عاد ملف الاقتراض الخارجي إلى واجهة النقاش الاقتصادي، مع تحرك نيابي باتجاه منح الحكومة صلاحيات أوسع للحصول على قروض خارجية لتمويل المشاريع الاستثمارية، وسط تحذيرات اقتصادية من أن توسيع صلاحيات الاقتراض من دون وضع سقوف وضوابط واضحة قد يزيد أعباء الدين العام ويقلص الإيرادات غير النفطية.
وبينما ترى الجهات الداعمة للمقترح أن توجيه القروض إلى المشاريع الإنتاجية يمكن أن يحول الدين إلى أداة للتنمية، يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات بشأن كلفة الاقتراض، والتصنيف الائتماني للعراق، وقدرة المشاريع الممولة على تحقيق إيرادات كافية لتغطية أصل الدين وفوائده.
وتزداد حساسية الملف في اقتصاد ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، فيما يحذر مراقبون من أن غياب الضوابط الدقيقة قد يحوّل القروض من وسيلة لتمويل مشاريع تخلق قيمة مضافة إلى عبء جديد على المالية العامة.
وفي المقابل، يبرز السؤال الأهم: هل يمتلك العراق فعلاً قائمة جاهزة من المشاريع الإنتاجية القادرة على استيعاب هذه القروض وتحقيق عوائد تضمن سدادها، أم أن الاقتراض قد يصبح مساراً جديداً لتمويل الإنفاق دون معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد؟
صلاحيات بالمليارات
وانتقد مرصد إيكو عراق مقترح قانون الاقتراض المعد من اللجنة المالية النيابية، محذراً من تداعياته المحتملة على الإيرادات غير النفطية، فضلاً عن مخاطر الفساد والمنافسة غير العادلة.
وأوضح المرصد أن مقترح القانون، المؤلف من تسعة بنود، يمنح مجلس الوزراء صلاحية الاقتراض الخارجي بحد أقصى يبلغ خمسة مليارات دولار لكل حالة، فيما يمنح وزير المالية صلاحية الاقتراض بما يصل إلى ملياري دولار، على أن تتطلب المبالغ التي تتجاوز ذلك موافقة مجلس النواب.
وأشار إلى أن المقترح يتضمن إعفاء الجهات المقرضة من الضرائب والرسوم الجمركية المتعلقة بالمشاريع الممولة، محذراً من أن هذه الإعفاءات قد تقلص الإيرادات العامة، فضلاً عن إمكانية استغلالها لإدخال مواد لا ترتبط بالمشاريع المشمولة بالإعفاءات.
ولفت المرصد إلى أن الإعفاءات قد تخلق منافسة غير متكافئة مع الشركات والمقاولين العراقيين الذين يلتزمون بتسديد الضرائب والرسوم الجمركية المستحقة عليهم.
سقف سنوي
وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن منح مجلس الوزراء صلاحية الاقتراض الخارجي بحد أقصى يبلغ خمسة مليارات دولار لكل حالة، ووزير المالية صلاحية الاقتراض حتى ملياري دولار، يمثل توسعاً في صلاحيات الاقتراض يتطلب ضوابط أكثر صرامة.
وأوضح لـ«طريق الشعب» أن عبارة «لكل حالة» قد تفتح المجال أمام تراكم التزامات مالية كبيرة من دون وجود سقف سنوي واضح ورقابة برلمانية كافية.
وأكد أن العراق يحتاج إلى الاقتراض لتمويل الاستثمار، وليس لتحويله إلى أداة مستمرة لتمويل العجز والنفقات التشغيلية، مشدداً على أن جوهر القضية يتمثل في إدارة الدين وليس مجرد الحصول على التمويل.
وأضاف أن أي قرض خارجي ينبغي أن يخضع، قبل الموافقة عليه، لتقييم اقتصادي ومالي مستقل يحدد كلفة القرض، وفترة السداد، ومصدر الوفاء بالالتزامات، والعائد الاقتصادي للمشروع، فضلاً عن فرص العمل التي يوفرها ونسبة المكون المحلي فيه.
ودعا إلى النص بشكل صريح على منع استخدام القروض الاستثمارية في تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية أو سد العجز الجاري، مؤكداً أن الاقتراض يجب أن يرتبط بمشاريع قادرة على تحقيق عوائد وقيمة مضافة للاقتصاد.
الإعفاءات والموارد
وفي ما يتعلق بالإعفاءات الضريبية والكمركية، عدّ السعدي هذا الجانب من أكثر النقاط التي تحتاج إلى مراجعة، لافتاً إلى أن النفط شكّل نحو 91 في المائة من إيرادات العراق خلال عام 2024، مقابل نحو 9 في المائة للإيرادات غير النفطية، بحسب بيانات وزارة المالية.
وقال إن الحديث عن تنويع الإيرادات لا ينسجم مع اعتماد سياسة تعفي جزءاً من النشاط الاقتصادي من الضرائب والرسوم من دون دراسة واضحة لتكلفة هذه الإعفاءات على الخزينة العامة.
وحذر من أن الإعفاء الشامل قد يؤدي إلى خلق منافسة غير متكافئة بين الشركات الأجنبية والمحلية، مبيناً أن الشركة الأجنبية التي تنفذ مشروعاً ممولاً بقرض وتحصل على إعفاءات ضريبية وكمركية ستكون في وضع أفضل من الشركات والمقاولين العراقيين الذين يتحملون الالتزامات نفسها.
