اخر الاخبار

كشف مصدر سياسي عراقي قريب من "الإطار التنسيقي" أن غالبية القوى المنضوية في الإطار لم تعترض على ما بات يُعرف داخل الأوساط السياسية بـ"تعليمات قاليباف"، وهي حزمة مقترحات حملها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، وفي مقدمتها إطالة المهلة المحددة لحصر سلاح الفصائل وعدم إنهائها في 30 أيلول/سبتمبر المقبل.

وقال المصدر لـ"إرم نيوز" إن الخطة الإيرانية تقترح تمديد المهلة ستة أشهر على الأقل، لكن الهدف الأبعد، حسب قوله، ليس منح الفصائل وقتاً إضافياً لترتيب أوضاعها العسكرية فحسب، وإنما "شراء الوقت لطهران إلى أن تتضح فرص التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة تعيد ترتيب العلاقة بين الطرفين، أو إبقاء الملف العراقي معلقاً، في السيناريو الأبعد، حتى نهاية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب . 

 

السلاح مقابل المناصب

ويقول المصدر، إن التصور الذي حمله قاليباف يبقي الباب مفتوحاً أمام مشروع تسوية قديم يقوم على إنهاء الصفة العسكرية المستقلة للفصائل، وليس بالضرورة تفكيك بنيتها بالكامل، من خلال نقل جزء من عناصرها وقياداتها إلى الجهاز الإداري والسياسي للدولة.

وتتضمن الصيغة المقترحة توفير مواقع دبلوماسية وإدارية وأدوار داخل مؤسسات صنع القرار لعدد من قيادات الفصائل، مقابل الموافقة على التخلي عن الاستخدام المستقل للسلاح ووضع الترسانات في مخازن الحشد الشعبي المقرب من إيران، وليس لدى أي جهة عسكرية حكومية.

وبهذا المعنى، يقول المصدر السياسي، فإن التعبير الأدق لما يجري التفاوض بشأنه ليس "نزع السلاح"، وإنما "إدارة السلاح وإخفائه مؤقتا"، تمهيدا لإعادة استخدامه وفقا للأوامر والحسابات الإيرانية، أو على الأقل انتظار بيئة إقليمية ودولية تسمح بتسوية أشمل وأقرب لمصالح طهران.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية مع ظهور مؤشرات على تراجع حكومة الزيدي عن مهلة 30 أيلول.  فقد أعلن المستشار الأمني لرئيس الحكومة العراقية قاسم الأعرجي مساء الأحد أن تاريخ 30 أيلول/سبتمبر لا يشكّل انتهاء المهلة المحدّدة للفصائل العراقية، لتسليم سلاحها للدولة، على عكس ما كان يكرّره المسؤولون منذ أشهر، من دون إعطاء تفسير لذلك.

فيما أكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي لوسائل إعلام محلية أن 30 أيلول/سبتمبر "هو موعد انتهاء وجود قوات التحالف الدولي، وليست مهلة للفصائل المسلحة"، مضيفا "ربما البعض يخلط".

ويشير هذا التطور إلى تراجع حكومي ضمني عن اعتبار تاريخ 30 سبتمبر موعداً نهائياً، رغم استمرار المفاوضات مع الفصائل بشأن وقف النشاط المسلح وتسليم السلاح وفك الارتباطات الخارجية.

 

السلاح والدولار

ولم تقتصر مهمة قاليباف في بغداد على ملف الفصائل، وفقا للمصادر. فبالتوازي مع محاولة تأجيل حسم السلاح، طرح المسؤول الإيراني رؤية لتعميق الارتباط الاقتصادي بين العراق وإيران وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

وقال قاليباف علناً إن تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين يحتاج إلى "خريطة طريق"، داعياً إلى خفض الاعتماد على الدولار الأمريكي واستخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية بين بغداد وطهران.

وتزامنت هذه الرسالة مع تصعيد في خطاب الفصائل العراقية ضد الحضور الاقتصادي الأمريكي، في وقت تسعى حكومة علي الزيدي إلى جذب استثمارات أمريكية. 

ويلفت المصدر السياسي إلى ما وصفها بـ "مفارقة"غريبة، إذ تطلب طهران من العراق تقليص اعتماده الاقتصادي على الولايات المتحدة، بينما تحتاج بغداد إلى إيران لضمان مرور صادراتها النفطية عبر المضيق، وهو ما دفع الحلبوسي إلى طلب معاملة خاصة للسفن العراقية خلال لقائه قاليباف.

 

"شراء الوقت"

في هذا السياق، يرى الباحث السياسي العراقي فراس إلياس أن جوهر التحرك الإيراني لا يتعلق بالسلاح العراقي وحده، وإنما بمحاولة منع خسارة واحدة من أهم أوراق النفوذ التي راكمتها طهران خلال العقدين الماضيين.

وقال إلياس لـ"إرم نيوز" إن "إيران تدرك أن نزع سلاح الفصائل بصورة نهائية يعني تغييراً بنيوياً في ميزان القوة داخل العراق، ولذلك سيكون من مصلحتها تحويل الاستحقاق من قرار محدد بتاريخ إلى عملية سياسية مفتوحة يمكن إطالتها وإعادة التفاوض عليها".

وأضاف أن "ستة أشهر في الحساب الإيراني ليست مجرد مهلة زمنية، بل مساحة يمكن خلالها اختبار اتجاه العلاقة مع واشنطن، وإعادة ترتيب الفصائل، والبحث عن صيغة تحفظ نفوذها حتى لو تغير الشكل العسكري التقليدي".

وبحسب الباحث السياسي العراقي، فإن "نقل القيادات إلى مواقع سياسية أو دبلوماسية وتخزين السلاح بدلاً من تفكيكه قد يصنع تسوية مؤقتة، لكنه لا يحل أصل المشكلة؛ لأنه ينقل قوة الفصائل من خارج الدولة إلى داخل مؤسساتها من دون ضمان إنهاء قدرتها على العودة إلى السلاح".

وهكذا، فإن معركة 30 أيلول قد لا تنتهي بتسليم البنادق والصواريخ، بقدر ما تتحول إلى معركة على الوقت نفسه، لجهة من يملكه، ومن يستطيع استخدامه حتى تنضج صفقة أكبر بين طهران وواشنطن.