اخر الاخبار

بين تحذيرات سورية من ارتفاع مناسيب نهر الفرات، واستعداد تركيا لزيادة الإطلاقات المائية، يجد العراق نفسه أمام اختبار جديد لإدارة واحدة من أكثر موارده حساسية. فالمياه التي طالما شكّلت مصدر قلق بسبب شحها وانخفاض مناسيبها، تتدفق هذه المرة بكميات أكبر، لكن الوفرة المؤقتة لا تعني بالضرورة أن العراق قادر على تحويلها إلى خزين مائي مستدام.

ومع استمرار الزيادة المرتقبة في واردات الفرات، تتقدم إلى الواجهة أسئلة تتجاوز حجم المياه الواصلة إلى كيفية إدارتها واستثمارها: هل يمتلك العراق القدرة على استيعاب هذه الزيادة وخزنها؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الموجة المائية إلى فرصة لتعزيز الأمن المائي وإسناد الأهوار والزراعة والبيئة، أم أن ضعف التخطيط وإدارة الخزين سيجعل جزءاً منها يواصل طريقه نحو الخليج؟

تحذيرات من ارتفاع مناسيب الفرات

ففي سوريا، حذرت وزارة الزراعة الأهالي في محافظتي الرقة ودير الزور، ولا سيما القاطنين قرب مجرى نهر الفرات، من الاقتراب من النهر أو السباحة فيه، بالتزامن مع الزيادة التدريجية في الإطلاقات المائية من سد كديران، والتي سترتفع إلى 900 متر مكعب في الثانية اعتباراً من 23 آب، قبل أن تصل إلى 1000 متر مكعب في الثانية بعد يومين، وسط توقعات بارتفاع المناسيب وزيادة سرعة جريان المياه.

العراق أمام فرصة مائية ولكن؟

في هذا الصدد، قال رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن تركيا تستعد لزيادة الإطلاقات المائية في نهر الفرات، وطرح تساؤلات بشأن قدرة العراق على الاستفادة من هذه المياه وخزنها، بدلاً من ذهابها هدراً إلى الخليج.

واضاف عبد اللطيف لـ" طريق الشعب"، ان سوريا حذرت من الاقتراب من نهر الفرات خشية ارتفاع مناسيب المياه وقوة الإطلاقات.

واشار إلى أن المشكلة الأساسية بالنسبة للعراق تتمثل في كيفية إدارة هذه الكميات المائية والاستفادة منها، ولا سيما أن عدداً من المحافظات والأهوار ما زال يعاني من انخفاض مناسيب المياه وشحها.

وتابع أن انخفاض مناسيب المياه في الأنهار، ولا سيما الفرات، انعكس سلباً على البيئة المائية والثروة السمكية، نتيجة ضحالة المياه وانخفاض مستويات الأوكسجين وارتفاع تراكيز الملوثات، الأمر الذي يزيد من الضغوط التي تواجهها الأنظمة البيئية والمائية في البلاد.

ولفت إلى أن الإطلاقات التركية قد تصل إلى نحو الف متر مكعب في الثانية، وهي كمية كبيرة يمكن، في حال إدارتها وخزنها بصورة صحيحة، أن توفر للعراق احتياطياً مائياً مهماً لسنوات مقبلة، داعياً إلى وضع خطة واضحة لاستثمار هذه المياه وعدم السماح بخروجها من البلاد دون تحقيق الاستفادة المطلوبة منها.

وأكد عبد اللطيف أن العراق لا يزال يفتقر إلى خطة فاعلة لخزن المياه وإدارة الكميات الواردة، محذراً من أن استمرار التعامل مع الإطلاقات المائية من دون إدارة وخزن استراتيجي قد يؤدي إلى هدر فرصة مهمة لمعالجة أزمة المياه التي تعاني منها البلاد.

ونبه إلى أن التحديات لا تقتصر على مياه الشرب والاستخدامات العامة، حيث تشمل أيضاً احتياجات القطاع الزراعي والبحيرات ومواقع تربية الأسماك، فضلاً عن الاستثناءات المتعلقة بزراعة المحاصيل الاستراتيجية، مثل الحنطة والشعير والشلب، وهي عوامل قد تزيد الضغط على الموارد المائية المتاحة.

وشدد رئيس مرصد العراق الأخضر على ضرورة أن تتعامل الجهات المعنية مع الإطلاقات المائية المرتفعة بوصفها فرصة لتعزيز الخزين المائي ومعالجة جزء من آثار الشح الذي شهدته البلاد خلال الأشهر الماضية، داعياً إلى إدارة ملف المياه بصورة أكثر كفاءة، بما يضمن الاستفادة من المياه الواردة ويحافظ على الموارد المائية والبيئية للعراق.

إدارة استباقية للموجة المائية

من جانبه، اكد خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة، إن الزيادة في إطلاقات مياه الفرات تمثل فرصة مائية استثنائية للعراق، لكنها في الوقت ذاته تتطلب إدارة دقيقة، تفادياً لتحولها إلى مشكلة فيضانية أو فرصة مهدرة، مشيراً إلى أن واردات الفرات شهدت خلال الأشهر الماضية ارتفاعاً ملحوظاً، فيما تجاوز خزين سد حديثة 4 مليارات متر مكعب، وفق تصريحات لوزارة الموارد المائية.

