اخر الاخبار

لم يكن قرار البنك المركزي العراقي بفرض الوصاية على مصرف الطيف مفاجأة في الوسط المالي، بقدر ما كان إعلاناً متأخراً عن أزمة استمرت شهوراً تحت أنظار السلطة النقدية.

فبينما تعالت مناشدات المودعين خلال الفترة الماضية للمطالبة بايجاد حلول، ظل البنك المركزي يمارس دور المتفرج حتى تفاقمت الخسائر، ليفتح هذا الملف سؤالاً جاداً بشأن الجدوى الفعلية لـ "حزم الاصلاح المصرفي" وشعارات تطوير القطاع المالي، إذا كانت الإجراءات الرقابية لا تتحرك إلا بعد فوات الأوان وتآكل ما تبقى من ثقة المواطن بالمنظومة المصرفية.

ضعف الادارة والرقابة

في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي قاسم السلطاني إن هناك إخفاقات واضحة في إدارة السياسة المالية، انعكست بصورة مباشرة على أداء القطاع المصرفي وسعر صرف الدينار العراقي، مبيناً أن حالة التداخل بين السياسة المالية والسياسة النقدية أسهمت في إرباك إدارة الملف المالي والنقدي في البلاد.

وأوضح السلطاني لـ"طريق الشعب"، أن ضعف السياسة المالية دفع البنك المركزي إلى التدخل بصورة أكبر في ملفات يفترض أن تقع ضمن مسؤولية السياسة المالية، الأمر الذي انعكس على استقرار سعر الصرف، مشيراً إلى أن سعر الدولار شهد خلال فترات سابقة ارتفاعات كبيرة في السوق الموازية، وصلت إلى مستويات تراوحت بين 150 و165 وحتى 170 ألف دينار لكل 100 دولار.

وأضاف أن هذا التذبذب يمثل، من وجهة نظره، مؤشراً على ضعف القرار المالي، معتبراً أن معالجة الاختلالات لا يمكن أن تقع على عاتق البنك المركزي وحده، وإنما تتطلب وجود إدارة مالية قادرة على رسم سياسة مالية واضحة ومتوازنة، إلى جانب وجود قرار سياسي داعم لهذه السياسة.

وأشار السلطاني إلى أن ضعف الرقابة على حركة الأموال يمثل أحد أبرز مكامن الخلل في المنظومة المالية، لافتاً إلى أن ضعف الرقابة المالية والمؤسسية أسهم في إتاحة المجال أمام حدوث تجاوزات كبيرة على الأموال العامة.

وفي ما يتعلق بحماية أموال المودعين في حال تعثر أو إفلاس أحد المصارف، أكد السلطاني أن وجود منظومة لضمان الودائع يوفر أساساً لحماية حقوق المواطنين، مشيراً إلى إمكانية تدخل البنك المركزي، عند الضرورة، لدعم المصارف المتعثرة بما يسهم في الحفاظ على حقوق المودعين واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

وبشأن فقدان ثقة المواطنين بالمصارف العراقية، رأى المتحدث أن المصارف والبنك المركزي يتحملان جانباً من مسؤولية هذا التراجع، مشيراً إلى الفجوة الكبيرة بين أسعار الفائدة على القروض والعوائد التي يحصل عليها أصحاب الودائع.

ونبه الى أن بعض المصارف تمنح القروض بفوائد مرتفعة جداً، في حين يحصل المودع على عوائد محدودة، متسائلاً عن أسباب عدم تقديم عوائد أفضل للمواطنين الذين يودعون أموالهم في المصارف، ولا سيما أن ذلك من شأنه تشجيع المواطنين على إيداع مدخراتهم بدلاً من إبقائها خارج النظام المصرفي.

وأضاف أن صعوبة سحب الأموال عند الحاجة تمثل عاملاً آخر في تراجع الثقة بالمصارف، موضحاً أن المواطن قد يودع مبالغ كبيرة، لكنه يواجه صعوبات عندما يحتاج إلى سحبها، وهو ما يخلق حالة من عدم الثقة بين المواطن والمؤسسة المصرفية.

