العراق: مُجبر أخاك أم بطل؟!
نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً للكاتب غيث عبدالأحد، ذكر فيه أن الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران كشفت مدى ضعف الدولة و"سهولة انتهاك السيادة"، خاصة حين استهدفت طائرات مسيرة "عراقية" حقلاً نفطياً تديره شركة بريتيش بتروليوم، ومحطة شحن في مطار البصرة، ومجمعاً ضخماً يضم شركات أجنبية تقدم خدماتها لقطاع النفط، إضافة ألى مكاتب ومستودعات تابعة لشركتي هاليبرتون وكي بي آر الأمريكيتين.
الحزم الباهت
وأشار الكاتب إلى أن حكومة بغداد التزمت صمتاً مريباً في البداية، ثم خرجت ببيانات تحدثت فيها عن السيادة ووعدت بإجراء تحقيقات، فيما همس بعض مسؤوليها في أذن الصحفيين، منتقداً ماجرى، لأن "المنشآت التي هوجمت كانت على الأراضي العراقية، ومُوّلت من قِبل العراق، وأن الضرر لن يلحق بالشركات الأمريكية، فهي ستُحمّل العراق تكاليف الأصول المدمرة، مما سيلحق الضرر بالاقتصاد العراقي وقطاع النفط وسمعة العراق بوصفه مكاناً آمناً لممارسة الأعمال"، على حد تعبيرهم.
وأعتبر المقال أن المشاركة العسكرية غير الحكومية في الحرب كشفات عن واقع يشير الى أن جماعاتٍ متعددة، تتفاوت في درجات استقلالها، تمارس نفوذاً هائلاً، ويمكن تقسيمها الى نوعين، يتمتع الأول بنشاط سياسي واقتصادي يحميه سلاحه، فيما يقتصر نشاط النوع الثاني على مشروع سياسي عقائدي ملتزم التزامًا راسخًا بالمشروع الإيراني الهادف طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
وتطرق الكاتب إلى أن الحكومة الجديدة قد منحت جميع هذه الفصائل مهلة حتى 30 أيلول المقبل لنزع سلاحها والاندماج في الدولة، وذلك في توافق واضح مع الطموحات الأمريكية المتعلقة بتقليص النفوذ الإيراني في العراق.
انهيار التوازن
ورأى الكاتب أن تداعيات الحرب في إيران، التي تصاعدت بشكل حاد مؤخراً، كانت وخيمة على العراق، وكشفت نهاية التوازن الهش الذي كان قائماً، وضعف دولة منقسمة بشكل خطير بين الخصمين الرئيسيين في الصراع. ففيما فشلت الدولة في مواصلة كبح جماح الفصائل عبر الحوار معها، بعد تحول المشاركة في الحرب إلى صراع وجودي وواجب ديني، أعطى استخدام واشنطن للأراضي العراقية في حربها دافعاً أكبر لهذه القوى للمشاركة، حيث استُخدم المجال الجوي والقواعد الأمريكية في العراق لقصف إيران، وتم تهريب 40 ألف جهاز ستارلينك عبر الأراضي العراقية، لمساعدة المتظاهرين المعارضين للحكومة في إيران على تجاوز حجب الإنترنت هناك. ويبدو أن خيبة بعض القيادات العراقية مما آلت اليه بلادهم من ضعف عسكري، وسيادة منتهكة، وعجز عن حماية جنودها وضباطها، خيبة لها ما يبررها. ورغم انتشار رجال الأمن والكاميرات في جميع أرجاء بغداد، تبقى هوية مطلقي الصواريخ والطائرات المسيّرة من وسط المدينة، دون أن يمنعهم أحد، سرّاً معلناً.
الفساد ينخر الدولة
ومع تأكيدها وجود قادة شرفاء في قوات الأمن، أبلغت مصادر حكومية الكاتب بأن العديد من المناصب العليا لا تُمنح للضباط إلا بعد دفعهم رشاوى لرؤسائهم، وإن أولوية هؤلاء هي حماية هذه المواقع، التي تدر عليهم المال عن طريق الاحتيال والاختلاس وقبول الرشاوى، وتجنب الدخول في مواجهات. وإلى جانب الفساد المالي والاداري، تُعد مهاجمة منشآت إنتاج وتصدير النفط عملاً انتحاريا لبلد يعتمد على وارداته في تغطية رواتب الملايين، وفشل في تحقيق طموحاته بزيادة الإنتاج والتصدير بسبب عدم الاستقرار السياسي، والنزاعات التعاقدية، وتأثير مستويات متعددة من البيروقراطية، التي وُضعت ظاهريًا لمنع الفساد، لكن تجاوزها، أصبح في الواقع وسيلة لفرض الرشاوى والأتاوات، فضلاً عن سيطرة الأحزاب السياسية والعشائر وغيرها، التي تراكم ثرواتها من خلال استغلال الاتفاقيات مع المقاولين والمقاولين من الباطن، حتى بات من غير المستغرب أن يرى كثير من العراقيين في صناعة النفط رمزاً للعار أكثر من كونها رمزاً للفخر الوطني.
مُجبر أم بطل؟
ورأى الكاتب أن هذا التوافق العراقي مع مطالب ترامب لا يخرج عن تأثير الأزمة الاقتصادية، فقد أوصل إغلاق مضيق هرمز والهجمات على منشآته النفطية العراق إلى حافة الإفلاس، إضافة الى استغلال واشنطن نفوذها الهائل على اقتصاده، ولاسيما في التحكم بواردات نفطه منذ عقدين من الزمن، وتهديدها بوقف شحنات الدولار، مما سيؤدي إلى عجز الحكومة عن دفع الرواتب.
ولم يجد الكاتب سبباً لقبول الفكرة المتفائلة التي تفترض تخلي المقاتلين من حلفاء إيران عن أسلحتهم؛ أو أن تتخلى إيران عن حلفائها، في لحظة تحتاج فيها إلى حشد كل ما لديها من موارد، أو أن يتخلى السياسيون ورجال الأعمال الفاسدون، الذين أمضوا عقدين من الزمن في نهب العراق، عن ثرواتهم بناءً على طلب رئيس وزراء جديد عديم الخبرة.