علاقات بغداد بواشنطن تتأرجح بين الأمن والاستثمار
نشر موقع Middle East Forum مقالاً للكاتب علي المراياتي، تناول فيه المتغيرات التي يشهدها العراق في هذه الفترة، مشيراً إلى أن قرارات رئيس الحكومة باستكمال كابينته الوزارية رسّخت مواقع القوى المسلحة الحليفة لطهران، وقوّضت جهود الولايات المتحدة الرامية إلى إنهاء هذا النفوذ.
أهداف الدعم
وأشار المراياتي إلى أن إدارة ترامب أعلنت مراراً دعمها لرئيس الحكومة العراقية الجديد، علي الزيدي، على أمل أن يحصر السلاح بيد الدولة، ويعيد إليها احتكار القوة، ويهيّئ بيئة مواتية لعمل الشركات الأمريكية، ويكبح جماح النفوذ الإيراني في البلاد. لكن، بعد مرور أربعة أشهر، حدث العكس تماماً، مما قد يشير إلى انهيار رهان واشنطن على الزيدي.
خيبة أمل
وأعاد الكاتب التذكير بوعدَي رئيس الحكومة خلال زيارته للبيت الأبيض، والمتعلقين بإنهاء ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة قبل نهاية أيلول الماضي، ومنع شنّ هجمات من داخل الأراضي العراقية على الدول المجاورة وإقليم كردستان. وادّعى أن التطورات الأخيرة، مثل إحراق العلم الأمريكي، وهروب مدوّنين أمريكيين، ومرافقة قوات الأمن لمراسل صحيفة وول ستريت جورنال، جاريد مالسين، حتى خروجه من العراق حفاظاً على حياته، تعكس عجز رئيس الحكومة عن بسط سيطرته على القرار الأمني في بلاده، وبالتالي فشل حكومته في توفير بيئة آمنة للاستثمار الأمريكي، وفقاً لما أرادته إدارة ترامب.
ويبدو، بحسب المقال، أن هذه الإخفاقات الأمنية مرتبطة بترتيبات سياسية تُبقي على نفوذ القوى المسلحة في مركز القرار، وتمنح بعض الخاسرين في الانتخابات، من مختلف الكتل السياسية، مناصب استشارية وقيادية حكومية، تعويضاً لأحزابهم، في إصرار جديد على تطبيق نظام المحاصصة السياسية والطائفية في العراق.
مكافحة الفساد أم حمايته؟
كما ظل تطبيق قوانين مكافحة الفساد أداةً للتطهير، لا للمساءلة. ففي الوقت الذي تتغاضى فيه الحكومة عن التهريب والمحسوبية والتطبيق الانتقائي للقوانين بهدف حماية الحلفاء السياسيين، تتوسع في إعادة هيكلة الإدارات، بما يتيح إنشاء قنوات جديدة لوصول المتنفذين إلى موارد الدولة، بمن فيهم من يتخلى عن سلاحه مقابل نفوذ أكبر في صنع القرار وحصة أكبر من الثروة.
إصرار على الاستثمار
وفيما يتعلق بالاستثمار الأمريكي في قطاع الطاقة العراقي، كتب سيمون ويتكنس مقالاً لموقع Oil Price، أشار فيه إلى أن شركة النفط والغاز الأمريكية العملاقة "شيفرون" وقّعت أربع اتفاقيات أولية مع وزارة النفط العراقية، في تأكيد لعزم واشنطن على استعادة نفوذها في بلدٍ تعدّه من الدول الرائدة في الشرق الأوسط.
وتضمنت هذه الصفقات تطوير حقل الناصرية النفطي الضخم، وأربع مناطق استكشافية في محافظة ذي قار، وحقل بلد النفطي. أما الاتفاقية الأخيرة، التي ربما تُعد الأكثر أهمية بالنسبة إلى واشنطن، فتتعلق بنقل إدارة حقل غرب القرنة 2 النفطي الضخم من شركة "لوك أويل" الروسية إلى شركة أمريكية، يحتمل أن تكون "شيفرون".
أهمية استثنائية
وبيّن الكاتب أن الأهمية الاستراتيجية للعراق تتجاوز ثرواته النفطية، التي تُقدّر بنحو 145 مليار برميل، أو 215 مليار برميل وفقاً لتقديرات وزارة النفط، أو 246 مليار برميل وفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الأمريكية، فضلاً عن احتياطياته الكبيرة من الغاز الطبيعي، التي تُقدّر بنحو 3.5 تريليون متر مكعب حسب وزارة النفط، وبنحو 8 تريليونات متر مكعب حسب وكالة الطاقة الدولية، لتشمل موقع العراق الجغرافي الحيوي في قلب الشرق الأوسط، فضلاً عن طبيعته الديموغرافية.
ولهذا، فإن توسع الاستثمارات الروسية والصينية في قطاع الطاقة العراقي خلال العقدين الماضيين أثار قلق واشنطن، التي عمدت إلى الاستفادة من العقوبات التقييدية لإبعاد شركتي "لوك أويل" و "روسنفت". ونجحت، وفقاً للمقال، في إنهاء دور الأولى في حقل غرب القرنة 2، وتقليص دور الثانية في حقول الشمال.
غير أن العامل الذي لا يزال يشكّل تحدياً أمام الشركات الغربية الساعية إلى استغلال هذا الوضع والعودة إلى العراق، يتمثل في مدى ضمان تنفيذ العقود، في ظل تغلغل الفساد في قطاعات رئيسية من منظومة الرقابة الحكومية على قطاع النفط، إذ يُصنَّف العراق باستمرار ضمن أسوأ عشر دول من أصل 180 دولة من حيث حجم الفساد ونطاقه، فضلاً عن ديمومة مخاطره بسبب نقص الخبرة في الإدارة العامة، والانقسامات الطائفية، وغياب الإرادة السياسية لمكافحة الفساد. وتتجلى هذه المخاطر في عمليات الاختلاس الضخمة، والاحتيال في المشتريات، وغسل الأموال، وتهريب النفط، والرشاوى البيروقراطية، والتدخل السياسي في هيئات مكافحة الفساد، وضعف المجتمع المدني، وعدم اكتمال النصوص القانونية. كما أن حصر السلاح بيد الدولة وتمكينها من اتخاذ القرارات المصيرية الكبرى وتحقيق الاستقرار الأمني، تعد من أبرز الأهداف التي توليها إدارة ترامب اهتماماً، وتسعى إلى تحقيقها لبناء بيئة آمنة للاستثمارات.