باتت أزمة الشباب في العراق، جزءا من بنية النظام السياسية ومنظومته الحاكمة الفاشلة، فلم تعد مجرد ملفٍ اجتماعي يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات الأخرى؛ فجيلٌ واسع يقف اليوم عند تقاطع البطالة وضيق الفرص وتراجع المشاركة العامة، فيما تتسع المسافة بين طموحاته وما تتيحه المؤسسات والاقتصاد من مسارات لبناء مستقبل مستقر.
وبينما تتغير أولويات الأجيال الجديدة وتتبدل أدواتها في التعبير والتنظيم، تبدو الاستجابة الرسمية والمجتمعية أمام اختبار حقيقي: هل يجري التعامل مع الشباب باعتبارهم رقماً وكتلة في صناديق الاقتراع، أم باعتبارهم شريكاً في صناعة السياسات والقرار؟
"طريق الشعب" التقت أخيراً سكرتير اتحاد الشبيبة الديمقراطي علي خيون، الذي طرح قراءة لأبرز التحديات التي تواجه الشباب، بدءا من البطالة وفرص العمل، مروراً بالحريات والهجرة والسكن، وصولاً إلى محدودية المشاركة في الحياة العامة.
وتبقى أهمية ما خرج به المؤتمر الأخير للاتحاد، تتوقف عند قدرته على تحويل هذه المطالب إلى مسار عمل قابل للقياس، وفي مدى استعداد المؤسسات المعنية للتعامل معها بوصفها قضايا دولة لا مجرد مطالب شبابية مؤجلة.
المؤتمر.. محاولة لإعادة تنظيم العمل الشبابي
وقال خيون، إن نقاشات المؤتمر تركزت بصورة أساسية على الورقة الشبابية التي تناولت جملة من التحديات والأزمات التي تواجه الشباب العراقي، إلى جانب مناقشة النظام الداخلي وآليات تطوير العمل والتنظيم داخل الاتحاد.
وأشار إلى أن أبرز المشكلات التي رصدها المؤتمر تمثلت في تفاقم البطالة وشح فرص العمل، وتضييق الحريات، والهجرة القسرية، وأزمة السكن، فضلاً عن ارتفاع معدلات الانتحار والعنف الأسري والجريمة المنظمة، إلى جانب ضعف المشاركة الفعلية للشباب في الحياة العامة ومواقع صنع القرار.
وبيّن أن المؤتمر طرح جملة من الحلول العملية لمعالجة هذه التحديات، من بينها مطالبة الجهات الحكومية بإعادة فتح المصانع والمعامل المغلقة، وتفعيل برامج التدريب والتمكين المهني بالتعاون مع القطاع الخاص، فضلاً عن تسهيل الحصول على القروض المخصصة للمشاريع التنموية والصغيرة بعيداً عن التعقيدات الإدارية.
الاستثمار أمام اختبار تشغيل الشباب
وأضاف سكرتير الاتحاد، أن المؤتمر دعا كذلك إلى إعداد آلية واضحة تلزم الشركات الاستثمارية بتخصيص نسب محددة من فرص العمل للعمالة الشابة، بما يسهم في توفير فرص عمل حقيقية للشباب وربط الاستثمار باحتياجات سوق العمل المحلية.
وفي ما يتعلق بمشاركة الشباب في صنع القرار بالبلاد، قال إن هذه المشاركة لا تزال دون المستوى المطلوب عازياً ذلك، في جانب منه، إلى ما وصفه بتعامل منظومة الحكم الشكلية مع الشباب، والنظر إليهم بوصفهم أداة انتخابية، فضلاً عن واقع الحريات الذي يفرض قيوداً على حرية التعبير، سواء في ساحات الاحتجاج أم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وشدد على ضرورة تعزيز دور المنظمات والاتحادات والنقابات المحلية، لتكون حلقة فاعلة بين الشباب وصنّاع القرار، بما يضمن إيصال صوتهم واحتياجاتهم والمساهمة في صياغة سياسات وقرارات أكثر ارتباطاً بواقعهم.
تسليع العمل يضرب ثقافة التطوع
وحول أبرز التحديات التي تواجه الاتحاد، أشار خيون إلى ما وصفه بضرر المنظمات التابعة لأحزاب السلطة على العمل الشبابي، مبيناً أن ذلك أسهم، بحسب رؤيته، في تسليع العمل وأضعف رغبة شريحة واسعة من الشباب في الانخراط في العمل التطوعي.
ولفت إلى بروز جيل جديد من الشباب ذي اهتمامات مختلفة، ولا سيما في مجال الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أهمية تجاوز الفجوة بين الأجيال عبر تطوير قنوات الحوار، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية واللوجستية التي تعيق الوصول إلى القواعد الشبابية في الأقضية والقرى والمناطق النائية.
وكشف خيون أن مكتب السكرتارية العامة وضع، عقب المؤتمر، آلية عمل لتحويل توصياته إلى خطط تنفيذية فعلية، من خلال إعداد جدول زمني واضح وتوزيع المهام على مكاتب ولجان اختصاص، تشمل اللجان الثقافية والإعلامية والرياضية والتنظيم والاحتجاجات، بهدف ضمان ترجمة توصيات المؤتمر إلى خطوات عملية على المستويين التنظيمي والجماهيري.
الورقة الشبابية ستصل إلى الحكومة
وأضاف أن الاتحاد سيعمل كذلك على تسليم نسخة من (الورقة الشبابية) إلى وزارة الشباب والرياضة، بهدف وضع الجهات المعنية أمام حجم المعاناة والتحديات التي تواجه الشباب العراقي، وإيصال رؤيتهم ومطالبهم إلى المؤسسات الحكومية ذات الصلة.
وفي المقابل، أكد ان أزمة الثقة بين الشباب والمؤسسات لا يمكن معالجتها بالخطاب وحده، إذ تحتاج إلى عمل جاد ونتائج ملموسة يمكن للشباب لمسها في حياتهم اليومية.
وتوقف عند مسألة مهمة كذلك ألا وهي الهجرة، باعتبارها واحدة من النتائج المحتملة لتراكم هذه الأزمات، إذ قال إن قرار الشاب بمغادرة البلاد لا يرتبط بالجانب الاقتصادي وحده، وإنما قد يكون انعكاساً لشعوره بانسداد الأفق أمام بناء مستقبل مستقر داخل بلده، وهنا نحتاج الى خلق بيئة يشعر فيها الشباب بأن لديهم مستقبلاً قابلاً للبناء في الداخل.
ولفت كذلك الى أن إعادة الاعتبار للعمل التطوعي والشبابي تتطلب بيئة تسمح للمبادرات المستقلة بالنمو بعيداً عن التسييس أو الاستخدام الموسمي، فوجود مساحات حقيقية للعمل المدني يمكن أن يوفر قناة منظمة لمشاركة الشباب في معالجة قضايا مجتمعاتهم، ويمنحهم في الوقت نفسه خبرة عملية في التنظيم والمبادرة وتحمل المسؤولية.