وأكد ضرورة ربط الحوافز بالمشروع وليس بجنسية الشركة، بحيث يستفيد منها أي مستثمر أو مقاول يستوفي الشروط والمعايير المحددة.
واقترح السعدي وضع سقف سنوي إجمالي للاقتراض الخارجي، بدلاً من الاكتفاء بتحديد سقف لكل حالة، وحصر الاقتراض بالمشاريع الاستثمارية والإنتاجية التي تمتلك دراسات جدوى ومصادر سداد واضحة.
كما دعا إلى إعادة صياغة الإعفاءات الضريبية والكمركية لتكون محددة بالمشروع ولفترة وقيمة معلومتين، وتخضع للتدقيق لمنع استغلالها في إدخال بضائع أو معدات خارج نطاق المشروع.
وأشار إلى إمكانية اعتماد نماذج تمويل أكثر توازناً، من بينها القروض الميسرة والضمانات السيادية المحددة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تسهم في زيادة الإيرادات غير النفطية، أو خفض كلفة الاستيراد، أو خلق صادرات وفرص عمل.
تحذير من المديونية
من جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي محمود داغر من مخاطر دخول الاقتصاد العراقي في فخ المديونية، مؤكداً أن منح الحكومة صلاحية الاقتراض كان من الممكن تنظيمه ضمن قانون الموازنة العامة، بما يتيح إخضاع عمليات الاقتراض للرقابة والمتابعة وربطها بالأهداف التي تحددها الموازنة.
وقال داغر في حديثه مع «طريق الشعب» إن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي في ظل الظروف الاقتصادية والائتمانية للعراق قد يدفع الحكومة نحو مصادر تمويل تجارية ذات كلف مرتفعة، مبيناً أن انخفاض التصنيف الائتماني للعراق يجعل الحصول على قروض تجارية أكثر كلفة، سواء للحكومة أو للشركات التي ستعمل في المشاريع العراقية.
وأضاف أن الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي أو مجموعة البنك الدولي، قد يكون أقل كلفة في بعض الحالات، لكنه يرتبط بشروط وآليات مختلفة؛ إذ إن برامج صندوق النقد تتطلب، بحسب طبيعة التمويل، الاتفاق على سياسات وإجراءات اقتصادية مع الحكومة، في حين يركز البنك الدولي بصورة أساسية على تمويل المشاريع.
وشدد داغر على أن أي إصرار على الاقتراض الخارجي يجب أن يقترن بتوجيه الأموال نحو مشاريع إنتاجية تحقق قيمة مضافة وتولد إيرادات قادرة على تسديد أصل القرض وخدمته وفوائده.
وأكد أن الاقتراض لا ينبغي أن يذهب إلى تمويل النفقات التشغيلية أو المشاريع التي لا تولد موارد قادرة على خدمة الدين، موضحاً أن تقييم هذه الطروحات يبقى مرتبطاً بالنص النهائي للقانون أو مسودة المشروع المقترحة.
الدين أداة للنمو
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي إن التوجه نحو حصر الاقتراض بالمشاريع الاستثمارية يمثل تحولاً مهماً في إدارة الدين العام، مشيراً إلى أن الاقتراض لا يمثل مشكلة بحد ذاته، وإنما تكمن المشكلة في طريقة توظيف الأموال المقترضة والجهات أو المشاريع التي توجه إليها.
وأضاف الشيخلي لـ«طريق الشعب» أن الاقتراض ينبغي ألا يستخدم لتمويل الرواتب أو النفقات التشغيلية اليومية، بل يوجه إلى مشاريع استراتيجية ومنتجة قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية وخدمية مستدامة، مبيناً أن المشروع الممول بالدين يجب أن يمتلك قدرة واضحة على تحقيق إيرادات تتناسب مع كلفة التمويل.
وأوضح أن الحصول على تمويل بفائدة منخفضة واستثماره في مشروع يحقق عائداً أعلى يمكن أن يحول الدين من عبء مالي إلى أداة للنمو الاقتصادي، مشيراً إلى إمكانية توظيف التمويل في تطوير البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية بما يسهم في رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
تنويع الاقتصاد
وأكد الشيخلي في الوقت ذاته ضرورة عدم استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط كمصدر رئيسي لتمويل الموازنة، داعياً إلى تنويع الإيرادات من خلال تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة وغيرها من القطاعات القادرة على توفير موارد مستدامة للدولة.
ولفت إلى وجود فرص استثمارية واسعة في العراق يمكن استغلالها من خلال جذب الشركات الكبرى، ولا سيما في الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، مشيراً إلى توفر مواد أولية يمكن أن تشكل قاعدة لصناعات محلية، مثل الحديد والزنك والخارصين والكبريت.
وبيّن أن استقطاب الشركات العالمية يتطلب توفير بيئة استثمارية وأمنية مستقرة، مؤكداً أن رأس المال يبحث عن بيئة آمنة تضمن استدامة المشاريع وحماية الاستثمارات.
وفي ملف الإسكان، رأى الشيخلي أن ربط المشاريع السكنية بالمناطق الصناعية والزراعية يمكن أن يسهم في معالجة أكثر من مشكلة في الوقت نفسه، من خلال توفير مساكن منخفضة الكلفة للعمال، وتوفير اليد العاملة للمشاريع، وتنشيط قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.
وختم الشيخلي بالتأكيد على ضرورة تبني رؤية اقتصادية طويلة الأمد تقوم على الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجاً، بما يتيح للعراق بناء مصادر دخل جديدة وتقليل اعتماده على الإيرادات النفطية.