واقترح السلطاني زيادة العوائد المقدمة للمودعين، ولا سيما أصحاب الودائع الكبيرة، بهدف تشجيع المواطنين على إدخال أموالهم إلى الجهاز المصرفي، بما يسهم في زيادة حركة الأموال وتنشيط المشاريع الاقتصادية والاستثمارية.

وانتقد ما وصفه بغياب استراتيجية مصرفية واضحة وشفافة، مؤكداً أن إصلاح القطاع المصرفي لا يمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات التنظيمية وحدها، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تحدد طبيعة العلاقة بين المصارف والمواطن وآليات إدارة الأموال وتحريكها داخل الاقتصاد.

وأشار إلى أن غياب سياسة مصرفية واضحة يمثل أحد أوجه الخلل في إدارة القطاع، مبيناً أن السياسة المالية لا يمكن أن تكون فاعلة من دون وجود سياسة مصرفية واضحة ومتكاملة.

وأكد السلطاني أن التداخل بين مهام السياسة المالية والسياسة النقدية أدى إلى نتائج سلبية، من بينها اضطراب سعر صرف الدينار وظهور الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، معتبراً أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب الفصل الواضح بين أدوار وزارة المالية والبنك المركزي، إلى جانب تفعيل الرقابة الفعلية على حركة الأموال.

وختم السلطاني بالتأكيد أن ما شهده القطاع المالي والمصرفي من اختلالات يعكس، في جانب منه، ضعفاً في الإدارة والرقابة، معرباً عن أسفه لوصول المنظومة المالية إلى هذا المستوى من التراجع، ومشدداً على ضرورة إعادة بناء الثقة بالمؤسسات المصرفية والمالية عبر إصلاحات حقيقية ورقابة أكثر فاعلية.

كرة ثلج تتدحرج

من جانبه، قال الباحث في الشأن الاقتصادي حسنين تحسين إن سياسات البنك المركزي العراقي اتسمت خلال الفترة الماضية بالتخبط، ولا سيما فيما يتعلق بتعدد التغييرات في سعر الصرف، الأمر الذي أسهم، بحسب رأيه، في إضعاف ثقة المواطنين بالمصارف الحكومية والأهلية.

وأضاف في حديثه مع "طريق الشعب"، أن هناك عوامل اضطرارية تدفع المواطنين والشركات إلى التعامل مع المصارف، من بينها الحوالات المالية والودائع المفروضة على الشركات، مشيراً إلى أن «أكبر دليل على تراجع الثقة بالمصارف هو أن الناس، متى ما سنحت لها الفرصة، تسحب أموالها من المصارف».

وأوضح أن العدد الكبير للمصارف الأهلية العاملة في العراق يمثل، من وجهة نظره، مؤشراً على حالة الفوضى التي يعيشها النظام المصرفي، لافتاً إلى أن عدد المصارف الأهلية في العراق يفوق، في بعض المقارنات، أعداد المصارف الموجودة في دول كبرى.

وأشار إلى أن حالات التعثر والإفلاس المصرفي ليست أمراً استثنائياً على المستوى العالمي، كما أن فرض الوصاية على المصارف أو تدخل الجهات النقدية لمعالجة أوضاعها يعد إجراءً معمولاً به في الأنظمة المصرفية المختلفة، إلا أن الإشكالية تكمن في توقيت التدخل وآلياته.

وفي ما يتعلق بمصرف الطيف الإسلامي، بيّن تحسين أن المصرف يواجه مشكلات منذ فترة، معتبراً أن تأخر البنك المركزي في اتخاذ إجراءات المعالجة يثير تساؤلات بشأن مستوى المتابعة والرقابة، خصوصاً مع وجود شكاوى من العملاء بشأن مشكلات في التعامل مع المصرف منذ أشهر.