وقال حمزة إن العراق يمتلك بنية تحتية مهمة لاستقبال الإطلاقات المرتفعة، وفي مقدمتها سد حديثة والمنظومة المرتبطة بنهر الفرات، فضلاً عن البحيرات والخزانات والمنشآت التنظيمية، مبيناً أن التطورات الأخيرة أثبتت قدرة سد حديثة على استيعاب كميات مهمة من المياه.

وأوضح أن التحدي لا يرتبط بوجود السدود والمنشآت المائية فحسب، وإنما بمدى جاهزية المنظومة لتشغيلها بصورة ديناميكية تتلاءم مع توقيت وحجم الإطلاقات، داعياً إلى الانتقال من إدارة المياه القائمة على رد الفعل إلى إدارة استباقية تعتمد على التنبؤ بالإطلاقات، والمراقبة اللحظية للمناسيب والتدفقات، وتعزيز التنسيق المباشر مع سوريا وتركيا.

وأضاف أن العراق يمتلك جزءاً كبيراً من البنية التحتية المطلوبة، لكنه بحاجة إلى خطة تشغيل متكاملة ومحدثة تربط السدود والخزانات والقنوات والبحيرات ضمن منظومة واحدة لإدارة الموجات المائية والاستفادة منها بأعلى كفاءة.

وحول إمكانية تحويل الإطلاقات المرتفعة إلى خزين بدلاً من ذهابها سريعاً باتجاه الخليج، أكد حمزة أن وصول كميات كبيرة من المياه لا يعني بالضرورة قدرة العراق على الاحتفاظ بها، موضحاً أن ذلك يعتمد على السعات الخزنية المتاحة، والمناسيب الآمنة، وطاقة المنشآت المائية، وتوقيت وصول المياه، فضلاً عن الاحتياجات الفعلية لمختلف الاستخدامات.

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من جزء كبير من هذه المياه، ولا سيما عبر سد حديثة والبحيرات المرتبطة بمنظومة الفرات، فضلاً عن توجيه كميات أخرى للاستخدامات الزراعية والبيئية وإعادة تغذية الأهوار والمسطحات المائية التي عانت من الجفاف.

وشدد على أن الهدف لا ينبغي أن يكون خزن جميع المياه، لأن جزءاً منها يجب أن يستمر باتجاه المصب للحفاظ على التوازن البيئي والوظيفة الطبيعية للنهر والأهوار، والحد من تدهور نوعية المياه وارتفاع مستويات الملوحة، مؤكداً أن المطلوب هو تعظيم القيمة المائية لكل متر مكعب، وليس مجرد زيادة حجم الخزين.

وأوضح أن ذلك يتطلب تحديداً مسبقاً للكميات التي ينبغي خزنها أو استخدامها أو إطلاقها للأغراض البيئية، فضلاً عن تحديد التوقيت الأنسب لكل إجراء.

تشكيل غرفة عمليات مائية

وفي ما يتعلق بالإجراءات العاجلة في حال وصول إطلاقات الفرات إلى مستويات مرتفعة، دعا حمزة إلى تشكيل غرفة عمليات مائية موحدة تعمل على مدار الساعة، تضم الجهات المعنية بالموارد المائية والأنواء الجوية والجهات المحلية، لمتابعة الموجة المائية ومناسيب النهر والتدفقات بصورة مستمرة.

كما دعا إلى اعتماد تشغيل ديناميكي لسد حديثة، بحيث تحدد معدلات الخزن والإطلاق وفق توقعات الواردات المستقبلية، وليس بناءً على مناسيب المياه الحالية فقط، مع الحفاظ على سعة احتياطية آمنة في الخزان لاستيعاب أي موجات مائية إضافية ومفاجئة.

وأكد أهمية الإسراع في توجيه المياه القابلة للاستفادة نحو الخزانات والبحيرات والأهوار والمناطق الزراعية التي تحتاج إلى الإرواء، مع استمرار مراقبة نوعية المياه، إلى جانب تفعيل التنسيق الفني المباشر مع سوريا وتركيا للحصول على بيانات مسبقة بشأن حجم وتوقيت الإطلاقات.

وبيّن أن التطورات الأخيرة في حوض الفرات أظهرت أن عامل الزمن أصبح عنصراً حاسماً في إدارة النهر، في ظل الزيادات الكبيرة في الواردات التي أدت إلى ارتفاع مناسيب الفرات في سوريا والعراق.

ولفت إلى أهمية ما وصفه بـ«هندسة الزمن المائي»، أي إدارة المياه وفق الاحتياجات المستقبلية، موضحاً أن المياه التي تصل اليوم قد تكون أكثر قيمة للعراق إذا جرى الاحتفاظ بها وإدارتها لتلبية احتياجات أشهر الجفاف المقبلة، بدلاً من السماح بخروجها سريعاً من المنظومة باتجاه الخليج.

وختم حمزة بالتأكيد على ضرورة التعامل مع الموجة المائية الحالية بوصفها اختباراً عملياً لقدرة المنظومة المائية العراقية على تحويل الوفرة المؤقتة إلى أمن مائي طويل الأمد، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استقبال المياه فقط، وإنما في إدارة توقيت وصولها وخزنها وتوزيعها وإطلاقها.