافي بالمقدار نفسه، أو تحسن المستوى المعيشي للعامل.

ويتابع أن العاملين في هذا القطاع يتحملون أعباء اقتصادية متعددة، لا تقتصر على مصاريف التشغيل، بل تشمل أيضاً مخاطر الحوادث والإصابات، وفقدان الدخل عند التوقف عن العمل في ظل غياب العقود الواضحة والتغطية التأمينية والتعويضات الكافية في كثير من الحالات. ويرى أن تحميل العامل معظم تكاليف التشغيل والمخاطر قد يجعل دخله الفعلي أقل بكثير مما يبدو عليه، ويضعه أمام حالة من عدم الاستقرار المالي.

ويؤكد أن تنظيم اقتصاد المنصات الرقمية يتطلب وضع إطار قانوني واضح يضمن إبرام عقود مكتوبة، والشفافية في تحديد الأجور والعمولات، وتوفير دخل منصف يتناسب مع ساعات العمل والتكاليف الفعلية، إلى جانب توسيع مظلة الضمان الاجتماعي وضمان التعويض عن إصابات العمل، وإلزام الشركات بإجراءات السلامة وتوفير آليات واضحة لتلقي شكاوى العاملين ومعالجتها.

ويلفت إلى إمكانية الاستفادة من قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023 في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعاملين في هذا القطاع، وفقاً لأحكام القانون وشروط انطباقه، بما يسهم في الحد من هشاشة أوضاعهم الاقتصادية والمهنية.

ويخلص إلى أن اقتصاد التوصيل الرقمي يمكن أن يسهم في تشغيل الشباب وتنشيط الاقتصاد الرقمي في العراق، إلا أن نجاحه لا يُقاس بعدد فرص العمل التي يوفرها فحسب، بل بقدرته على ضمان دخل مستقر وظروف عمل لائقة، وتوزيع تكاليف التشغيل والمخاطر بصورة أكثر عدالة بين العاملين والشركات المشغلة.

العمل توضح موقفها

وعزت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية صعوبة شمول العاملين في شركات التوصيل بأحكام قانون الضمان الاجتماعي إلى تحديات قانونية وتنظيمية ترتبط بطبيعة العمل وآليات التعاقد، في ظل انتشار أنماط التشغيل القائمة على العمل الحر وإنجاز الطلبات بالقطعة، وغياب العقود الرسمية المكتوبة في بعض الحالات.

وقال مدير قسم تفتيش العمل في الوزارة، زياد محمود حسين، في تصريح تابعته "طريق الشعب"، إن من أبرز التحديات التي تواجه شمول العاملين في هذا القطاع عدم انتظام طبيعة عملهم، إذ يعتمد معظمهم على العمل الحر أو الأجر مقابل إنجاز الطلبات، فيما تستند بعض علاقات العمل إلى اتفاقات شفهية أو شروط خدمة إلكترونية قد لا تكون واضحة بما يكفي.

وأضاف أن إشكالية أخرى تتعلق بالتكييف القانوني للعلاقة بين العامل وشركة التوصيل، وما إذا كان العامل يُعد أجيراً لدى الشركة، أم متعهداً مستقلاً، أم شريكاً في العمل، ولا سيما في الحالات التي تُحتسب فيها الأجور على أساس عدد عمليات النقل والتوصيل المنجزة.

وأوضح أن هذه الظروف تجعل إثبات وجود علاقة عمل وتحديد مدى تبعية العامل للجهة المشغلة أمراً معقداً أمام لجان التفتيش والجهات القضائية، الأمر الذي يمثل تحدياً أمام تطبيق أحكام قانون العمل وضمان الحقوق القانونية للعاملين في هذا القطاع. وأشار إلى أن قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 بدأ تطبيقه عام 2016، في وقت لم تكن فيه أعمال التوصيل عبر المنصات والتطبيقات الإلكترونية والعمل عن بُعد قد انتشرت بالصورة التي تشهدها البلاد حالياً، لافتاً إلى أن توسع هذه الأنماط خلال السنوات الماضية أوجد تحديات تستدعي معالجة قانونية تتلاءم مع طبيعتها.

ودعا حسين إلى تشريع قوانين جديدة أو استحداث نصوص قانونية تنظم هذه الأنماط الحديثة من العمل، بما يتيح تحديد العلاقة بين العامل والجهة المشغلة بصورة واضحة، ويضمن شمول العاملين بالحماية القانونية والاجتماعية التي تكفل حقوقهم.