وبيّن أن الوصاية على المصارف هي تنظيم وجدولة لعمل المصرف وفق نظام لإدارة الأزمات، على أن تراعي الجهة القائمة بالوصاية، بالدرجة الأولى، حقوق العملاء والمودعين.

وأكد أن ما يجري في مصرف الطيف الإسلامي يمثل اختباراً حقيقياً لأداء البنك المركزي العراقي في هذه المرحلة الحساسة، وكذلك لأداء مصرف أهلي كبير، مشدداً على أن العامل الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في سرعة استجابة البنك المركزي ومعالجة أوضاع المصرف بما يضمن إعادة حقوق المودعين وطمأنتهم.

وحذّر تحسين من أن أي تأخر في معالجة ملف المودعين قد يؤدي إلى انتقال حالة القلق إلى عملاء مصارف أخرى، قائلاً إن سرعة الاستجابة ضرورية لتجنب دحرجة كرة الثلج وتحول المخاوف إلى حالة من الذعر داخل القطاع المصرفي.

ولفت إلى أن تولي البنك المركزي مسؤولية الوصاية على أحد المصارف ليس سابقة، إلا أن حساسية المرحلة الراهنة في العراق، على مختلف المستويات الاقتصادية والمالية، تجعل التعامل مع الملف أكثر دقة وخطورة، وتتطلب إجراءات سريعة ومدروسة للحفاظ على الثقة بالنظام المصرفي.

اساليب احتيالية

الى ذلك، قال الخبير المصرفي أحمد هذال إن العلاقة بين البنك المركزي والحكومة ينبغي أن تقوم على التنسيق، مع الحفاظ على استقلالية كل سياسة في تحديد أهدافها، بما يسهم في حماية الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز الاحتياطيات.

واضاف هذال، الذي التقى مؤخرا الى جانب عدد من الخبراء والمهتمين بالشان الاقتصادي والمالي، محافظ البنك المركزي، أن بعض المصارف تستخدم أساليب احتيالية بحق المواطنين، مبيناً أن البنك المركزي سارع إلى فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي بهدف حماية إيداعات المواطنين.

واعتبر أن فرض الوصاية يمثل إجراءً روتينياً ضمن أدوات البنك المركزي لمعالجة أوضاع المصارف، فيما ترتبط العقوبات المفروضة بالمخالفات الداخلية ولا علاقة لها بأي جهات خارجية.

وأشار إلى أن بعض المصارف تستخدم أساليب احتيالية بحق المواطنين، مبيناً ان ارتفاع أسعار الفائدة قد يدفع بعض المواطنين إلى إيداع أموالهم في مصارف معينة دون الالتفات بصورة كافية إلى المخاطر المرتبطة بالجهة المودعة لديها الأموال.

ولفت إلى أن البنك المركزي، بعد فرض الوصاية، يمكنه استخدام مجموعة من السياسات والإجراءات للوصول إلى أصول وممتلكات مالكي المصرف، ولا سيما في ظل تعهد المصرف مؤخراً بتسديد نحو 60 في المائة من حجم الإيداعات.

وأكد هذال أن ردة فعل البنك المركزي تجاه مصرف الطيف كانت قوية، وستكون أشد تجاه أي مصرف آخر لا يلتزم بالضوابط والتعليمات، مشيراً إلى أن توجه البنك المركزي في المرحلة الحالية يميل إلى توسيع نطاق العقوبات المالية، في ظل وجود معلومات وإحاطة واسعة بحالات الاحتيال المصرفي وغسل الأموال.

ولفت إلى وجود توجه لتعديل بعض فقرات شركة ضمان الودائع، ولا سيما بعد عدم قيامها، بحسب رأيه، بالدور المطلوب في التحذير المبكر من المخاطر والمخالفات لدى بعض المصارف، مبيناً أن التعديلات ستتجه نحو اعتماد إجراءات أكثر استباقية للكشف عن المخاطر المصرفية قبل تفاقمها.